أبو مجاهد
11th May 2009, 11:04 PM
ما زال جدي يحذرنا من معاشرة السفهاء حتى أُتخمنا من حكاياته بهذا الموضوع، وفي كل مرة يأتي لنا بحكايات هي شواهد على عبثية التحاور أو معاشرة أو مرافقة الحمقى والسفهاء.
لكنه في تلك الليلة جنح إلى الحديث عن موضوع آخر، قد يكون له علاقة ما بالحديث عن السفهاء والحمقى، لكنه في هذه المرّة كان حاداً ومحدداً في الوقت نفسه، إذ بدَأنا الحديث بما يشبه سؤال يبدو كأنه أحجية، أرادنا أن نُعمِل الفكر في إيجاد جواب أو تفسير لها.
كما العادة، في كل مساء بعد أن يعود من المسجد وقضاء فرض صلاة العشاء، نكون أنا وأخوتي قد فرغنا من كتابة وظائفنا المدرسية، وحضّرنا برنامج دروس اليوم التالي، ولعبنا.. وعندما يقترب موعد عودة جدي من المسجد نتسارع لنغتسل، ونرتدي مناماتنا، ونجلس بهدوء ننتظر حكايات جدي.
وما أن دخل جدّي البيت، ألقى نظرة على صدارة المكان حيث مجلسه المفضّل، ورآنا نجلس بانتظاره، حتى أشار إلينا وينادينا بصوته الأجش:
ـ اقتربوا مني..
ركضنا إليه جزعين، فما قاله ويفعله على غير عادة بعث في نفوسنا شيئاً من القلق، لكنه عندما ابتسم ابتسامته الهادئة، ومسح على لحيته البيضاء الفضيّة، هدأت قلوبنا، قال بحزم:
ـ ترى هل تقولون لي ما هو أصعب وأقسى وآلم شيء في الحياة.؟
وقبل أن يرّد أحدنا تابع مستدركاً:
ـ لا أريد إجابات متسرّعة، خذوا وقتكم، وسأعود إليكم بعد قليل وأستمع إلى رأي كل واحد منكم..
اجتاحتنا لحظات حماسة، وكل منا يفكر بما يمكن أن يكون أصعب وأقسى وآلم شيء في الحياة، لكن لم يصرّح أحد منا للآخر عما وصل إليه بانتظار أن يحظى برضا جدّنا عندما يسمع من أيّ منا الجواب الصحيح.
جلس سيدي في مكانه على الأريكة الوثيرة، وراح يداعب سبّحته الزيتونية، ويرتشف الشاي من كأسه المفضّل، وبعد أن اجتمعنا حوله، واقتربنا منه، بدا أنه ينتظر إجاباتنا.
من قال منا إن الظلم أصعب وآلم شيء في الحياة.! ومن قال الجوع.! ومن قال الخيانة.! ردود كثيرة لم تصل إلى قناعات جدي، لكنه كان يبتسم مع كل إجابة، ويمسح لحيته البيضاء الفضيّة، ويرفع حاجبيه نافياً أن يكون أيّ ردّ من ردودنا صائباً.
سكتنا ننتظر ما سيقول، وبعد صمت ليس بالقصير، تنحنح معلناً بدء الحديث وقال:
ـ ربما لا تعلمون أن والدي رحمه الله كان قبل أن يستقل في المتجر الذي أعمل به الآن، "وقد ورثته عنه"، كان يعمل مع شريك في متجر آخر، وكان شريكه رجلاً غبيّاً جداً، ثقيل الظل وجاهلاً، وفوق ذلك كله يحسب أنه فريد عصره بالمعرفة والفهم، ولو قال له أحد إن الشمس تطلع من الشرق يقول بل من الغرب، أو إن هذا الثوب أبيض يقول بل أسود، ولم يتخذ طيلة فترة شراكته القسرية مع والدي أي قرار صائب، بل بالعكس كانت كل تصرفاته خاطئة وتسبب لوالدي الحرج والمتاعب، والحزن والألم والغضب، وكلما حاول والدي إبداء النصيحة له، بأن يتروى ويفكر قبل أن يتصرف أو يتحدث بالجهل والخطأ، يغضب ويصرخ ويلعن، ويتهم كل من حوله بأنهم جهلة لا يفهمون ولا يفكرون، مع العلم أنه هو من كان غبيّاً وجاهلاً وأحمقاً وعجولاً إلى درجة السفاهة، ولم يكن بيد والدي حيلة للتخلص منه ومن شراكته في ذلك الوقت، لظروف كانت تفرض عليه أن يساير ويجامل ويتحمّل إلى أن يجد من الضيق فرجاً.
سكت جدي قليلاً يلتقط أنفاسه، ويرشف من كأس الشاي، ثم تابع:
ـ طفح الكيل بوالدي من مرافقة شريكه الجاهل، ولم يجد من بد إلا أن يضحي بكل شيء، ومهما أصابه من ضيق وخسارة، ليفارق ذلك الجاهل الذي يشبه البهائم بتصرفاته وأخلاقه وجهله، ولو أن البهائم أفضل منه، لعدم قدرتهم على النطق والكلام.
أرسل جدي ابتسامة شامتة وأردف يقول:
ـ تنازل والدي عن كل شيء، وأصرّ وقرر أن يفارق شريكه الجاهل بلا عودة، ويترك له الجمل بما حمل غير آسف ولا نادم.
نظر إلينا جدي وقال:
ـ ما زال والدي يرحمه الله يردد على مسامعي حتى يوم وفاته كلمات لست أنساها، ويقول: "إن أصعب شيء في هذه الحياة هي في مرافقة الفهيم للبهيم، فإنها داء سقيم، وعلّة ليس لها دواء".
عدنان كنفاني
لكنه في تلك الليلة جنح إلى الحديث عن موضوع آخر، قد يكون له علاقة ما بالحديث عن السفهاء والحمقى، لكنه في هذه المرّة كان حاداً ومحدداً في الوقت نفسه، إذ بدَأنا الحديث بما يشبه سؤال يبدو كأنه أحجية، أرادنا أن نُعمِل الفكر في إيجاد جواب أو تفسير لها.
كما العادة، في كل مساء بعد أن يعود من المسجد وقضاء فرض صلاة العشاء، نكون أنا وأخوتي قد فرغنا من كتابة وظائفنا المدرسية، وحضّرنا برنامج دروس اليوم التالي، ولعبنا.. وعندما يقترب موعد عودة جدي من المسجد نتسارع لنغتسل، ونرتدي مناماتنا، ونجلس بهدوء ننتظر حكايات جدي.
وما أن دخل جدّي البيت، ألقى نظرة على صدارة المكان حيث مجلسه المفضّل، ورآنا نجلس بانتظاره، حتى أشار إلينا وينادينا بصوته الأجش:
ـ اقتربوا مني..
ركضنا إليه جزعين، فما قاله ويفعله على غير عادة بعث في نفوسنا شيئاً من القلق، لكنه عندما ابتسم ابتسامته الهادئة، ومسح على لحيته البيضاء الفضيّة، هدأت قلوبنا، قال بحزم:
ـ ترى هل تقولون لي ما هو أصعب وأقسى وآلم شيء في الحياة.؟
وقبل أن يرّد أحدنا تابع مستدركاً:
ـ لا أريد إجابات متسرّعة، خذوا وقتكم، وسأعود إليكم بعد قليل وأستمع إلى رأي كل واحد منكم..
اجتاحتنا لحظات حماسة، وكل منا يفكر بما يمكن أن يكون أصعب وأقسى وآلم شيء في الحياة، لكن لم يصرّح أحد منا للآخر عما وصل إليه بانتظار أن يحظى برضا جدّنا عندما يسمع من أيّ منا الجواب الصحيح.
جلس سيدي في مكانه على الأريكة الوثيرة، وراح يداعب سبّحته الزيتونية، ويرتشف الشاي من كأسه المفضّل، وبعد أن اجتمعنا حوله، واقتربنا منه، بدا أنه ينتظر إجاباتنا.
من قال منا إن الظلم أصعب وآلم شيء في الحياة.! ومن قال الجوع.! ومن قال الخيانة.! ردود كثيرة لم تصل إلى قناعات جدي، لكنه كان يبتسم مع كل إجابة، ويمسح لحيته البيضاء الفضيّة، ويرفع حاجبيه نافياً أن يكون أيّ ردّ من ردودنا صائباً.
سكتنا ننتظر ما سيقول، وبعد صمت ليس بالقصير، تنحنح معلناً بدء الحديث وقال:
ـ ربما لا تعلمون أن والدي رحمه الله كان قبل أن يستقل في المتجر الذي أعمل به الآن، "وقد ورثته عنه"، كان يعمل مع شريك في متجر آخر، وكان شريكه رجلاً غبيّاً جداً، ثقيل الظل وجاهلاً، وفوق ذلك كله يحسب أنه فريد عصره بالمعرفة والفهم، ولو قال له أحد إن الشمس تطلع من الشرق يقول بل من الغرب، أو إن هذا الثوب أبيض يقول بل أسود، ولم يتخذ طيلة فترة شراكته القسرية مع والدي أي قرار صائب، بل بالعكس كانت كل تصرفاته خاطئة وتسبب لوالدي الحرج والمتاعب، والحزن والألم والغضب، وكلما حاول والدي إبداء النصيحة له، بأن يتروى ويفكر قبل أن يتصرف أو يتحدث بالجهل والخطأ، يغضب ويصرخ ويلعن، ويتهم كل من حوله بأنهم جهلة لا يفهمون ولا يفكرون، مع العلم أنه هو من كان غبيّاً وجاهلاً وأحمقاً وعجولاً إلى درجة السفاهة، ولم يكن بيد والدي حيلة للتخلص منه ومن شراكته في ذلك الوقت، لظروف كانت تفرض عليه أن يساير ويجامل ويتحمّل إلى أن يجد من الضيق فرجاً.
سكت جدي قليلاً يلتقط أنفاسه، ويرشف من كأس الشاي، ثم تابع:
ـ طفح الكيل بوالدي من مرافقة شريكه الجاهل، ولم يجد من بد إلا أن يضحي بكل شيء، ومهما أصابه من ضيق وخسارة، ليفارق ذلك الجاهل الذي يشبه البهائم بتصرفاته وأخلاقه وجهله، ولو أن البهائم أفضل منه، لعدم قدرتهم على النطق والكلام.
أرسل جدي ابتسامة شامتة وأردف يقول:
ـ تنازل والدي عن كل شيء، وأصرّ وقرر أن يفارق شريكه الجاهل بلا عودة، ويترك له الجمل بما حمل غير آسف ولا نادم.
نظر إلينا جدي وقال:
ـ ما زال والدي يرحمه الله يردد على مسامعي حتى يوم وفاته كلمات لست أنساها، ويقول: "إن أصعب شيء في هذه الحياة هي في مرافقة الفهيم للبهيم، فإنها داء سقيم، وعلّة ليس لها دواء".
عدنان كنفاني