المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قُبِل المهر ... وزُفَّت العروس



أبو مجاهد
30th March 2009, 01:31 AM
روي أنه كان في البصرة نساءٌ عابدات ، و كانت منهن أم إبراهيم الهاشمية ، فأغار العدو على ثغرٍ من ثغور المسلمين ، فانتدب الناس للجهاد ، فقام عبد الواحد بن زيد البصري في الناس خطيباً ، فحظّهم على الجهاد ، و كانت أم إبراهيم هذه حاضرةً في مجلسه ، و تمادى عبد الواحد في كلامه ، ثم وصف حور العين وذكر ما قيل فيهن ، و أنشد في وصف حوراء :
غادة ذات دلالٍ و مــرح *** يجد الناعت فيها ما اقترحْ
خُلِقَت من كل شيء حسـنٍ *** طيّبٍ ، فاللَّيت فيها مطَّرحْ
زانها الله بوجهٍ جمعـــت *** فيه أوصافٌ غريباتُ الُملَح
ْ و بعينٍ كحلها من غنجها *** و بخدٍ مسكه فيه رَشَحْ
ناعمٌ تجري على صفحتــه *** نضرةُ المُلك و لألاءُ الفرحْ
فماج الناس بعضهم في بعض ، و اضطرب المجلس ، فوثبت أم إبراهيم من وسط الناس ، وقالت لعبد الواحد : " يا أبا عبيد ، ألست تعرف ولدي إبراهيم ، و رؤساء أهل البصرة يخطبونه على بناتهم ، و أنا أضن به عليهم ، فقد والله أعجبتني هذه الجارية ، و أنا أرضاها عروسا لولدي ، فكرر ما ذكرت من حسنها وجمالها "..
فأخذ عبد الواحد في وصف الحوراء ، ثم أنشد :
تولًّد نورُ النور من نور وجههــــا *** فمازج طيب الطّيبِ من خالص العطرِ
فلو وطئت بالنعل منها على الحصى *** لأعشبت الأقطار من غير ما قَطْرِ
و لو شئتَ عَقْدُ الخِصْرِ منها عقدتُـه *** كغصنٍ من الريحان ذي ورقٍ خضرِ
و لو تفلتْ في البحر شهدَ رضابَهـا *** لطاب لأهل البَّر شربٌ من البحرِ
فاضطرب الناس أكثر ، فوثبت أم إبراهيم ، و قالت لعبد الواحد : " يا أبا عبيد ، قد و الله أعجبتني هذه الجارية و أنا أرضاها عروساً لولدي ، فهل لك أن تزوّجه منها ، و تأخذ مني مهرها عشرة آلاف دينار ، و يخرج معك في هذه الغزوة، فلعل الله يرزقه الشهادة ، فيكون شفيعا لي و لأبيه يوم القيامة ؟ " ..
فقال لها عبد الواحد : " لئن فعلتِ ، لتفوزنّ أنتِ و ولدكِ و أبو ولدكِ فوزاً عظيماً " . فنادت ولدها : " يا إبراهيم " ، فوثب من وسط الناس ، و قال لها : " لبيك يا أماه " ، قالت : " أي بني ، أرضيتَ بهذه الجارية زوجةً لك ، ببذل مهجتكَ في سبيل الله ، و تركِ العود من الذنوب ؟ "
فقال الفتى : " إي و الله ياأماه .. رضيتُ أي رضى " ، فقالت : " اللهم إني أشهدك أني زوجت ولدي بهذه الجارية ،ببذل مهجته في سبيلكَ ، و تركِ العود في الذنوب ، فتقبله مني يا أرحم الراحمين " .
ثم انصرفتْ ، فجاءت بعشرةِ آلافِ دينار ، و قالت : " يا أبا عبيد ، هذا مهرالجارية تجهّزْ به و جهّزِ الغزاةَ في سبيل الله " ، و انصرفتْ فاشترتْ لولدها فرساً جيداً و استجادتْ له سلاحاً ، فلما خرج إبراهيم يعدو و القراء حوله يقرءون : " إِنَّ الله اشتَرَى مِنَ الُمؤمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوَالَهُمْ بَأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ " ، فلما أرادت أم إبراهيم فراقَ ولدِها ، دفعتْ إليه كفناً وحنوطاً ، و قالت له : أي بني ، إذا أردت لقاءَ العدو فتكفّنْ بهذا الكَفَن ، وتحنًّطً بهذا الحنوط ، و إياك أن يراك الله مقصراً في سبيله ، ثم ضمَّتْه إلى صدرها و قبَّلَتْ ما بين عينيه و قالت : يا بني ، لا جمع الله بيني و بينك إلا بين يديه في عرصاتِ يوم القيامة !!
قال عبد الواحد : فلما بلغنا بلاد العدو ، و برزالناس للقتال ، برز إبراهيمُ في المقدمة فقتل من العدوِّ خلقاً كثيراً ، ثم اجتمعواعليه فقتلوه ..
فلما أردنا الرجوعَ إلى البصرة ، قلت لأصحابي : " لا تخبروا أم إبراهيم بخبر ولدها حتى ألقاها بحسن العزاء ، لئلا تجزعْ فيذهب أجرها "..
قال فلما وصلنا البصرة خرج الناس يتلقوننا ، و خرجت أم إبراهيم فيمن خرج، فلما أبصرتْني قالت : " يا أبا عبيد ، هل قُبِلَتْ مني هديتي فَأُهَنَّأ ، أم رُدَّتْ عَلَيَّ فَأُعَزَّى ؟" .. فقلتُ لها : " قد قُبِلَتْ و الله هديتكِ ، إن إبراهيم حي مع الشهداء - إن شاء الله - " ، فخرَّتْ ساجدةً لله شكراً ، و قالت : " الحمد لله الذي لم يخيِّب ظني ، وتَقَبَّلَ نُسُكي مِنِّي " .. و انصرفت ..
فلما كان من الغد أتت المسجد ، فقالت : " السلام عليكَ يا أبا عبيد ،بُشراكَ..بُشراكَ "، فقال : " لا زلتِ مبشِّرَةً بخير " ، فقالت : " رأيتُ البارحةَ ولدي إبراهيم في روضةٍ حسناءَ ، و عليه جبةٌ خضراءَ ، و هو على سريرٍ من لؤلؤٍ ، وعلى رأسه إكليلٌ ، و هو يقول لي :

" يا أمَّاه .. أبشري ..
فقد قُبِلَ المَهْرُ ..
وَ زُفَّتِ العروس " ..

صوت الحق
30th March 2009, 05:44 PM
نعم وكيف لا يقبل المهر , وقد أخلصت النية وبذلت النفس في سبيل الله رخيصة , لم تغره الدنيا وشهواتها , ولم تقعده الدنيا الفانية عن البذل لدار الخلود , والحور العين ..


نسأل الله أن يرزقنا شهادة في سبيله مقبلين غير مدبرين , نهنأ بعدها بدار النعيم ..

بارك الله فيك أخي أبو مجاهد , ورزقك الله الفردوس الأعلى

دعواتكم

تاج الوقار
30th March 2009, 11:55 PM
يا الله وأي شيء أروع من هذا
صدق واخلاص واقدام وجهاد وبذل وتضحية في سبيل الله

جزيتم خير الجزاء على هذه القصة

رزقكم الله الجنة بكل نعيمها

أبو مجاهد
2nd April 2009, 12:18 AM
الله ارزقنا شهادة في سبيلك مخلصين مقبلين يا رب العالمين

جزاكن الله خيرا أختاي على المرور

الخيل المزلزلة
3rd April 2009, 10:41 PM
والله إنها لقصة جميلة
كنت أسمعها يوميا على البلفون ودائما اكررها

ابن الجامعة
3rd April 2009, 11:49 PM
السلام عليكم و رحمة الله...

قصة مؤثرة تحرك ساكن النفس و تذكرها بمبتغاها الاصل عند الله...

نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الخاتمة على خير ما أمرنا...

دعواتكم

ابوحذيفةالمقدسي
4th April 2009, 01:15 AM
قصة رائعة بالفعل .

وفيها ومنها نستخلص عبرا كثيرة منها أن طموحات الشباب تختلف في وقتنا عن ما سلف الا من رحم ربي؟؟!!

فصاحبنا ابراهيم .. اقبل على الاخرة مؤمنا مستيقنا . وأمه تختلف عن امهات اليوم الا من رحم ربي فقد تاجرت بابنها فربحت البيع هي وابنها .

وكأني انظر الى تلك المرأة المؤمنة الصابرة التي ضحت باولادها الاربعة .. أم نضال فرحات .. التي ودعت اولادها وشجعتهم على المضي في سبيل الله .

فلله در امرأة ارضعت اولادها لبن التقوى .. وغرست في نفوسهم حب الجهاد .. وربتهم على العفة وحب الاخرة .

بارك الله فيك أخي ابو مجاهد على اطلالاتك المميزة ..

أبو مجاهد
9th April 2009, 06:50 PM
البذل والتضحية مستمرة الى أن يرث الله الأرض ومن عليها
هذه سنة الله في خلقه
ولكن السؤال المطروح والذي يوجه الى كل فرد منا ذكرا كان أو أنثى هل نحن مستعدون وجاهزون لنقدم مثلما قدموا أو جزءا بسيطا مما قدموا

فليسأل كل واحد منا نفسه هذا السؤال وليجب عنه بصدق

وإذا كانت الإجابة لا فليصحح المسار والمسير وليغير وليتغير حتى يستطيع أن يقدم