المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : '' محنة أو منحة '', بقلم الامام الشهيد حسن البنا



بنت الدعوة
23rd September 2007, 09:55 PM
'' محنة أو منحة ''

http://hassanalbanna.org/images/sign2.jpg

قال رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين " ( يوسف : 33 ) .

كذلك مضت سنة ربك من قبل ومن بعد : ما صدع أحد بالحق وجهر به ، ودعا الناس إليه إلا أوذى ، والعاقبة للمتقين والنصر للصابرين .

" ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد " ( البقرة : 207 ) ، " ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين " ( الحج : 11 )
" ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذى فى الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما فى صدور العالمين " ( العنكبوت : 10 ) ، وسبحان من قسم الحظوظ فلا عتاب ولا ملامة ، فريق فى الجنة وفريق فى السعير .

تلوت هذه الآيات جميعاً ، واسترسل بى التفكير ، وتداعت إلى نفسى المعانى يأخذ بعضها بحجز بعض ، وانتقل الخاطر من الآيات إلى العظات ، ومن الحاضر إلى الغابر ، وتكشفت صحائف التاريخ ، فلمحت فى ثناياها المشرقة أئمة الفقه الإسلامى الأربعة : أبا حنيفة النعمان بن ثابت ، ومالك بن أنس ، ومحمد بن إدريس الشافعى ، وأحمد بن حنبل الشيبانى ، رضى الله عنهم جميعاً ، أولئك الذين مهدوا للناس سبل الفقه ، وعبدوا طرائقه للسالكين ، وكان فى الناس كالشمس للدنيا والعافية للبدن ، ومع هذا لم ينج أحدهم من محنة فى سبيل الحق ، كانت له منحة ولا شك .

عرض القضاء على أبى حنيفة مرتين ، وهو يعلم أن استقلال القاضى حينذاك قد يهدد بتدخل الولاة ورأى الخلفاء ، مع أن القاعدة العامة يومئذ أن منزلة القاضى من السمو بحيث لا تنال منها رهبة ولا تؤثر فيها رغبة ، وكان لأبى حنيفة فى الدولة رأيه فلم يشأ أن يقبل ، وألح أبو جعفر وأصر أبو حنيفة ، وأقسم الخليفة فأقسم الإمام ، وانتقل الأمر إلى التهديد والوعيد ، فلم يفعلا شيئاً أمام عزيمة أقوى من الحديد ، وضرب الإمام أكثر من مائة سوط حتى سال الدم على عقبيه وهو ثابت لا يلين ، وحبس حتى مات فى محبسه أو أخرج منه واعتقل فى منزله لا يفتى ، ولا يجتمع الناس عليه ، وهو على موقفه الأول ، وجاءته أمه تعاتبه وتقول : " يا نعمان إن علماً ما أفادك غير الضرب والحبس لحقيق بك أن تنفر عنه " ، فقال : " يا أماه لو أردت الدنيا ما ضربت ، ولكن أردت وجه الله وصيانة العلم " .

وسئل مالك عن طلاق المكره – وهو يعلم ما يقصد السائل ، وأنه يسأل عن يمين البيعة يكره الوالى عليها الأمة ، فلا تجد مخرجاً إلا اليمين هرباً من العذاب الأليم – فقال : " طلاق المكره لا يقع " ، وغضب الوالى لفتوى الإمام ، وأحضره ، وحاول أن يثنيه عن عزمه ، وأنى له ، فأمر به فضرب مائة سوط ، وجذب جذباً عنيفاً حتى خلعت كتفه ، وطيف به فى الأسواق وهو يقول مع هذا كله : " طلاق المكره لا يقع " .

واتهم الشافعى رضى الله عنه فى اليمن بانضمامه إلى حزب الطالبيين وشغبه على حكومة الرشيد وإمامته ، فأحضر من صنعاء إلى بغداد بالسيف والنطع ، وأعدم قبله تسعة وكان هو العاشر ، ومع هذا لم تهن عزيمته ، ولم تلن قناته ، ولم يذهب الخوف بلبه ، وأثبت الحق لنفسه حتى فاز بإعجاب الخليفة به ، وتقريبه إياه ، وسلم العلم والفضل بسلامته .

وحاول المعتصم أن يظفر من الإمام أحمد بن حنبل الشيبانى بكلمة توافق رأى الخلافة ومذهبها حين ذاك ، والإمام حيث هو وقاف عند كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، منكر لكل ما يسمع عداهما لا يتحول ولا يتردد ، وضرب حتى غشى عليه ، وسجن فى بيته لا يتصل بأحد ، ولا يتصل أحد به ، حتى فرج الله عنه ، فلم يكن خصومه معه إلا على حد قول القائل :

كناطح صخرة يوماً ليوهنها.... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

ومن قبل ومن بعد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، مضت وتمضى سنة الله العلى الكبير " ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم " ( محمد : 31 ) .

فاللهم إن كان بلاءاً فى مرضاتك وفى سبيلك فمرحباً به وأهلا ، ولك العتبى حتى ترضى ، وما لم يكن بك غضب علينا فلا نبالى ، وعافيتك بعد ذلك أوسع لنا، ولله الأمر من قبل ومن بعد .

وأنتم أيها المجاهدون العاملون لدعوات الحق اليوم وغداً ، هذا نبأ من الأمس " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده " ( الأنعام : 90 ) .


جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الأولى – العدد 192 – ص 1 – 25 محرم 1366 هـ / 19 ديسمبر 1946 .

أبو عبيدة
23rd September 2007, 10:03 PM
ومن قبل ومن بعد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، مضت وتمضى سنة الله العلى الكبير " ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم " ( محمد : 31 ) .

جزاك الله خيرا اختي الكريمة
ورحم الله إمامنا المجاهد الشهيد حسن البنا
ما أشبة الأمس باليوم
..............ز