أبو مجاهد
14th November 2007, 09:52 PM
ابتسمي يا أمي...ابنك يوماً ما كان "في ضيافة البندقية" والآن هو ضيف الشهادة!!
---------------------------------------------------------
http://www.alqassam.ps/arabic/images/all_txt/AhmdAwdt.jpg
تقريرـ وكالات:
لم يكن الخروج من منزل الشهيد "أحمد عوض"، مسؤول وحدة التصنيع الصاروخية في كتائب الشهيد عز الدين القسام، كالدخول فيه، صورة أحمد، تتجسد فيها جمالية الاكتشاف التي اكتفت لغة الدهشة أن تقف هي الأخرى في لحظة تأمل، هي ذاتها اللحظة التي ظهرت فيها كل أنواع المقدمات الصحفية مشوشة تماماً، أحمد...ظهرت صورته سريعاً على شكل سحابة بيضاء عابرة، كعادته ابتسمت ملامحه البريئة التي كان قدرها أن يكون صاحبها عسكرياً، وبذات السرعة ألقى رسالة سقطت في حي الزيتون في مدينة غزة، في ذكرى استشهاده الأولى التي اغتيل فيها على يدي الاحتلال حيث صادفت الثامن من الشهر الجاري.
مغامراتي الطفولية
أمي الحنونة....سأبدأ بك لأنني اشتقت إليك أكثر من أي أحد..سلام الله عليك ورحمته وبركاته:
أتتذكرين ما قبل ميلادي عندما كنت حاملاً بي ورأيت في منامك شخصاً يهديك عقداً ثميناً؟، كانت رائعة هي فرحة البيت بقدوم الضيف الجديد، الذي هو أنا طبعاً، ليصبح لقبك يا أجمل أم في الدنيا "أم أحمد"، الآن الآن سأجبر دموعك على أن تبتسم، رغم أني أعرف مرارتها، أتذكرين كيف أني كنت أحب "فكفكة" الأشياء والأجهزة، لتحدد هذه العادة الطفولية مستقبلي مع الوطن عندما أكبر، ورغم ذلك كنت متفوقاً في المدرسة.
أمي...أحبك جداً لأنك كنت تخافين علي من شقاوتي، ومغامراتي مع "اليهود"، عندما كنت ألقي بسترتي في المسجد، وأذهب لقذفهم بالحجارة أنا وأخي الحبيب رامي، حيث أتقدم الصفوف الأمامية بشجاعة، كنت أريد أن أنتقم من أجل فلسطين، وعندما كبرت أكثر وبدت بنيتي الجسدية أكبر من عمري الحقيقي، ازددت تعلقاً بهذه المغامرات.
أتذكرين عندما جاء الجنود ذات مرة وكنت وقتها أحل واجبي المدرسي وضربوني على يدي، أعرف يا أمي أني "كتوم" بالفطرة، وأن هذه الصفة كانت تجعل "أعصابك على نار" لأنك كلما سألتني "أحمد ألست أنت من كنت تنادي بمكبر الصوت، وتوزع المناشير على الدراجة، وتكتب الشعارات على الجدران؟"، ولكني أرد عليك بمراوغة بريئة مبتسماً "بالطبع لست أنا يا أمي"، وطبعاً لم يكن هناك مجال لديك كي تصدقيني، لكن والله ما كنت أريدك أن تقتلي نفسك قلقاً علي".
أتذكرين يا أمي كيف أنهم كانوا يتفاءلوا بمستقبلي ويقولون لك: " ابنك هذا جريء وسيكون مختار العائلة"، وأنا بالفعل أصبحت مختاراً أفضل ألف مرة من المختار الذي يقصدونه، أليس شرفاً لك أن يختارني الله لأكون شهيداً....ألا أستحق من دموعك أن تصمت قليلاً من أجلي يا أمي!.
أم معاذ..أيتها الجميلة الوفية
حسناً الآن هو دورك يا أم معاذ يا زوجتي الحبيبة... يا من كنت سندي وعوني في المضي في سبيل الله، بالتأكيد لن تنسي عندما تقدمت لأطلب يدك من عمي "أبو خالد" الدكتور محمود الزهار، أعرف أنك ترددت وقتها في القبول بي، وكان تردداً طبيعياً، لأنك كأي فتاة في العالم تتمنى أن تعيش باستقرار، ولأن لوعة فراق أخيك "خالد" وحياة والديك المهددة باستمرار جعلتك تفكرين ألف مرة قبل القبول بزوج يعمل في كتائب القسام، لكن ما ساعدك على اتخاذ قرارك هو أن والدك قال لك بالحرف الواحد وقتها "أحمد مجاهد، وإذا احنا ما بدنا نعطيه مين بده يعطيه"، أتذكرين في فترة الخطوبة عندما قلت لك وأنا أهم بمغادرتك " لا إله إلا الله"، عندها ارتعبت خوفاً وسألتني " أحمد ماذا بك؟"، ولكن أتضح لك فيما بعد أن هذه الكلمة الجميلة "لزمة" في كلامي، وهكذا اعتدت علي كلما تركتك أن أقولها لك.
أسمعك يا أم معاذ كلما وصفت للناس بأني حنون ومخلص لربي ووطني وأهلي، ولا أحب أن أغضب أحداً مهما كان، وأني محبوب من الجميع ومن كل الفصائل لدرجة أن أهل "الحارة" من مختلف الانتماءات أقاموا لي جدارية بمناسبة ذكراي، كنت أقدر لك لأبعد حد احتمالك لي عندما كنت أنشغل عنك بسبب عملي في مجلس القضاء صباحاً، وفي القسام ليلاً- بدون أن تتقاضي أي مقابل-، ولكن حقاً أنا كنت أصدقك القول عندما كنت تلومينني على غيابي الطويل، أتسمعين صوتي عندما كان يهمس لك " اعترف أني مقصر، لكن سيأتي وقت ونرتاح فيه جميعاً، وأمنحك أنت والأولاد حقكم".
حقاً أنا اعتبر أنه من حسن حظي أني تعثرت بزوجة مثلك تتفهم عملي في المقاومة، لا سيما هوسك بكل ما يتعلق باتخاذ التدابير الأمنية على أعلى مستوى، لذا كنت قريبة مني وأنا بدوري لم أكن أخبئ عنك إلا ما لا يجوز أن أطلعك عليه، لا أريد أن أسبب لك حزناً أكثر من هذا الذي يسكن قلبك، ولكن تفاصيل ذلك اليوم الذي كان فاصلاً في حياتكم لا زالت تمر أمامي تماماً كما هي محفورة في ذاكرتك، صباح ذلك اليوم عدت من عملي الليلي منهكاً،ورغم ذلك ساعدتك في إعداد الحليب لطفلنا "رجب" الذي لم يكن يتجاوز أربعة شهور، ثم ذهبت إلى عملك في المدرسة وقلبك دليلك أن ثمة فاجعة ستحدث، أتذكرين يا "سماح" عندما أخذت تقولين لي بشيء من العصبية، بعد أن عدت من المدرسة؟: " يا أحمد أنت نازل تتصل في أصحابك المقاومين سكروا الجوالات، وإياكم تركبوا سيارات، طيب احك لحالك وسكر جوالك"، ولكني كنت أرد عليك بهدوء شديد وكأنني استسلمت لقضاء الله وقدره، " معلش يا سماح"، وبعدها خرجت مسرعاً وتركت معاذاً، ولأول مرة أخذ يبكي ويصرخ وكأنه يودعني "باااااابا".
إياك أن تكون أنت
سماح...ربما كان لديك بعد نظر عندما غضبت من ظهوري في برنامج "في ضيافة البندقية" الذي بث على قناة الجزيرة قبل اغتيالي بثلاثة شهور، أتذكرين يوم أن شاهدناه سوياً وعندما جاء دوري لأتحدث عن مراحل التصنيع، قلت لك: "هيا خمني من يكون صاحب الصوت هذا"، يومها شهقت بأعلى صوت: " إياك يا أحمد أن تكون أنت، إنه يحرك يديه بنفس طريقتك؟، لم استطع أن أنكر، ويومها انزعجت جداً وأخذت تتساءلين " يجب أن تكونوا على حذر أكثر، لأن العدو سيطابق نبرات صوتكم في البرنامج بالهواتف النقالة".
أسمعك تتنهدين وتغمضين عينيك لتقولي "معظم من شاركوا في البرنامج اغتيلوا والبقية تأتي".
جففي دموعك لأنها غالية أيتها الغالية..الخبر العاجل في نشرات الأخبار هذا قدرنا، وكان قدرك أن تسمعي خبر عملية اغتيال بطائرات الاستطلاع الصهيونية لسيارة صفراء اللون "س***ا"، ورغم ذلك استبعدت تماماً أن أكون أنا، لكن سرعان ما تم التحقق من الخبر ليعلن عن اسم "أحمد عوض" وزميله المجاهد "رمزي شحيبر".
أمن المعقول؟
سماح سأذكّرك بشيء يجعلك تبتسمين فخراً بي...عندما دهش زملائي في مجلس القضاء بعد استشهادي عندما عرفوا أني أعمل في تصنيع الصواريخ وقالوا بالحرف الواحد "أمن المعقول أن يد هذا الرجل الأنيق اللطيف هي التي تصنع الصواريخ..لا نصدق".
عندما حرقت ورقتي
أخي رامي....يا صديقي المقرب..أعرف أنك أنت أكثر من كان يتوقع استشهادي في أي لحظة، ولكن كانت نكهة ألمك بمرارة أكثر، أدري أن أول صفة تنعتني بها أمام الآخرين هي الغموض، لدرجة أنك عندما كنت تسألني أحياناً عن أحداث تثق أني أعرفها لكني كنت أدعي عدم المعرفة، أنت نفسك يا رامي لم تكن تعرف أني بهذه الأهمية في القسام إلا بعد ما ألقى "الوقائي" القبض علي، على أحد الحواجز التي كان ينصبها، وكان بحوزتي بعض المعدات التي أريد نقلها إلى الشمال، وحدثت اشتباكات عنيفة، وبعدها أذيع أن أحمد له علاقة مباشرة بالتصنيع، ولولا تدخل مستويات رفيعة لما تم الإفراج عني، ولكن بالطبع هذه الحادثة كانت مفصلية لأنه بعدها تم كشفي.
أراها ابتسامتك الحلوة وأنت تقول لي " أجمل ما فيك يا أخي هو تواضعك وعدم حبك للظهور، لدرجة أنك كنت تحرص على عدم الظهور أمام الناس بوسائل الاتصال التي في جعبتك، ورفضت أن يكون معك مرافقون يحرسونك، كما كنت ترفض أن تحمل أي قطعة سلاح مميزة تظهر بأنك شخص ذو شأن".
قفزة نوعية
أخي المجاهد (........) طبعاً لن أذكر اسمك للأسباب الأمنية المعروفة، فأنا كلي ثقة أنك ستستمر على ذات النهج الذي سرنا عليه عندما عملنا معاً في دائرة التصنيع، لقد أصغيت باهتمام لكل ما قلته لـ"فلسطين"، عندما أخبرتهم أني استطعت بعد أن تسلمت مسؤولية الدائرة بعد استشهاد مهدي مشتهى أن أسير في الدائرة باتجاه التطوير السليم والتجريب، وكذلك تنظيم علاقات العمل والأدوار، وأني بمساعدة اخواننا جميعاً استطعت أن أنتقل بتصنيع الصواريخ نقلة نوعية حقيقية وذلك عبر الوصول إلى مدى 15 كم.
أتمنى أن أكون كما وصفتني يا(......) بالقائد الذي يستحق هذا اللقب، عندما قلت إني صارم في رأيي وأفعالي، ولم أكن أعرف المزاح أبداً لأن عملنا لا يقبل أمراً كهذاً، وإني على استعداد أن أخاطر بنفسي من أجل تجربة، خاصة عندما كنت أتعرض للخطر عندما أقوم بتجربة تصنيع، بحكم أن هذا الموضوع يتعلق بالتعلم والتجربة، عبر إرساء قواعد مميزة في العمل، كما أني كنت حريصاً على الشورى، وقادراً على اتخاذ القرار بمفردي في حال منعت الظروف من الاجتماع لتباحث أي قرار عاجل.
ولأنك عسكري استطعت أن تحبس الدموع في عينيك لكني استطعت أن ألمحها عندما بكيت أثناء تواجدك بالخارج وأنت تتفرج على شاشة التلفزيون إبان اغتيالي، خاصة أنهم أخبروك بعد عودتك أني كنت محتاجاً جداً إليك في تلك الفترة كوني كنت اعتمد عليك كثيراً. أتذكر عندما ظهرت في برنامج الجزيرة، وأخذت اتصل بك لتعطيني بعض المعلومات التوثيقية الهامة، أنت اعتبرت أن هذا كان خطأً مثل زوجتي، ولكن المهم أن الله (عز وجل) حقق لي أمنيتي الكبرى وهي الشهادة.
وبعد كل ما قاله أحمد لا يمكن أن نقول سوى إنه حقاً "للأسد في ميتته هيبة ليست لمثله وهم أحياء"...أليس كذلك أيها الأسد؟!
---------------------------------------------------------
http://www.alqassam.ps/arabic/images/all_txt/AhmdAwdt.jpg
تقريرـ وكالات:
لم يكن الخروج من منزل الشهيد "أحمد عوض"، مسؤول وحدة التصنيع الصاروخية في كتائب الشهيد عز الدين القسام، كالدخول فيه، صورة أحمد، تتجسد فيها جمالية الاكتشاف التي اكتفت لغة الدهشة أن تقف هي الأخرى في لحظة تأمل، هي ذاتها اللحظة التي ظهرت فيها كل أنواع المقدمات الصحفية مشوشة تماماً، أحمد...ظهرت صورته سريعاً على شكل سحابة بيضاء عابرة، كعادته ابتسمت ملامحه البريئة التي كان قدرها أن يكون صاحبها عسكرياً، وبذات السرعة ألقى رسالة سقطت في حي الزيتون في مدينة غزة، في ذكرى استشهاده الأولى التي اغتيل فيها على يدي الاحتلال حيث صادفت الثامن من الشهر الجاري.
مغامراتي الطفولية
أمي الحنونة....سأبدأ بك لأنني اشتقت إليك أكثر من أي أحد..سلام الله عليك ورحمته وبركاته:
أتتذكرين ما قبل ميلادي عندما كنت حاملاً بي ورأيت في منامك شخصاً يهديك عقداً ثميناً؟، كانت رائعة هي فرحة البيت بقدوم الضيف الجديد، الذي هو أنا طبعاً، ليصبح لقبك يا أجمل أم في الدنيا "أم أحمد"، الآن الآن سأجبر دموعك على أن تبتسم، رغم أني أعرف مرارتها، أتذكرين كيف أني كنت أحب "فكفكة" الأشياء والأجهزة، لتحدد هذه العادة الطفولية مستقبلي مع الوطن عندما أكبر، ورغم ذلك كنت متفوقاً في المدرسة.
أمي...أحبك جداً لأنك كنت تخافين علي من شقاوتي، ومغامراتي مع "اليهود"، عندما كنت ألقي بسترتي في المسجد، وأذهب لقذفهم بالحجارة أنا وأخي الحبيب رامي، حيث أتقدم الصفوف الأمامية بشجاعة، كنت أريد أن أنتقم من أجل فلسطين، وعندما كبرت أكثر وبدت بنيتي الجسدية أكبر من عمري الحقيقي، ازددت تعلقاً بهذه المغامرات.
أتذكرين عندما جاء الجنود ذات مرة وكنت وقتها أحل واجبي المدرسي وضربوني على يدي، أعرف يا أمي أني "كتوم" بالفطرة، وأن هذه الصفة كانت تجعل "أعصابك على نار" لأنك كلما سألتني "أحمد ألست أنت من كنت تنادي بمكبر الصوت، وتوزع المناشير على الدراجة، وتكتب الشعارات على الجدران؟"، ولكني أرد عليك بمراوغة بريئة مبتسماً "بالطبع لست أنا يا أمي"، وطبعاً لم يكن هناك مجال لديك كي تصدقيني، لكن والله ما كنت أريدك أن تقتلي نفسك قلقاً علي".
أتذكرين يا أمي كيف أنهم كانوا يتفاءلوا بمستقبلي ويقولون لك: " ابنك هذا جريء وسيكون مختار العائلة"، وأنا بالفعل أصبحت مختاراً أفضل ألف مرة من المختار الذي يقصدونه، أليس شرفاً لك أن يختارني الله لأكون شهيداً....ألا أستحق من دموعك أن تصمت قليلاً من أجلي يا أمي!.
أم معاذ..أيتها الجميلة الوفية
حسناً الآن هو دورك يا أم معاذ يا زوجتي الحبيبة... يا من كنت سندي وعوني في المضي في سبيل الله، بالتأكيد لن تنسي عندما تقدمت لأطلب يدك من عمي "أبو خالد" الدكتور محمود الزهار، أعرف أنك ترددت وقتها في القبول بي، وكان تردداً طبيعياً، لأنك كأي فتاة في العالم تتمنى أن تعيش باستقرار، ولأن لوعة فراق أخيك "خالد" وحياة والديك المهددة باستمرار جعلتك تفكرين ألف مرة قبل القبول بزوج يعمل في كتائب القسام، لكن ما ساعدك على اتخاذ قرارك هو أن والدك قال لك بالحرف الواحد وقتها "أحمد مجاهد، وإذا احنا ما بدنا نعطيه مين بده يعطيه"، أتذكرين في فترة الخطوبة عندما قلت لك وأنا أهم بمغادرتك " لا إله إلا الله"، عندها ارتعبت خوفاً وسألتني " أحمد ماذا بك؟"، ولكن أتضح لك فيما بعد أن هذه الكلمة الجميلة "لزمة" في كلامي، وهكذا اعتدت علي كلما تركتك أن أقولها لك.
أسمعك يا أم معاذ كلما وصفت للناس بأني حنون ومخلص لربي ووطني وأهلي، ولا أحب أن أغضب أحداً مهما كان، وأني محبوب من الجميع ومن كل الفصائل لدرجة أن أهل "الحارة" من مختلف الانتماءات أقاموا لي جدارية بمناسبة ذكراي، كنت أقدر لك لأبعد حد احتمالك لي عندما كنت أنشغل عنك بسبب عملي في مجلس القضاء صباحاً، وفي القسام ليلاً- بدون أن تتقاضي أي مقابل-، ولكن حقاً أنا كنت أصدقك القول عندما كنت تلومينني على غيابي الطويل، أتسمعين صوتي عندما كان يهمس لك " اعترف أني مقصر، لكن سيأتي وقت ونرتاح فيه جميعاً، وأمنحك أنت والأولاد حقكم".
حقاً أنا اعتبر أنه من حسن حظي أني تعثرت بزوجة مثلك تتفهم عملي في المقاومة، لا سيما هوسك بكل ما يتعلق باتخاذ التدابير الأمنية على أعلى مستوى، لذا كنت قريبة مني وأنا بدوري لم أكن أخبئ عنك إلا ما لا يجوز أن أطلعك عليه، لا أريد أن أسبب لك حزناً أكثر من هذا الذي يسكن قلبك، ولكن تفاصيل ذلك اليوم الذي كان فاصلاً في حياتكم لا زالت تمر أمامي تماماً كما هي محفورة في ذاكرتك، صباح ذلك اليوم عدت من عملي الليلي منهكاً،ورغم ذلك ساعدتك في إعداد الحليب لطفلنا "رجب" الذي لم يكن يتجاوز أربعة شهور، ثم ذهبت إلى عملك في المدرسة وقلبك دليلك أن ثمة فاجعة ستحدث، أتذكرين يا "سماح" عندما أخذت تقولين لي بشيء من العصبية، بعد أن عدت من المدرسة؟: " يا أحمد أنت نازل تتصل في أصحابك المقاومين سكروا الجوالات، وإياكم تركبوا سيارات، طيب احك لحالك وسكر جوالك"، ولكني كنت أرد عليك بهدوء شديد وكأنني استسلمت لقضاء الله وقدره، " معلش يا سماح"، وبعدها خرجت مسرعاً وتركت معاذاً، ولأول مرة أخذ يبكي ويصرخ وكأنه يودعني "باااااابا".
إياك أن تكون أنت
سماح...ربما كان لديك بعد نظر عندما غضبت من ظهوري في برنامج "في ضيافة البندقية" الذي بث على قناة الجزيرة قبل اغتيالي بثلاثة شهور، أتذكرين يوم أن شاهدناه سوياً وعندما جاء دوري لأتحدث عن مراحل التصنيع، قلت لك: "هيا خمني من يكون صاحب الصوت هذا"، يومها شهقت بأعلى صوت: " إياك يا أحمد أن تكون أنت، إنه يحرك يديه بنفس طريقتك؟، لم استطع أن أنكر، ويومها انزعجت جداً وأخذت تتساءلين " يجب أن تكونوا على حذر أكثر، لأن العدو سيطابق نبرات صوتكم في البرنامج بالهواتف النقالة".
أسمعك تتنهدين وتغمضين عينيك لتقولي "معظم من شاركوا في البرنامج اغتيلوا والبقية تأتي".
جففي دموعك لأنها غالية أيتها الغالية..الخبر العاجل في نشرات الأخبار هذا قدرنا، وكان قدرك أن تسمعي خبر عملية اغتيال بطائرات الاستطلاع الصهيونية لسيارة صفراء اللون "س***ا"، ورغم ذلك استبعدت تماماً أن أكون أنا، لكن سرعان ما تم التحقق من الخبر ليعلن عن اسم "أحمد عوض" وزميله المجاهد "رمزي شحيبر".
أمن المعقول؟
سماح سأذكّرك بشيء يجعلك تبتسمين فخراً بي...عندما دهش زملائي في مجلس القضاء بعد استشهادي عندما عرفوا أني أعمل في تصنيع الصواريخ وقالوا بالحرف الواحد "أمن المعقول أن يد هذا الرجل الأنيق اللطيف هي التي تصنع الصواريخ..لا نصدق".
عندما حرقت ورقتي
أخي رامي....يا صديقي المقرب..أعرف أنك أنت أكثر من كان يتوقع استشهادي في أي لحظة، ولكن كانت نكهة ألمك بمرارة أكثر، أدري أن أول صفة تنعتني بها أمام الآخرين هي الغموض، لدرجة أنك عندما كنت تسألني أحياناً عن أحداث تثق أني أعرفها لكني كنت أدعي عدم المعرفة، أنت نفسك يا رامي لم تكن تعرف أني بهذه الأهمية في القسام إلا بعد ما ألقى "الوقائي" القبض علي، على أحد الحواجز التي كان ينصبها، وكان بحوزتي بعض المعدات التي أريد نقلها إلى الشمال، وحدثت اشتباكات عنيفة، وبعدها أذيع أن أحمد له علاقة مباشرة بالتصنيع، ولولا تدخل مستويات رفيعة لما تم الإفراج عني، ولكن بالطبع هذه الحادثة كانت مفصلية لأنه بعدها تم كشفي.
أراها ابتسامتك الحلوة وأنت تقول لي " أجمل ما فيك يا أخي هو تواضعك وعدم حبك للظهور، لدرجة أنك كنت تحرص على عدم الظهور أمام الناس بوسائل الاتصال التي في جعبتك، ورفضت أن يكون معك مرافقون يحرسونك، كما كنت ترفض أن تحمل أي قطعة سلاح مميزة تظهر بأنك شخص ذو شأن".
قفزة نوعية
أخي المجاهد (........) طبعاً لن أذكر اسمك للأسباب الأمنية المعروفة، فأنا كلي ثقة أنك ستستمر على ذات النهج الذي سرنا عليه عندما عملنا معاً في دائرة التصنيع، لقد أصغيت باهتمام لكل ما قلته لـ"فلسطين"، عندما أخبرتهم أني استطعت بعد أن تسلمت مسؤولية الدائرة بعد استشهاد مهدي مشتهى أن أسير في الدائرة باتجاه التطوير السليم والتجريب، وكذلك تنظيم علاقات العمل والأدوار، وأني بمساعدة اخواننا جميعاً استطعت أن أنتقل بتصنيع الصواريخ نقلة نوعية حقيقية وذلك عبر الوصول إلى مدى 15 كم.
أتمنى أن أكون كما وصفتني يا(......) بالقائد الذي يستحق هذا اللقب، عندما قلت إني صارم في رأيي وأفعالي، ولم أكن أعرف المزاح أبداً لأن عملنا لا يقبل أمراً كهذاً، وإني على استعداد أن أخاطر بنفسي من أجل تجربة، خاصة عندما كنت أتعرض للخطر عندما أقوم بتجربة تصنيع، بحكم أن هذا الموضوع يتعلق بالتعلم والتجربة، عبر إرساء قواعد مميزة في العمل، كما أني كنت حريصاً على الشورى، وقادراً على اتخاذ القرار بمفردي في حال منعت الظروف من الاجتماع لتباحث أي قرار عاجل.
ولأنك عسكري استطعت أن تحبس الدموع في عينيك لكني استطعت أن ألمحها عندما بكيت أثناء تواجدك بالخارج وأنت تتفرج على شاشة التلفزيون إبان اغتيالي، خاصة أنهم أخبروك بعد عودتك أني كنت محتاجاً جداً إليك في تلك الفترة كوني كنت اعتمد عليك كثيراً. أتذكر عندما ظهرت في برنامج الجزيرة، وأخذت اتصل بك لتعطيني بعض المعلومات التوثيقية الهامة، أنت اعتبرت أن هذا كان خطأً مثل زوجتي، ولكن المهم أن الله (عز وجل) حقق لي أمنيتي الكبرى وهي الشهادة.
وبعد كل ما قاله أحمد لا يمكن أن نقول سوى إنه حقاً "للأسد في ميتته هيبة ليست لمثله وهم أحياء"...أليس كذلك أيها الأسد؟!