المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من وصايا جدّي (11)... "المربّى غالي"



أبو مجاهد
1st June 2009, 10:06 PM
يوم أمس، حاولت بإلحاح أن أقنع أمي لتسمح لي بالخروج لألعب مع رفاقي في الحارة القريبة من بيت جدي، لكنها رفضت بإصرار، رجوتها كثيراً ولم تغيّر قرارها بمنعي من الخروج، تقول لي:

ـ لن تخرج، عليك أن تراجع دروسك..

وقد باءت كل محاولاتي ورجائي وحيلتي بالفشل، وكرد فعل طفوليّ غير محسوب، تصوّرت أنني خاصمتها، وبدأت أفتعل تصرفات صبيانية لأعبّر عن غضبي..

عاد جدي من المسجد بعد صلاة العشاء كما العادة، وتحلقنا حوله ننتظر أن يحدثنا، لكننا لاحظنا في الوقت نفسه ارتياحه، والابتسامة المحببة تطفح على وجهه النوراني.

ضمنا إليه بحنان شديد، أصلح وضع عباءته المشمشية على كتفيه، وجلس على أريكته المفضلة ينظر في وجوهنا مستبشراً باشاً ما أدخل في قلوبنا الكثير من السعادة والفرح بانتظار أن يحدثنا.

جمع سبّحته الزيتونية بين راحتيه، وألقى بها في حضنه، قال وهو يبتسم:

ـ جاري في السوق صاحب محل للحلوى، وقد اشتهر بحلوى الفواكه المجففة التي كان يستوردها من الشام، وهو بارع في عرض بضاعته، يرتبها بأناقة تلفت نظر العابرين في السوق..

نظر في وجهي نظرة طويلة وتابع:

ـ بينما كنت أقف مع جاري أمام دكانه نتبادل أحاديث عامّة، مرّ رجل وقور، يمسك بيده يد طفل لم يتجاوز السابعة من عمره.. ألقى علينا السلام، والطفل يشد ثوبه، ويشير إلى الحلوى المعروضة.. اقترب الرجل وسأل:

ـ بكم ثمن هذه الحلوى.؟

ـ عشرة قروش..

أجاب جاري صاحب محل الحلوى.

لكن الرجل "وقد بدا لنا فقير الحال" راح يجرّ الطفل، يحاول أن يبتعد عن المحل، والطفل يبكي ويصرخ ويلحّ في طلب الحلوى.

سكت جدي قليلاً وهو ينظر في وجهي، ثم قال وهو يبتسم:

ـ بعد إلحاح الطفل وبكائه وصراخه، عاد الرجل ليشتري تلك الحلوى، ونقد جاري عشرة قروش ثمناً لها كما قال له، المفاجأة أن جاري قال له: ثمنها عشرون قرشاً، فهذه حلوى شامية.!

غضب الرجل غضباً شديداً، وراح يجرّ الطفل بعنف أكثر فقد أصبح ثمن الحلوى أكثر من المعقول، لكن الطفل ازداد بكاء وصراخاً، حتى أنه ألقى بنفسه على الأرض وراح يضرب بقدميه ويصرخ طالباً الحلوى.

عاد الرجل على مضض مستسلماً لطلب ابنه وقد أخرج من زناره الثمن المطلوب ليحصل على الحلوى، لكن جاري قال له:

ـ هل قلت لك عشرون.؟ لا.. لا.. بل ثلاثون قرشاً فهذه ليست حلوى عادية، إنها "مربى" من الفواكه الشامية المجففة، "والمربى غالي.!"

اشتاط الرجل غضباً وحنقاً:

ـ حرام عليك يا أخي وأنت ترى ولدي يتفطّر من شدة البكاء طلباً للحلوى..

ـ يا أخي قلت لك ثلاثون قرشاً، فهذا مربى شامي، والمربى غالي..

سكت جدي ثانية ينظر في وجوهنا.. وسرعان ما تابع يقول:

ـ بدا لنا أن الرجل لا يحمل المبلغ الذي طلبه جاري ثمناً للمربى، فقد حمل ولده عنوةً، والطفل يصرخ ويبكي، ومضى به.. لكن جاري لحق بهما يحمل بيده قطعة من ذلك المربى، أمسك بالرجل بود، وقدم قطعة الحلوى للطفل، وهو يقول:

ـ هذه قطعة من المربى هدية مني لولدك بلا ثمن، ولكن يا صديقي لتعلم أن هذا مربى.. "والمربى غالي.!"..

أطرق الرجل رأسه خجلاً، وكأنّه فهم ماذا كان يعني جاري بتصرفاته، وكلامه..

ابتسم جدي بحبور وهو ينظر إلينا، لكنه نظر إليّ نظرة خاصة وقال:

ـ نعم إن المربى غالي، ورأس التربية أن يتعلّم المربون أن لا يقولوا نعم أو لا إلا بعد اقتناعهم بالقرار، وإذا قالوا لا، أو نعم، فهو القرار ولا تراجع عنه..

أدركت أن جدّي كان يعنيني بالذات من وراء القصة التي رواها، ويغمز إلى تصرفاتي الأخيرة مع أمي..

نهضت على الفور، قبّلت يديّ أمي، وطلبت منها أن تسامحني..


عدنان كنفاني

أبو أيهم
1st June 2009, 10:47 PM
يا هيك الجدود يا بلاش..

في كل حكاية عبرة ،،، الله يرحمك يا جدي ما وعيت إلا بعد ما توفى:((:



ما شاء الله عنك أخي أبو مجاهد مبدع في ما تقدمه،

سلسلة من وصايا جدي أكثر من رائعة..



جزاك الله خيرا

انين الاقصى
2nd June 2009, 08:17 PM
بارك الله فيك اخي ابو مجاهد والله استفدنا من السلسلى المسماه "من وصايا جدي" الله يجزيك الخير ......دمت ذخرا للمنتدى..

أبو مجاهد
2nd June 2009, 10:12 PM
بوركتم أخي أختي

أسعدني مروركم ومتابعتكم

:)