المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مِن وصايا جَدّي (9) .. عصاميّة



أبو مجاهد
27th May 2009, 09:42 PM
كنا فتيةً نعيش في بحبوحة تقترب من الترف، قبل أن تقع كارثة النكبة التي أخرجتنا من بيوتنا وبلدنا إلى شتات العالم، تساءلنا "أنا وأخوتي" بكثير من الدهشة ماذا يعني جديّ عندما قال: كيف أصبح والدنا محامياً.؟
وكيف يصبح أيّ كان إلى ما يصبح عليه، سواء إلى مركز مرموق اجتماعياً، أو إلى أي شيء آخر.!
لم نستطع أن ندرك ما يرمي إليه جدّي، وكان علينا أن ننتظر بلهفة مساء اليوم التالي.
أخذ جدّي مجلسه على أريكته المفضّلة بعد عودته من المسجد، يضمّ سبّحته الزيتونية بين راحتيه، ويصلح وضع عباءته المشمشية على كتفيه، ولحيته البيضاء كأنها عقود من الفضّة.
رشف من كأس الشاي، وابتسم، بعد أن بسمل ونحن ننتظر أن يبدأ الحديث.. قال:
ـ لم تكن حياتنا ومعيشتنا في عكا سهلة بعد أن شغلتنا أمور الحروب، "الأتراك، والحرب العالمية، والإنجليز" فقد استنزفت رجالنا، وخيراتنا، وثرواتنا، وقلّ المال بين أيادي الناس، وكلّ يسعى ويفتش ويناضل من أجل تحصيل رزقه ورزق عياله، وكنت أنا في موقع المسؤول عن أسرة كبيرة في تلك الأوقات الصعبة.
سكت قليلاً، وكأنني لاحظت بريقاً في عينيه، لكنه مسح على لحيته وتابع:
ـ كان والدكم مجتهداً في المدرسة، يحب التعليم، ويكافح، وسط ظروفنا الحياتية الصعبة ليوّفر لنفسه ما يرفع عني قليلاً من العبء، يشتغل في عطل المدارس الصيفية في أيّ عمل يتاح له، ويدرس، وينجح، إلى أن جاء يوم يطلب مني السماح له بالسفر إلى القدس ليتابع الدراسة في معهد الحقوق.
تهدج صوته، نظرنا إليه، فلاحظت دمعتين تتدحرجان على وجنتيه.. لكنه تماسك وتابع يقول:
ـ لم أكن في وضع يسمح لي بمزيد من التكاليف والمصاريف، وأنا أعلم أن الدراسة في القدس تحتاج إلى مصاريف كثيرة، للسكن ورسوم التسجيل في المعهد الخاص، والكتب..... الخ، وقد فرضت عليّ ظروفي التي أعرفها جيداً أن أرفض طلبه، وتمنيت عليه لو يبقى في عكا ويساعدني في الدكان، لكنه أصرّ عليّ في الطلب، وقال بأنه لن يشكل أي عبء إضافي عليّ، بل سيتكفّل بأمر نفسه.. خلاصة القول أعطيته عدداً من "تنكات" الزيت ليبيعها في القدس ويتصرف بثمنها، وهي أقصى ما أستطيع أن أقدمه له.
تبادلنا نظرات استغراب، ونحن نتصوّر تلك الحال، وذلك الوضع.. نظر جدّي في وجوهنا طويلاً، ثم ألقى بالسبّحة في حضن عباءته المشمشية، وتابع يقول:
ـ في القدس استطاع أن ينجح في امتحان الانتساب، سبر المعلومات "الصعب"، وأن يدخل طالباً إلى معهد الحقوق، وقد تدبّر أمر السكن في غرفة صغيرة بين عائلة مقدسية بأجرة زهيدة، كان يشتري رغيف خبز، وقطعة جبن، يقسّمها إلى قسمين، تكفيه طعاماً ليوم كامل، الأمر الأهم هو كيف كان يتدبر ثمن الرغيف والجبن.؟
تلهفنا لسماع تتمة الحكاية، ولم نبد حراكاً، فتابع يقول:
ـ الطلاب في المعهد من أبناء الأثرياء من الفلسطينيين، والعرب من دول مجاورة، والكتب والمراجع كانت شحيحة جداً في ذلك الوقت، ما أوحى لوالدكم بفكرة سرعان ما اشتغل عليها، كان يكتب المحاضرات مباشرة، يلتقطها كلمة كلمة من فم الأساتذة المحاضرين، أو يستعير النسخ المكتوبة من الأساتذة، ويمضي الليل بطوله ينسخها عدداً من النسخ ليبيعها في اليوم التالي للطلاب، فيتهافتون على شرائها.
مسح جديّ على لحيته، فبدت أكثر بياضاً وإشراقاً، ثم فرد يديه، وضحك بصوت مسموع وأردف:
ـ كان ينسخ المحاضرة مرات ومرات، وكلما زاد من عدد النسخ، ازداد دخله، (ولست أنسى كيف كان يأتي لنا "أنا وأمه وأخوته" في كل زيارة ببعض هدايا من القدس، ويحرص على تقديم القليل من القروش التي يوفّرها لأخوته)، الأمر الطريف الآخر وقد يكون الأهم أنه ومن كثرة تكرار النسخ، كانت المحاضرات تستقر في ذهنه، ويكاد يحفظها عن ظهر قلب، وينجح بامتياز العام بعد العام، ليصبح بعد التخرج، المرشح الوحيد لإكمال تحصيله العلمي في جامعة عين شمس في مصر على نفقة الجامعة.
سكت جدي ينظر إلى وجوهنا المدهوشة، وقد استشف من نظراتنا ودهشتنا، أننا أدركنا جميعاً كيف أصبح والدنا محامياً.

عدنان كنفاني

سنحيا بالأمل
27th May 2009, 09:55 PM
من جد وجد...
والله صدق.. لا أدري ما أقول ولكن أين نحن من هذا الطالب؟؟!!!!
بصدق كلما تعبنا في تحصيل العلم او تحصيل ما نريد.. ازاد تميزنا وازداد رقيّنا..

بارك الله فيك أخي وبورك جدي وبوركت تربيته الطيبة...

دمتم بعز:))

أبو أيهم
27th May 2009, 11:06 PM
لا يضيع الله لإنسان تعبه ..

وكما تقضلت أم الخطاب بأن من جد وجد ومن زرع حصد ومن سار على الدرب وصل .


مشكور أخي على هذه السلسلة الطيبة من وصايا سيدي الغالي:)

جزاك الله الجنة أخي الكريم .