أبو مجاهد
26th May 2009, 09:50 PM
عندما دخل جدي غرفته بعد عودته من المسجد، ونحن ننتظره كالعادة، رمقني بنظرة قاسية أربكتني، فأنا لا أذكر أنني أسأت بتصرفاتي طيلة اليوم، لكنه ما أن أخذ مكانه المفضّل، أخرج السبحّة الزيتونية من جيبه، وبدأ يعد حباتها بعصبية ملفتة، ويرمقني بين الفينة والفينة بنظرات لم أفهم ماذا كان يقصد بها.
لكنه قطع الشك عندما قال بشيء من الغضب:
ـ لماذا لم تحمل العجين إلى الفرن..؟
كنا في ذلك الوقت كما أكثر بيوت سكان عكا، نعجن في بيوتنا، والبعض يخبز العجين في تنّور البيت، والبعض يحمل العجين إلى الفرن لخبزه.
في ذلك اليوم طلبت مني أمي أن أحمل العجين إلى الفرن، لكنني رفضت باستعلاء، وأعترف أنني قلت لها:
ـ أحمل العجين على رأسي إلى الفرن وأنا ابن المحامي..!
لم ترد على رفضي، بل طلبت من أخي حمل العجين فلبى دون اعتراض.
نظر جدي إلي ينتظر الجواب، لكنني لم أجد أي تبرير لما فعلت، وعندما طال انتظاره وأنا صامت قال:
ـ لأنك ابن المحامي تخجل من خدمة بيتك.!
ثم استدرك يسألنا جميعاً:
ـ هل تعرفون كيف أصبح والدكم محامياً.؟
ألقى بالسبّحة على حضن عباءته المشمشية، وقال وكأنه يخاطبني دون غيري:
ـ عندما كان والدك بمثل سنّك، طلب مني أن يجد عملاً خلال فترة العطلة المدرسية الصيفية ليوفر لنفسه مبلغاً يساعده في العام الدراسي التالي.. وافقت على الفور فقد كان يهمني جداً أن يدخل ابني "والدكم" معترك الحياة، وأرسلته إلى صديق لي، صاحب متجر أيضاً، ليشتغل عنده، في أول يوم بدأ فيه العمل عند صديقي التاجر، طلب منه أن يكنس الدكان، وأن يرتب البضاعة..
تبادلنا نظرات دهشة، لكن جدي تابع يقول:
ـ حمل والدكم المكنسة، وبدأ بتنظيف الدكان دون أن يعترض أو يبدي امتعاضاً، وهكذا مضى اليوم الأول له بالعمل على هذا الحال، ينظف الدكان، ويرتب البضاعة بهمّة ونشاط، مما أدخل السرور على قلب صديقي التاجر..
سكت جدي يحاول أن يرى في وجوهنا فهمنا لحكايته، ولما لم يجد غير نظرات متسائلة مدهوشة، قال:
ـ بعد أيام قليلة جاء فتى آخر إلى دكان صديقي التاجر ليعمل عنده، ذلك الفتى أصبح فيما بعد خالكم قاسم.. طلب منه التاجر أن يحمل المكنسة وينظف الدكان، انتفض قاسم باستعلاء وتكبّر، وقال للتاجر غاضباً: أنا أكنس دكانك وأنا ابن الأفندي..! وعاد من حيث أتى رافضا العمل.
حتى ذلك الحد من الحكاية ونحن ما زلنا غائبين عن المعنى الذي أراد جدي أن يوصله لنا، ولم يبد أحد منا تعليقاً أو فهماً، وقد لاحظ جدي ذلك.. حمل سبّحته ونهض واقفاً يصلح من وضع العباءة المشمشية على كتفيه، فأدركنا أن وقت الحكاية انتهى، وأنه ذاهب للنوم.
قبل أن يغادر الغرفة، التفت إلينا وقال:
ـ خالكم قاسم فشل في التعليم، وفشل في تعلّم مهنة تنفعه، وما زال يعيش على خير والده جدكم الأفندي.. أما والدكم فقد أصبح محامياً يشار إليه بالبنان.
طأطأت رأسي خجلاً، فأردف جدي:
ـ في الغد بإذن الله تعالى، سأروي لكم، أيضاً، كيف أصبح والدكم محامياً..!
عدنان كنفاني
لكنه قطع الشك عندما قال بشيء من الغضب:
ـ لماذا لم تحمل العجين إلى الفرن..؟
كنا في ذلك الوقت كما أكثر بيوت سكان عكا، نعجن في بيوتنا، والبعض يخبز العجين في تنّور البيت، والبعض يحمل العجين إلى الفرن لخبزه.
في ذلك اليوم طلبت مني أمي أن أحمل العجين إلى الفرن، لكنني رفضت باستعلاء، وأعترف أنني قلت لها:
ـ أحمل العجين على رأسي إلى الفرن وأنا ابن المحامي..!
لم ترد على رفضي، بل طلبت من أخي حمل العجين فلبى دون اعتراض.
نظر جدي إلي ينتظر الجواب، لكنني لم أجد أي تبرير لما فعلت، وعندما طال انتظاره وأنا صامت قال:
ـ لأنك ابن المحامي تخجل من خدمة بيتك.!
ثم استدرك يسألنا جميعاً:
ـ هل تعرفون كيف أصبح والدكم محامياً.؟
ألقى بالسبّحة على حضن عباءته المشمشية، وقال وكأنه يخاطبني دون غيري:
ـ عندما كان والدك بمثل سنّك، طلب مني أن يجد عملاً خلال فترة العطلة المدرسية الصيفية ليوفر لنفسه مبلغاً يساعده في العام الدراسي التالي.. وافقت على الفور فقد كان يهمني جداً أن يدخل ابني "والدكم" معترك الحياة، وأرسلته إلى صديق لي، صاحب متجر أيضاً، ليشتغل عنده، في أول يوم بدأ فيه العمل عند صديقي التاجر، طلب منه أن يكنس الدكان، وأن يرتب البضاعة..
تبادلنا نظرات دهشة، لكن جدي تابع يقول:
ـ حمل والدكم المكنسة، وبدأ بتنظيف الدكان دون أن يعترض أو يبدي امتعاضاً، وهكذا مضى اليوم الأول له بالعمل على هذا الحال، ينظف الدكان، ويرتب البضاعة بهمّة ونشاط، مما أدخل السرور على قلب صديقي التاجر..
سكت جدي يحاول أن يرى في وجوهنا فهمنا لحكايته، ولما لم يجد غير نظرات متسائلة مدهوشة، قال:
ـ بعد أيام قليلة جاء فتى آخر إلى دكان صديقي التاجر ليعمل عنده، ذلك الفتى أصبح فيما بعد خالكم قاسم.. طلب منه التاجر أن يحمل المكنسة وينظف الدكان، انتفض قاسم باستعلاء وتكبّر، وقال للتاجر غاضباً: أنا أكنس دكانك وأنا ابن الأفندي..! وعاد من حيث أتى رافضا العمل.
حتى ذلك الحد من الحكاية ونحن ما زلنا غائبين عن المعنى الذي أراد جدي أن يوصله لنا، ولم يبد أحد منا تعليقاً أو فهماً، وقد لاحظ جدي ذلك.. حمل سبّحته ونهض واقفاً يصلح من وضع العباءة المشمشية على كتفيه، فأدركنا أن وقت الحكاية انتهى، وأنه ذاهب للنوم.
قبل أن يغادر الغرفة، التفت إلينا وقال:
ـ خالكم قاسم فشل في التعليم، وفشل في تعلّم مهنة تنفعه، وما زال يعيش على خير والده جدكم الأفندي.. أما والدكم فقد أصبح محامياً يشار إليه بالبنان.
طأطأت رأسي خجلاً، فأردف جدي:
ـ في الغد بإذن الله تعالى، سأروي لكم، أيضاً، كيف أصبح والدكم محامياً..!
عدنان كنفاني