المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من وصايا جدّي (1) "عنزة ولو طار"



أبو مجاهد
7th May 2009, 01:12 AM
كان جدّي "طيّب الله ثراه وثرى أجدادكم" رجلاً طيباً بسيطاً، تقيّاً ورعاً، زاهداً عابداً، قانعاً راضياً، لم يضع لفافة بين إصبعيه طيلة حياته، ولم يجلس في مقهى، لا يعرف لعبات الورق، ولا النرد، ولا الشطرنج، أميناً صادقاً، وكان فوق ذلك كلّه عفيف النفس، طيب المعشر، ودوداً، وقوراً، وحكيماً..

حياته تجري بهدوء في دوائر محدودة بين متجره وبيته والمسجد القريب، ومعاصر وأشجار الزيتون الكثيرة التي كان يملكها على أراضي بعض القرى القريبة من عكا.

كنّا صغاراً، وكم كانت فرحتنا عظيمة ونحن ننتظر عودته من المسجد بعد صلاة العشاء، يجلس على أريكته المفضّلة في صدر بهو البيت الكبير، يرشف من كأس الشاي بتلذذ، ويمسح لحيته البيضاء براحة يده، ينظر بعينيه الصغيرتين في وجوهنا المتلهّفة لسماع حكاياته.

أخوتي الثلاثة، وأنا أصغرهم، نجلس حوله، نتمسح بعباءته المشمشية، ونطرب لطرقات حبّات سبّحته الزيتونية.

في ذلك المساء، ولأول مرّة، يلكزني أخي الأوسط ويهمس في أذني:

ـ سيحكي لنا حكاية.

ويبتسم بخبث.

ولما لم يصل له مني رد فعل، يهمس ثانية:

ـ سترى كيف يكون حريصاً على توصيل معلومة مفيدة لنا..

يتنحنح جدّي، يبسمل، ويعتدل في مجلسه:

ـ إياكم ومرافقة الحمقى، فإنهم أقرب إلى السفهاء.!

تبادلنا نظرات متسائلة، فتابع:

ـ الأحمق لا يسمع إلا صوت نفسه، والحوار معه ضرب من ضروب العبث، فإياكم مرافقة أو الحوار مع أحمق سفيه..

نظر في وجوهنا الصغيرة، كأنه يدرك أننا لم نفهم من كلماته شيئاً، تنحنح ثانية، وركن السبّحة في حضنه، وقال:

ـ كنت برفقة رجل عرفت لاحقاً أنه أحمق سفيه ونحن في الطريق إلى معصرة الحاج عبد السميع، وكان علينا أن نجتاز أرضاً سهلاً لنصل إلى التل الذي تقوم على جانبه الآخر تلك المعصرة، ونتبادل أحاديث عامة، عندما أشار إلى شيء أسود في بطن السهل، وقال:

ـ هل ترى ذلك الشيء الأسود وسط النباتات القصيرة الخضراء.؟

قلت:

ـ نعم، إنّه غراب..

ضحك بسخرية وقال لي:

ـ بل هي عنزة يا غبيّ..

قلت له وأنا أشير إلى ذلك الأسود:

ـ بل هو غراب..

وكلما اقتربنا من ذلك الشيء، يتوضّح لنا شكل الغراب أكثر فأكثر، لكن صديقي الأحمق يصرّ على أنها عنزة، ولما اقتربنا كثيراً، أحسَّ الغراب بوقع خطواتنا، فطار.

نظرت إلى صديقي وأنا أبتسم منتصراً، لكنه شدّني من يدي بعنف وقال بعصبية بالغة:

ـ بل هي عنزة.. ولو طار.

الآن، بعد أن كبرت، وأنا في معرض حوار مع أحد هؤلاء الحمقى، أستحضر حكاية جدّي، وأكيل له فيوضاً من الرحمات، فكم كان حكيماً عندما حذرنا وقال لنا:

ـ إياكم مرافقة أو الحوار مع الحمقى السفهاء.!


عدنان كنفاني

أبو أيهم
7th May 2009, 11:28 AM
تشبيه بليغ أخي الكريم :Aw8:

والله يرحم جدك فقد صدق ، ولكن بعض الأحيان تضطر إلى الحوار معهم ...



دمت بعز

ابوحذيفةالمقدسي
7th May 2009, 12:10 PM
ـ إياكم مرافقة أو الحوار مع الحمقى السفهاء.!


أحسنتم أخي أبو مجاهد على حسن الاختيار .

وهذه عبرة أخذناها من ذلك الختيار .

لا حوار مع الحمقى لا حوار مع الحمقى لا ححوار مع الحمقى .

لكن تجبر في يوم من الايام أن تحاور الحمقى في هذا الزمان .. فالقصة ليست ببساطة جد كاتب الرواية والطريق ليست طريق معصرة زيتون حقيقية .. الطريق طريق تحرير ومقاومة .

والاحمق في زمن الجد الله يرحمه بسيط احمق لكن الحمقى عندنا متخرجين من معاهد الخبث والدهاء رغم حماقتهم التي لا يختلف اثنان عليها .

جزيت خيرا

ابن الجامعة
8th May 2009, 12:42 AM
جزيتم خيرا...

تعبير بليغ فعلا :) و كم نصادفه اليوم، و خير مثال عليه بعض وسائل الاعلام المسمومة التي تضحك على نفسها فقط...

جزيتم خيرا، و ننتظر المزيد من الشعر و الأدب.

دعواتكم

خادمة الرسول
8th May 2009, 10:30 PM
بارك الله فيك اخي الكريم
ولكن فعلا نتضر لمنقاشتهم

في ايامنا هذه

جزاك الله كل الخير

أبو مجاهد
8th May 2009, 10:35 PM
جزاكم الله خيرا إخواني إخواتي أو أختي على المرور:)

عنزة ولو طار بنحكيلهم .....بقولو .......

فلن ينفع معهم إلا ....

بوركتم

سنحيا بالأمل
11th May 2009, 10:48 PM
إياكم مرافقة أو الحوار مع الحمقى السفهاء.!

يا الله في أيامنا هذه ما أكثر الحمقى والسفهاء... حدث ولا حرج..:(

وعاد رح تشوف منهم كثير هالحمقى وخصوصا بهاي الاوقات...


بوركتم
اخي أبو مجاهد.. ابدعت في سلسلة الوصايا للامامنا الشيخ البنا... وها نحن نتابع ابداعك في وصايا جدك وجدي وجد اخواننا..

أدامك الله عزيزا بالاسلام...

دمت بخير وعز..:))

أبو مجاهد
11th May 2009, 10:57 PM
بوركت أختي أم الخطاب على المرور الجميل المتتالي على الثلاث وصايا التي عرضت

جزاك الله كل خير