أبو مجاهد
17th December 2009, 10:35 AM
عبد السلام الأسمر
التقيته عقب صلاة العيد، وقد وقفنا قرابة المسجد الصلاحي الكبير، في مدينة نابلس الصابرة، نتبادل التهاني بالعيد السعيد، رغم مرارة المعاناة من نير الاحتلال، ومنغصات أذناب دايتون، الذين حرمونا من أداء الصلاة في الملعب البلدي الكبير، خارج البنيان كما تقتضي السنة الشريفة، وكما عودتنا الحركة الإسلامية في نابلس منذ سنوات...
أدينا صلاة العيد هذه المرة في المساجد، وصدحنا بحمد الله وتمجيده، ورفعنا أصواتنا بالتكبير، والثناء عليه سبحانه بما هو له أهل، صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده..
لا إله إلا هو سبحانه في مثل هذا اليوم العظيم تتجلى عظمته وقدرته.. وتتراءى الصور والخواطر أمام ناظرينا أن الذي هزم الأحزاب وحده ونصر عبده رغم الضيق ورغم الحصار، قادر أن يفك غمتنا ويرفع كربنا..
تلاقت نظراتنا فأشاح بوجهه عني.. أطرق إلى الأرض، والتف مسرعاً محاولاً الابتعاد..
دهشت لفعله، فالدنيا عيد، والناس تقبل على بعضها في مثل هذه المناسبات، والأخوّة التي جمعتنا في ميادين العمل قديمة وعميقة.. فما باله ينصرف عني دون سلام..
أتراه يخشى أن ينالني أذىً من سلامه علي؟ ربما، فقد يكون مراقباً من عيون الشر، التي لا تعرف للفرح والخير مطرح.. ومع ذلك، فهذا لا يبرر أن يتلافاني ويتهرب مني ..
استفزني تصرفه، فهو يعبر عن ضعف، أربأ بأخي أن يكون به ..
كنت أعرف أن أخانا يمر بمحنة عصيبة، فقبل أن تمضي ساعات على خروجه من أسر صهيون، حتى اعتقلته طغمة دايتون المارقة، وقبل أن تمضي أيام على خروجه من سجنهم، تم اختطافه، من قبل عصابة أخرى من عصاباتهم الحاقدة، وبعد إطلاق سراحه من عند هؤلاء، عاودت عصابة أخرى من عصابات دايتون اختطافه.. ولم يُخل سبيله إلا قبيل العيد..
كنت أعرف مكانة أخينا وأحفظ له دوره ومنزلته، فهو من أبناء الحركة السابقين، ومن الأوائل الذين نعتز بجهادهم، وممن ساهموا في نشر بذور الدعوة وتثبيت ركنها لدى قطاع عريض من الشباب في الجامعات، وهو فوق ذلك من الثلة التي أستحضرها في مخيلتي كل مساء عند تلاوة ورد الرابطة..
لذا لم أعبأ بما قد يكون عليه من عيون، فأشد أشكال المراقبة ضررا، ما كان ذاتياً، أي من داخل المرء نفسه، ساعتها ستتقيد حركته، وسيشل الخوف والرعب تفكيره، ولن ينهض من مكانه..وهذا أمر مثير للغثيان، ولا أحتمل أن أرى مسلماً على هذا الحال..
لحقت به وناديته متوددا (شو يا فلان) مع مط الكلمات حسب اللهجة النابلسية المحببة، "كل عام وأنتم بخير، وتقبل الله طاعتكم"، فالتفت إلي والدمع يملأ عينيه، قائلاً (منا ومنكم يا أخي، منا ومنكم).
ثم أقبل عليّ معانقاً وقال: سامحني يا أخي ..أرجوك أن تسامحني ..وأجهش بالبكاء..
يا للهول، ما الذي حل به ؟ ما الذي جرى له؟ لم هذا البكاء؟ وهو الجبل الذي لم نعرفه إلا شامخاً..
قلت له وقد هزني الموقف: هون عليك يا أخي .. (كل شدة ولها حلال).. سيزول هذا الكرب، وسيهزم جمعهم ويولون الدبر..
قال لي بصوت يقرب إلى النحيب – سامحني بالله عليك، سامحوني يا إخوتي..
شددته من يده دافعا إياه للمسير فقد بدأ وقوفنا وبكاؤه يلفت الأنظار، فيما جموع المصلين لا زالت تغادر المسجد الكبير، متجهة صوب التربة الشرقية (المقبرة باللهجة النابلسية)، للزيارة، وهي عادة درج عليها أهل البلد منذ عقود.. فصبيحة كل عيد، عقب أداء الصلاة، تجدهم يبادرون لزيارة قبور المتوفين من الأهل والأقارب، يسلمون على أهلها، ويدعون لهم، فيما تجتمع بعض العائلات، قرب قبر كبير العائلة يتلون معاً سور يس وتبارك وبعض الأدعية المأثورة..
سرنا وسط الجموع، وكأننا في مظاهرة، تعج بالتهاني والتبريك من كل مكان، الناس تبارك لبعضها ..فهذا ينادي ذاك وآخر يجيب أولئك ..وللعيد في نابلس يا أخوتي بهجة لا تجدها في غيرها من البلدان .. رغم تنغيص قوات لحد الدايتونية، لفرحة العيد وتعكير بهجته.. فقد انتزعوا الرايات الخضراء التي زينت شوارع المدينة وتركوا رايات فصيل منبتّ عن شعبه تملأ المكان..
قلت له بصوت حازم: مالك؟
قال والعبرات تكاد تخنقه - لم أعد أحتمل يا أخي، إنهم يحطمونني، لا يتركون مجالاً لأتنفس، يسعون لإذلالي وقهري، لا لشيء، بل للقهر من أجل القهر، شتان بين السجن عند أبناء صهيون وبين الاختطاف عند هؤلاء الأوباش..
تركته يتكلم ولم أقاطعه..فالمرء يحتاج للتنفيس عن مشاعره، وعما يحيق بصدره من كبت وغيظ.. ويحتاج أكثر إلى من يسمعه من إخوانه ويتعاطف معه..
واصل حديثه قائلاً: يهينونني ويتلاعبون بأعصابي وأعصاب أسرتي، يخرجونني من بيتي ليلاً بكل دناءة وحقارة، ومن ثم يفرجون عني مساء، وقبل أن ألتقط أنفاسي يكررون فعلتهم، إنهم يستمتعون بعذابي ومرمرتي بكل سادية، لقد خلت قلوبهم من الإنسانية، ناهيك عن الشرف والوطنية...لذا فقد حسمت أمري وقررت أن أهاجر..سأرحل عن هذا المكان الذي يسود فيه هؤلاء الأوباش، أريد الرحيل..يا أخي فلم يبق لنا مكان هنا..
صعقتني كلماته، أيصل به الحال إلى هذه الدرجة حتى يفكر بالرحيل؟! أوَيترك الميدان لبني صهيون.؟..وقدسنا الحبيب وأرضنا المباركة؟!!..
هذه والله أسمى أمانيهم، يريدون الأرض خالية من أهلها.. وأذناب دايتون كذلك يريدون أن يخلو الميدان من أبناء حماس فيفسدوا كيف شاؤوا، ويبيعوا ويشتروا ويتاجروا بأرضنا وقدسنا ودمائنا دون وازع من دين أو ضمير، من أجل نزواتهم وشهواتهم ..
قاطعته محتداً، فقد استفزتني كلماته: لا أريد أن أسمع منك هذا الكلام، أتستبدل بأرض فلسطين المباركة، أرضاً أخرى، لا يا أخي، لا تقل ذلك إن ثباتك على هذه الأرض هو رباط، وأنت وأهلك وأولادك في جهاد إلى يوم القيامة ما دمت مستمسكاً بالحق ثابتاً عليه، أليس هذا ما كنت أنت تدعو إليه إياه الناس ..
جاوزنا في هذه الأثناء جامع الأنبياء على الأطراف الشرقية للبلدة القديمة، فقلت له: هل تذكر دفاعنا عن هذا المسجد؟عندما أراد قطعان المستوطنين اقتحامه، والاستيلاء عليه بحجة اسمه (حوله قبور لبعض الصالحين فزعموا أنها قبور إخوة يوسف عليه السلام) ، ولولا التصدي الرائع، والهبّة المشرفة لأهل نابلس لتمكنوا من احتلاله وتدنيسه..
تبسم لأول مرة منذ الصباح قائلاً: كان يوما مشهوداً ..
قلت له: يا أخي إن رحلت أنت، ورحل غيرك، من سيتصدى لهؤلاء الأوباش؟؟
قال: لكنك لا تعرف كل الحكاية، إنني أتمزق من داخلي، لقد حولوا حياتي إلى جحيم.. لم أكن لأبالي لو كان من يفعل ذلك هم بنو صهيون، والله يا أخي لقد لقيت الأهوال عند يهود، ولم أبالي، ولكن المرارة التي تعتصرني عند مقابلة هؤلاء لا يضاهيها مرار، ولا أظن الكلمات تسعفني للتعبير عن فظاعتها .. صدق الشاعر حين قال: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ..على المرء من وقع الحسم المهند.
أردت مقاطعته مرة أخرى.. ولكنه رفع صوته محتداً: لا تقاطعني..
قررت في نفسي ألا أقاطعه أو أناقشه، ولن أفند أي مبررات يسوقها.. فكلها بالنسبة لي هراء، مع الاعتذار، ذلك كي لا يتعصب لرأيه، وتأخذه العزة، ووقع في ظني أن خير أسلوب هو أن أستفز حميته بتذكيره بالأيام الخوالي، وذكرياتنا مع الراحلين، من قادة الحركة الإسلامية.. الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه..
واصل انفعاله بنبرة غضب شديدة، سلبونا السلاح أولاً ثم صادروا أموال الأرامل والأيتام، اعتقلوا القيادات، وأهانوها تطاولوا على الحركة صانعة الأمجاد، أفسدوا في الأرض دون وازع من ذمة أو ضمير.. ونحن أضحينا كالشياه تساق لقدرها بانقياد ..لقد تعبت يا أخي ..لم أعد أحتمل..
تبسمت، وقد شارفنا على دخول التربة، قلت: هيا لنسلّم على الشهداء ..
وهذه من أجمل عادات أهل نابلس الكرام، فهم في كل عيد يتجمعون قرب قبور الشهداء، في منظر ولا أروع، وفي واحد من أجمل مظاهر التكافل والتعاضد والترابط، فتجدهم يتجمعون فيما يسمونه "روضة الشهداء" التي ووري الثرى فيها الكثير من شهداء الانتفاضتين المباركتين، يمر الناس هناك يدعون للشهداء ويباركون لأهلهم، يشدون على أيديهم ويقوون من عزيمتهم، كبارهم وأطفالهم في ذلك سواء..
كانت المقبرة الشرقية قد ازدانت بسعف النخيل الأخضر، التي يضعها الناس على القبور، تيمناً بفعل الرسول عليه السلام في الحديث المروي عن وضعه سعفة نخيل على أحد القبور.. فتجد المقبرة صبيحة العيد وقد تحولت لما يشبه غابة نخيل خضراء، وعبثاً يحاول بعض العلماء، ثني الناس عن هذا الفعل، بدعوى أنه بدعة، ولكن دون جدوى..
سلمنا على الناس وعلى أهل القبور، وقرأنا الفاتحة على أرواح الأموات من المسلمين، ودعونا لهم راجين لهم من الله سبحانه العفو والمغفرة، وتوجهنا لروضة الشهداء وترحمنا عليهم.. وهناك قلت له..
اقرأ ملياً ما كتب هنا، مشيراً إلى لوحة مثبتة في الأرض عليها الآية الكريمة "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا" ..
قرأها ثم التفت ناحيتي مستنكراً، كأنه يقول أعليَّ تنظّر ..
لم أعر احتجاجه اهتماماً، وقلت: أتذكر أخي يوم قمنا برحلة مع الشهيد جمال (منصور) رحمه الله ..
رفع رأسه قائلاً: متى كان ذلك؟ أي رحلة تعني؟
قلت:كان ذلك قبل الانتفاضة بسنوات، في رمضان حين اصطحبنا معه إلى أم النور (أم الفحم) لحضور أحد المهرجانات الإسلامية هناك..
قال وقد بدأت حدة غضبه بالفتور، وأخذت البسمة تستقر على محياه: نعم نعم أذكر، كانت رحلة مباركة..
قلت أتذكر كيف تلقانا أهلنا هناك؟ الكل يتسابق على استضافتنا، وكل يريد أن نفطر عنده.. حتى اضطر الشهيد جمال إلى توزيعنا على دور أهل البلد الكرام، فأكرمونا أيما كرم..
هز رأسه، موافقا، وقد بدأت الذكريات العطرة تحل.. وكأن اللحظات عادت بنا إلى الوراء، إلى تلكم الأيام المباركة التي أسست لجيل الانتفاضة والثورة والصمود ..
قلت مسترسلاً - فيما بعض الشباب يقبلون علينا..يسلمون ويباركون بالعيد.. - أتذكر ذلك النشيد الرائع الذي أداه المنشد في ذلك الحفل؟
رفع رأسه كمن يحاول التذكر فيما الذاكرة لا تسعفه، ونظر إلي بعد أن زم شفتيه، محركاً رأسه يمنة ويسره، قائلاً: ذكرني..
وقبل أن أجيب لمحت أحد أشبالنا يحمل بيانا وزعته حماس في نابلس صبيحة العيد..عنوانه "لن ننسى ولن نغفر" .. فسررت أيما سرور.. وقلت في نفسي: لك الله يا دعوة الخالدين ..لقد أوشك البغي أن يهمدا..
هزني أخونا بلهفة، حاثاً إياي على سرعة الحديث .. قائلاً أرجوك لا تسرح كعادتك، لقد أثرت شوقي...
ضحكت وأدركت أنني ضربت على وتر حساس، فأسرعت بإجابته قبل نفاد صبره، لقد أدى المنشد في ذلك اليوم أنشودة لـ ( أبي الجود)، هل تذكرها؟ ..هز رأسه نافياً ..
فبدأت أدندن بكلمات النشيد:
وتـســألني عــزائمنا إلامَ الجُـبن والخـوَر
وقد ملأت محــافـلـنا دعـايــات لها صـور
لتوهن من عقيدتنا وفيها يكمن الخطـر
أخي يـا قــوة عـظمى تهز الكون صرخـتك
عجيب أن ترى وجلاً وثوب الخوف يلبسك
أأنت الموت تخـشاه وأنت الموت جـنتك
(وشددت عليها لافتا انتباهه للكلمات)
وكأن كلمات النشيد، لامست مكامن نفسه، وحركت لواعج قلبه، فبدأ يدندن معي مواصلاً النشيد:
أخـي إيـَّاك تسـمـعـها فـفـيها السمُّ مخـتبئ
شــــعارات مزخرفة على الإسلام تجترئ
وأفــكـــارٌ مــزيــفة علـيـهـا اليــوم نـتـكئ
عمود الدين لن يقـوى بتـسـبـيـح وتهـلـيــل
ولـن يحــدو بـنا أمــلٌ بدعوى القال والقيل
فغير السيف لا يجدي يميناً فـتـيـة الجــيل
هزتنا الكلمات والذكريات، واسترجعنا تلك الأيام، التي كنا نتنقل فيها من حي إلى حي، ومن مسجد إلى مسجد، لدعوة الناس للالتزام، ونشر فكر "الإخوان" بين الشباب.. وكيف كان الناس يستغربون من لحانا الخفيفة التي زينت وجوهنا تلك الأيام..
قلت أخي أنا لن أنظّر عليك، ولكني أذكّر نفسي وإياك، بعهدنا الذي عاهدنا الله عليه..والذي قضى عليه الشهداء ..فإما نموت بهذا الشعار وإما انتصار وفتح مبين ..
فقال لي مغالباً دمعة خرجت رغما عنه.. لا تكمل يا أخي ..وصلت فكرتك.. هذه فائدة التلاقي، وعدم الانعزال.. أستغفر الله، أستغفر الله ..هي لحظة ضعف بشري.. ثم تمتم ببيت شعر لهاشم الرفاعي في قصيدته الشهيرة...هذا حديثُ النفسِ حين تشفُّ عن بَشَرِيَّتِي وتمورُ بعد ثوانِ ..
ثم ..اندفع كمن تذكر شيئاً، ساحباً إياي من يدي، كالأب يجر ابنه وراءه ..
- هيا، هيا، يجب أن نزور شيخنا جمال..ونجدد العهد على قبره.. فنابلس التي سالت دماء الكرام على تربها لن تركع إلا لله، ولن ترضخ لهؤلاء الأقزام.. وبدأ يسمعني أنشودة قديمة، بعد أن تغيرت نفسيته.. عجبت كيف تذكرها! وكيف أتت على باله! كأنما انفتحت ذاكرته فجأة، فاسترجع منها ما ظن أنه فات..قال:
تعالوا تعالوا لقبر الشهيد نعاهده بالوفا من جديد
نعاهد أن نخلع الظالمين ونوقف بالدم قهر الحديد
نحرر أوطاننا ليحكم قرآننا ...
فرددت وراءه
نحرر أوطاننا ليحكم قرآننا ...
ورددت وراءنا الوهاد:
الله أكبر في كل واد كل الطواغيت رمز الفساد
هيا يا شعبي وابدا الجهاد
"نصر من الله وفتح قريب.."
نحرر أوطاننا ليحكم قرآننا ...
وإلى اللقاء في قصة أخرى من قلب المحنة..
التقيته عقب صلاة العيد، وقد وقفنا قرابة المسجد الصلاحي الكبير، في مدينة نابلس الصابرة، نتبادل التهاني بالعيد السعيد، رغم مرارة المعاناة من نير الاحتلال، ومنغصات أذناب دايتون، الذين حرمونا من أداء الصلاة في الملعب البلدي الكبير، خارج البنيان كما تقتضي السنة الشريفة، وكما عودتنا الحركة الإسلامية في نابلس منذ سنوات...
أدينا صلاة العيد هذه المرة في المساجد، وصدحنا بحمد الله وتمجيده، ورفعنا أصواتنا بالتكبير، والثناء عليه سبحانه بما هو له أهل، صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده..
لا إله إلا هو سبحانه في مثل هذا اليوم العظيم تتجلى عظمته وقدرته.. وتتراءى الصور والخواطر أمام ناظرينا أن الذي هزم الأحزاب وحده ونصر عبده رغم الضيق ورغم الحصار، قادر أن يفك غمتنا ويرفع كربنا..
تلاقت نظراتنا فأشاح بوجهه عني.. أطرق إلى الأرض، والتف مسرعاً محاولاً الابتعاد..
دهشت لفعله، فالدنيا عيد، والناس تقبل على بعضها في مثل هذه المناسبات، والأخوّة التي جمعتنا في ميادين العمل قديمة وعميقة.. فما باله ينصرف عني دون سلام..
أتراه يخشى أن ينالني أذىً من سلامه علي؟ ربما، فقد يكون مراقباً من عيون الشر، التي لا تعرف للفرح والخير مطرح.. ومع ذلك، فهذا لا يبرر أن يتلافاني ويتهرب مني ..
استفزني تصرفه، فهو يعبر عن ضعف، أربأ بأخي أن يكون به ..
كنت أعرف أن أخانا يمر بمحنة عصيبة، فقبل أن تمضي ساعات على خروجه من أسر صهيون، حتى اعتقلته طغمة دايتون المارقة، وقبل أن تمضي أيام على خروجه من سجنهم، تم اختطافه، من قبل عصابة أخرى من عصاباتهم الحاقدة، وبعد إطلاق سراحه من عند هؤلاء، عاودت عصابة أخرى من عصابات دايتون اختطافه.. ولم يُخل سبيله إلا قبيل العيد..
كنت أعرف مكانة أخينا وأحفظ له دوره ومنزلته، فهو من أبناء الحركة السابقين، ومن الأوائل الذين نعتز بجهادهم، وممن ساهموا في نشر بذور الدعوة وتثبيت ركنها لدى قطاع عريض من الشباب في الجامعات، وهو فوق ذلك من الثلة التي أستحضرها في مخيلتي كل مساء عند تلاوة ورد الرابطة..
لذا لم أعبأ بما قد يكون عليه من عيون، فأشد أشكال المراقبة ضررا، ما كان ذاتياً، أي من داخل المرء نفسه، ساعتها ستتقيد حركته، وسيشل الخوف والرعب تفكيره، ولن ينهض من مكانه..وهذا أمر مثير للغثيان، ولا أحتمل أن أرى مسلماً على هذا الحال..
لحقت به وناديته متوددا (شو يا فلان) مع مط الكلمات حسب اللهجة النابلسية المحببة، "كل عام وأنتم بخير، وتقبل الله طاعتكم"، فالتفت إلي والدمع يملأ عينيه، قائلاً (منا ومنكم يا أخي، منا ومنكم).
ثم أقبل عليّ معانقاً وقال: سامحني يا أخي ..أرجوك أن تسامحني ..وأجهش بالبكاء..
يا للهول، ما الذي حل به ؟ ما الذي جرى له؟ لم هذا البكاء؟ وهو الجبل الذي لم نعرفه إلا شامخاً..
قلت له وقد هزني الموقف: هون عليك يا أخي .. (كل شدة ولها حلال).. سيزول هذا الكرب، وسيهزم جمعهم ويولون الدبر..
قال لي بصوت يقرب إلى النحيب – سامحني بالله عليك، سامحوني يا إخوتي..
شددته من يده دافعا إياه للمسير فقد بدأ وقوفنا وبكاؤه يلفت الأنظار، فيما جموع المصلين لا زالت تغادر المسجد الكبير، متجهة صوب التربة الشرقية (المقبرة باللهجة النابلسية)، للزيارة، وهي عادة درج عليها أهل البلد منذ عقود.. فصبيحة كل عيد، عقب أداء الصلاة، تجدهم يبادرون لزيارة قبور المتوفين من الأهل والأقارب، يسلمون على أهلها، ويدعون لهم، فيما تجتمع بعض العائلات، قرب قبر كبير العائلة يتلون معاً سور يس وتبارك وبعض الأدعية المأثورة..
سرنا وسط الجموع، وكأننا في مظاهرة، تعج بالتهاني والتبريك من كل مكان، الناس تبارك لبعضها ..فهذا ينادي ذاك وآخر يجيب أولئك ..وللعيد في نابلس يا أخوتي بهجة لا تجدها في غيرها من البلدان .. رغم تنغيص قوات لحد الدايتونية، لفرحة العيد وتعكير بهجته.. فقد انتزعوا الرايات الخضراء التي زينت شوارع المدينة وتركوا رايات فصيل منبتّ عن شعبه تملأ المكان..
قلت له بصوت حازم: مالك؟
قال والعبرات تكاد تخنقه - لم أعد أحتمل يا أخي، إنهم يحطمونني، لا يتركون مجالاً لأتنفس، يسعون لإذلالي وقهري، لا لشيء، بل للقهر من أجل القهر، شتان بين السجن عند أبناء صهيون وبين الاختطاف عند هؤلاء الأوباش..
تركته يتكلم ولم أقاطعه..فالمرء يحتاج للتنفيس عن مشاعره، وعما يحيق بصدره من كبت وغيظ.. ويحتاج أكثر إلى من يسمعه من إخوانه ويتعاطف معه..
واصل حديثه قائلاً: يهينونني ويتلاعبون بأعصابي وأعصاب أسرتي، يخرجونني من بيتي ليلاً بكل دناءة وحقارة، ومن ثم يفرجون عني مساء، وقبل أن ألتقط أنفاسي يكررون فعلتهم، إنهم يستمتعون بعذابي ومرمرتي بكل سادية، لقد خلت قلوبهم من الإنسانية، ناهيك عن الشرف والوطنية...لذا فقد حسمت أمري وقررت أن أهاجر..سأرحل عن هذا المكان الذي يسود فيه هؤلاء الأوباش، أريد الرحيل..يا أخي فلم يبق لنا مكان هنا..
صعقتني كلماته، أيصل به الحال إلى هذه الدرجة حتى يفكر بالرحيل؟! أوَيترك الميدان لبني صهيون.؟..وقدسنا الحبيب وأرضنا المباركة؟!!..
هذه والله أسمى أمانيهم، يريدون الأرض خالية من أهلها.. وأذناب دايتون كذلك يريدون أن يخلو الميدان من أبناء حماس فيفسدوا كيف شاؤوا، ويبيعوا ويشتروا ويتاجروا بأرضنا وقدسنا ودمائنا دون وازع من دين أو ضمير، من أجل نزواتهم وشهواتهم ..
قاطعته محتداً، فقد استفزتني كلماته: لا أريد أن أسمع منك هذا الكلام، أتستبدل بأرض فلسطين المباركة، أرضاً أخرى، لا يا أخي، لا تقل ذلك إن ثباتك على هذه الأرض هو رباط، وأنت وأهلك وأولادك في جهاد إلى يوم القيامة ما دمت مستمسكاً بالحق ثابتاً عليه، أليس هذا ما كنت أنت تدعو إليه إياه الناس ..
جاوزنا في هذه الأثناء جامع الأنبياء على الأطراف الشرقية للبلدة القديمة، فقلت له: هل تذكر دفاعنا عن هذا المسجد؟عندما أراد قطعان المستوطنين اقتحامه، والاستيلاء عليه بحجة اسمه (حوله قبور لبعض الصالحين فزعموا أنها قبور إخوة يوسف عليه السلام) ، ولولا التصدي الرائع، والهبّة المشرفة لأهل نابلس لتمكنوا من احتلاله وتدنيسه..
تبسم لأول مرة منذ الصباح قائلاً: كان يوما مشهوداً ..
قلت له: يا أخي إن رحلت أنت، ورحل غيرك، من سيتصدى لهؤلاء الأوباش؟؟
قال: لكنك لا تعرف كل الحكاية، إنني أتمزق من داخلي، لقد حولوا حياتي إلى جحيم.. لم أكن لأبالي لو كان من يفعل ذلك هم بنو صهيون، والله يا أخي لقد لقيت الأهوال عند يهود، ولم أبالي، ولكن المرارة التي تعتصرني عند مقابلة هؤلاء لا يضاهيها مرار، ولا أظن الكلمات تسعفني للتعبير عن فظاعتها .. صدق الشاعر حين قال: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ..على المرء من وقع الحسم المهند.
أردت مقاطعته مرة أخرى.. ولكنه رفع صوته محتداً: لا تقاطعني..
قررت في نفسي ألا أقاطعه أو أناقشه، ولن أفند أي مبررات يسوقها.. فكلها بالنسبة لي هراء، مع الاعتذار، ذلك كي لا يتعصب لرأيه، وتأخذه العزة، ووقع في ظني أن خير أسلوب هو أن أستفز حميته بتذكيره بالأيام الخوالي، وذكرياتنا مع الراحلين، من قادة الحركة الإسلامية.. الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه..
واصل انفعاله بنبرة غضب شديدة، سلبونا السلاح أولاً ثم صادروا أموال الأرامل والأيتام، اعتقلوا القيادات، وأهانوها تطاولوا على الحركة صانعة الأمجاد، أفسدوا في الأرض دون وازع من ذمة أو ضمير.. ونحن أضحينا كالشياه تساق لقدرها بانقياد ..لقد تعبت يا أخي ..لم أعد أحتمل..
تبسمت، وقد شارفنا على دخول التربة، قلت: هيا لنسلّم على الشهداء ..
وهذه من أجمل عادات أهل نابلس الكرام، فهم في كل عيد يتجمعون قرب قبور الشهداء، في منظر ولا أروع، وفي واحد من أجمل مظاهر التكافل والتعاضد والترابط، فتجدهم يتجمعون فيما يسمونه "روضة الشهداء" التي ووري الثرى فيها الكثير من شهداء الانتفاضتين المباركتين، يمر الناس هناك يدعون للشهداء ويباركون لأهلهم، يشدون على أيديهم ويقوون من عزيمتهم، كبارهم وأطفالهم في ذلك سواء..
كانت المقبرة الشرقية قد ازدانت بسعف النخيل الأخضر، التي يضعها الناس على القبور، تيمناً بفعل الرسول عليه السلام في الحديث المروي عن وضعه سعفة نخيل على أحد القبور.. فتجد المقبرة صبيحة العيد وقد تحولت لما يشبه غابة نخيل خضراء، وعبثاً يحاول بعض العلماء، ثني الناس عن هذا الفعل، بدعوى أنه بدعة، ولكن دون جدوى..
سلمنا على الناس وعلى أهل القبور، وقرأنا الفاتحة على أرواح الأموات من المسلمين، ودعونا لهم راجين لهم من الله سبحانه العفو والمغفرة، وتوجهنا لروضة الشهداء وترحمنا عليهم.. وهناك قلت له..
اقرأ ملياً ما كتب هنا، مشيراً إلى لوحة مثبتة في الأرض عليها الآية الكريمة "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا" ..
قرأها ثم التفت ناحيتي مستنكراً، كأنه يقول أعليَّ تنظّر ..
لم أعر احتجاجه اهتماماً، وقلت: أتذكر أخي يوم قمنا برحلة مع الشهيد جمال (منصور) رحمه الله ..
رفع رأسه قائلاً: متى كان ذلك؟ أي رحلة تعني؟
قلت:كان ذلك قبل الانتفاضة بسنوات، في رمضان حين اصطحبنا معه إلى أم النور (أم الفحم) لحضور أحد المهرجانات الإسلامية هناك..
قال وقد بدأت حدة غضبه بالفتور، وأخذت البسمة تستقر على محياه: نعم نعم أذكر، كانت رحلة مباركة..
قلت أتذكر كيف تلقانا أهلنا هناك؟ الكل يتسابق على استضافتنا، وكل يريد أن نفطر عنده.. حتى اضطر الشهيد جمال إلى توزيعنا على دور أهل البلد الكرام، فأكرمونا أيما كرم..
هز رأسه، موافقا، وقد بدأت الذكريات العطرة تحل.. وكأن اللحظات عادت بنا إلى الوراء، إلى تلكم الأيام المباركة التي أسست لجيل الانتفاضة والثورة والصمود ..
قلت مسترسلاً - فيما بعض الشباب يقبلون علينا..يسلمون ويباركون بالعيد.. - أتذكر ذلك النشيد الرائع الذي أداه المنشد في ذلك الحفل؟
رفع رأسه كمن يحاول التذكر فيما الذاكرة لا تسعفه، ونظر إلي بعد أن زم شفتيه، محركاً رأسه يمنة ويسره، قائلاً: ذكرني..
وقبل أن أجيب لمحت أحد أشبالنا يحمل بيانا وزعته حماس في نابلس صبيحة العيد..عنوانه "لن ننسى ولن نغفر" .. فسررت أيما سرور.. وقلت في نفسي: لك الله يا دعوة الخالدين ..لقد أوشك البغي أن يهمدا..
هزني أخونا بلهفة، حاثاً إياي على سرعة الحديث .. قائلاً أرجوك لا تسرح كعادتك، لقد أثرت شوقي...
ضحكت وأدركت أنني ضربت على وتر حساس، فأسرعت بإجابته قبل نفاد صبره، لقد أدى المنشد في ذلك اليوم أنشودة لـ ( أبي الجود)، هل تذكرها؟ ..هز رأسه نافياً ..
فبدأت أدندن بكلمات النشيد:
وتـســألني عــزائمنا إلامَ الجُـبن والخـوَر
وقد ملأت محــافـلـنا دعـايــات لها صـور
لتوهن من عقيدتنا وفيها يكمن الخطـر
أخي يـا قــوة عـظمى تهز الكون صرخـتك
عجيب أن ترى وجلاً وثوب الخوف يلبسك
أأنت الموت تخـشاه وأنت الموت جـنتك
(وشددت عليها لافتا انتباهه للكلمات)
وكأن كلمات النشيد، لامست مكامن نفسه، وحركت لواعج قلبه، فبدأ يدندن معي مواصلاً النشيد:
أخـي إيـَّاك تسـمـعـها فـفـيها السمُّ مخـتبئ
شــــعارات مزخرفة على الإسلام تجترئ
وأفــكـــارٌ مــزيــفة علـيـهـا اليــوم نـتـكئ
عمود الدين لن يقـوى بتـسـبـيـح وتهـلـيــل
ولـن يحــدو بـنا أمــلٌ بدعوى القال والقيل
فغير السيف لا يجدي يميناً فـتـيـة الجــيل
هزتنا الكلمات والذكريات، واسترجعنا تلك الأيام، التي كنا نتنقل فيها من حي إلى حي، ومن مسجد إلى مسجد، لدعوة الناس للالتزام، ونشر فكر "الإخوان" بين الشباب.. وكيف كان الناس يستغربون من لحانا الخفيفة التي زينت وجوهنا تلك الأيام..
قلت أخي أنا لن أنظّر عليك، ولكني أذكّر نفسي وإياك، بعهدنا الذي عاهدنا الله عليه..والذي قضى عليه الشهداء ..فإما نموت بهذا الشعار وإما انتصار وفتح مبين ..
فقال لي مغالباً دمعة خرجت رغما عنه.. لا تكمل يا أخي ..وصلت فكرتك.. هذه فائدة التلاقي، وعدم الانعزال.. أستغفر الله، أستغفر الله ..هي لحظة ضعف بشري.. ثم تمتم ببيت شعر لهاشم الرفاعي في قصيدته الشهيرة...هذا حديثُ النفسِ حين تشفُّ عن بَشَرِيَّتِي وتمورُ بعد ثوانِ ..
ثم ..اندفع كمن تذكر شيئاً، ساحباً إياي من يدي، كالأب يجر ابنه وراءه ..
- هيا، هيا، يجب أن نزور شيخنا جمال..ونجدد العهد على قبره.. فنابلس التي سالت دماء الكرام على تربها لن تركع إلا لله، ولن ترضخ لهؤلاء الأقزام.. وبدأ يسمعني أنشودة قديمة، بعد أن تغيرت نفسيته.. عجبت كيف تذكرها! وكيف أتت على باله! كأنما انفتحت ذاكرته فجأة، فاسترجع منها ما ظن أنه فات..قال:
تعالوا تعالوا لقبر الشهيد نعاهده بالوفا من جديد
نعاهد أن نخلع الظالمين ونوقف بالدم قهر الحديد
نحرر أوطاننا ليحكم قرآننا ...
فرددت وراءه
نحرر أوطاننا ليحكم قرآننا ...
ورددت وراءنا الوهاد:
الله أكبر في كل واد كل الطواغيت رمز الفساد
هيا يا شعبي وابدا الجهاد
"نصر من الله وفتح قريب.."
نحرر أوطاننا ليحكم قرآننا ...
وإلى اللقاء في قصة أخرى من قلب المحنة..