ابن الجامعة
22nd February 2009, 02:50 PM
السلام عليكم و رحمة الله...
مجموعة مقالات مهمة بقلم الكاتب حمزة عمر، تتناول واقع و مستقبل الحركة الاسلامية في فلسطين من منظور التاريخ، و من نافذة موقعها المؤثر، و مواقفها المقارنة بالاتجاهات الأخرى، و من باب مركزية ه\ه الحركة زمنا و مكانا، و دورها الريادي المتوقع على عتبة التحرير، الذي يصفه بواقع لكل من أحسن قراءة التاريخ، أما الأحلام فهي للنوم الكسالى...
مجموعة من المعاني التي احببت أن أضعها بين أيديكم للنقاش علنا نجد بين ه\ه السطور مفتاح بناء فكري و دعوي فعال.
ننتظر مشاركاتكم... و دعواتكم.
عتبة التحرير: بناء التنظيم وإدارة الصراع (1)
حمزة عمر
(1) تصدير: أوليات البداية... ضمانة النهاية
تكاد تنقسم اتجاهات الإسلاميين عادة بين ما يقترب من التسيب و يتعداه إلى التفريط ، أو يلامس الجمود فالغلو، وذلك كله بمقادير متباينة كل بحسبه، حتى يمكن للباحث –إن شاء- ابتداع مجموعة من الدرجات التصنيفية في كل اتجاه من الاتجاهين المذكورين: (التسيب والتفريط، أو الجمود والغلو)، وفي سياق تنازع هذين الاتجاهين فِرَقَ الإسلاميين نجد الافتراق الحقيقي بين تلك الفرق على الرغم من صدورهم –في الجملة- عن ذات المنطلقات، بنفس الخطاب، واحتكارهم دون بعضهم لذات الأوصاف إلا قلة نادرة، وذلك توليد طبيعي للافتراق الحاصل في القرون الأولى في الدائرة الواحدة، فالكل –مثلاً- يزعم صدوره عن النص فهماً وتطبيقاً فهو نصي أثري من هذه الوجهة، والكل يزعم انتساب ذاته إلى السلف اعتقاداً ومنهجاً وممارسة فهو سلفي من هذه الوجهة، والكل يزعم وسطية خطابه وحراكه انطلاقاً من وسطية النص وتطبيقه العملي زمن السلف فهو وسطي من هذه الوجهة كذلك.
وهو ما تكاد تطبق عليه مدارس الإسلاميين زعماً، خاصة الدعوات السياسية منها-وهي المقصودة بهذا التوصيف- وإن لم يكن لتخرج عنه حتى المذاهب الفقهية والاتجاهات العقدية والفكرية وهي المستوعبة بلا شك في الدعوات السياسية كل بحسبه، وكثيراً ما تكون بعض الدعوات السياسية منقسمة في داخلها بين مستويات الاتجاهين المذكورين في القواعد والقيادات الوسطى وبعض القيادات العليا أحياناً، تجمعها العصبوية القبلية (الحزبية بالمعنى السياسي) أكثر مما تجمعها رؤية بصيرة واحدة، وهذا مرده –أي التباين الفكري الداخلي- عدا عن الطبيعة البشرية المركبة على الاختلاف: ((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *)) (هود: 118-119)؛ إلى السعة التنظيمية في المنهج والاستقطاب البشري، أو ضخامة التجارب والمحطات التي تدفع نحو عصف فكري حاد يتجاوز المسلمات التنظيمية لدى بعض المنتسبين حتى في الصف الأول وهذا في بعض التنظيمات الكبيرة، أما التنظيمات الصغيرة التي يكثر فيها الاختلاف والشقاق فذلك في الغالب لغلبة الأهواء الشخصية، والتساهل في الاستقطاب والترئيس لمغالبة التنظيمات المنافسة في الساحة، وبعض هذه التنظيمات تؤسس في الأصل على طموح شخصي، وبعضها يعاني ضبابية فكرية للرغبة القسرية في التمايز مما يخلص –حتماً- إلى رؤية ممسوخة ومن ثم مواقف يغلب عليها الانتفاع والتطفل في مفارقة جادة للمنهج والمنطلق.
وعلى كل حال فلسنا نقصد هنا استقصاء فرق الإسلاميين بالتعيين، ولا نقصد إطلاق حكم تقريبي بعد استقصاء ذاتي ذهني، لأن هدف هذه السلسلة في حلقاتها لا يريد عموم التجربة الإسلامية في العالم، وإنما يحاول تلمس الطريق في المرحلة القادمة للحركة الأهم والأجدر –بحسب رأيي- في المكان المقدس الأكثر قدرة على رفع الأمة والنهوض بها ومن ثم الانطلاق في مشروع حضاري يريد البشرية كلها بالخير والصلاح، والقصد هنا: حركة المقاومة الإسلامية "حماس" معتمداً في هذا التقدير الكبير لهذه الحركة على النصوص وقراءة التاريخ فيما يتصل بفلسطين مكانة وأثراً، والطائفة الظاهرة من أهلها والتي يغلب على ظني أنها "حماس" بالدراسة القريبة القائمة على طلب الحق والتيقن منه (1)، حتى إن قرأ بعضهم أن هذا التقدير راجع للعصبوية الحزبية فإنما يرى ذلك لأنه اطلع على النتيجة لا على مقدماتها التي أخلصتني إليها، وهي مقدمات من الممكن أن ينبث بعضها في جنبات بعض الصفحات المقبلة، ومن الممكن أن نكتب عن بعضها في أوراق خاصة مستقلة في المستقبل –إن شاء الله-، والمراد من هذا الاستدراك التوضيح لمن يتعقبني في الفقرة السابقة إن رأى فيها نقصاً في تناول التجربة الإسلامية؛ فالقصد كان الانطلاق من ذلك التوصيف لتمهيد السبيل في الحديث عن أوليات المنطلق لحماس، لا استيعاب تجارب الإسلاميين في العالم.
واستطراداً مع ذلك التقديم يمكننا –باختصار-، أن نرى مجموعة من ظواهر الانحراف عن المنهج والمبدأ والمنطلق لدى بعض التنظيمات والدعاة والمفكرين عبر التاريخ بغلبة اتجاه نفسي أو مذهب عقلي:
- فحب آل البيت –مثلاً- تحول من موقف سياسي مناصر لعلي –رضي الله عنه- ومشاعر أصلها حب النبي صلى الله عليه وسلم إلى حب الآل أكثر من النبي نفسه، وذكرهم أكثر من ذكر النبي، وتجاوز الأمر ذلك بتحويلهم إلى مقاسمين للأنبياء في العصمة والتشريع فقول الإمام كقول النبي وهو ما انتهى إلى مكون عقدي وطائفي عماده الغلو في استحلال الكذب والباطنية في تأويل النص ليفترق عن الجماعة على الرغم من بدايته كموقف سياسي وشعور عاطفي!
- وكان النصب ردة فعل غالية أخرى أساسها الانتصار لبني أمية، والمقت من الغلو في آل البيت، وبعض من لم يكن ناصبياً وعادى التشيع سوغ الحكم الاستبدادي، وتحالف معه، وغالى البعض في الصحابة –رضوان الله عليهم-، بل حتى خالف العدل في الموقف من أمثال يزيد بن معاوية والحجاج بن يوسف الثقفي.
- والإيغال العنيف في الدين المتين عن رغبة صادقة في الاقتراب من الله تعالى، تحول إلى غرور وتعال على الأمة انتهى بتكفير الصحابة وعموم الأمة، وضرب النصوص ببعضها لموافقة بعض النصوص بمعزل عن غيرها مما يفسرها أو يقيدها أو يخصصها في الكتاب والسنة هوى النفس الغالية، وذلك واضح في موقف الخوارج من قضية التحكيم بعد صفين، ثم تطور الأمر بهم إلى تكفير بعضهم وهو ما نشهد مثيلاً له في وقتنا.
- والنية الصادقة في الرد على الملاحدة والدهريين والزنادقة والفلاسفة بمنطقهم انتهت إلى انبهار فكري بمنطق يعطي العقل فوق طاقته البشرية المحدودة، مما جعل من كل تلك الجهود المخلصة في نتيجتها مقاربات فكرية عطلت النصوص أو ردتها أو أولتها بمحض العقل القاصر الذي لا يدرك كثيراً من حقائق الخلق فضلاً عن أن يدرك حقائق الخالق على وجه الحقيقة والمعرفة التامة، وهذا بين في حالة المعتزلة.
- وكثير من الدعوات السياسية المتمسحة بخطاب شرعي أو مطلب عدلي تحولت إلى سلطان قاهر فاسد، فالمطالبة العادلة بالقصاص من قتلة عثمان –رضي الله عنه- انتهت إلى كسروية وقيصرية، ودعوة العباسيين للرضا من آل محمد صلى الله عليه وسلم انتهت إلى ظلم واستبداد بالأمة، وبعض الدعوات الدينية في الأندلس تحولت إلى حكم فاسد ضعيف كما حصل في دول المرابطين والموحدين، أما ورثة صلاح الدين فانقلبوا على ميراث سلفهم ومؤسس دولتهم!
- وفي عصرنا تتحول ردة الفعل الاعتذارية عن بعض التجارب الثورية الفاشلة إلى عطب في البوصلة، والتباس في الخطة السياسية، وتتحول خطة الإصلاح بالمشاركة في النظام السياسي إلى رضى عملي بالنظام والاستحالة الذاتية إلى مجرد حزب –كغيره- يكافح للبقاء أو لتحقيق بعض المكاسب السياسية الصغيرة في إطار النظام (الفاسد، الوضعي، العميل)، إلى درجة أن بعض تجمعات الإسلاميين في بعض الأقطار لم تعد تفكر بالتغيير الجذري أبداً.
- ويتحول الحديث عن الحرية كأساس للتكليف في الشرع، وحاجة إنسانية فطرية، أو مقدمة لا بد منها ليتاح للأمة الاحتكام إلى شريعة الله، والحديث عن الشورى كأساس من أسس الحكم الرشيد، والديمقراطية في مخاطبة القوم بلسانهم، وكأداة تتفق في بعض ما فيها مع الشورى الإسلامية، إلى تبن كامل للمفهوم الغربي للحرية والديمقراطية بما ينتهي إلى تعطيل الشريعة التي لم ينطلق كل الإسلاميين في الأصل إلا من أجلها، وهو ما يضطرهم لتأويل النصوص تأويلاً متكلفاً ممجوجاً، وكل ذلك أساسه ردة فعل على الاستبداد أو الشعور بوضع المغلوب وموقف الضعيف في مواجهة الهجوم العلماني على الإسلاميين.
- أما الصدع بالحق، ومفارقة الباطل، وجهاد الجائر، يتحول إلى مفارقة للأمة بأسرها، وأصل ذلك قبل المفارقة بالسلاح من المنطلقات الفكرية الحدية القاطعة الحاسمة الذاهبة إلى الاعتقاد بيقينية فهمها للنص، وموافقتها السلف فهماً وتطبيقاً، مما جعل المخالفة لهم في الفهم انحرافاً ما بين الابتداع والكفر، بلا اعتذار بتأول، أو مغفرة لاجتهاد، أو إحسان ظن بمسلم، وهو ما سيعني بالضرورة إسقاط أي عمل صالح للمخالف أما لأن هذا الصلاح لن يكون ذا قيمة مع الكفر، أو لأن الثناء على بعض ذلك الصلاح من جهاد وغيره يعني تزكية –في فهمهم- للبدع المتلبس بها المخالف، وهنا نجد أن الغلو في احتكار فهم النص وزعم التطبيق الصحيح لمنهج السلف أفضى إلى مخالفة النص ومخالفة منهج السلف في القسط والعدل والإحسان والإنصاف.
- وتقديس اجتهادات السلف ومقولاتهم، وعدم التفريق بين النص والفهم السلفي البشري له، وهو ما تطور إلى تقديس للتاريخ وفصوله وأحداثه وشخوصه، عدا عن احتكار الفهم الدقيق للنص، والمفاصلة على أساس الاجتهاد الذاتي الذي أصبح هو الحقيقة؛ انتهت لدى بعضهم إلى تسويغ الاستبداد، فإن لم يكن استبداد الأنظمة القائمة لكفرها عند بعضهم، فاستبداد الحكم المرتقب لهم إن تمكنوا على أساس شرعية المتغلب بالسيف طالما حكم بالشريعة، وهو ما يقصر حكم الشريعة عندهم على إقامة بعضها لا كلها كالحدود بتعطيل واضح لقيم العدل والإحسان والحرية، حتى وإن زعموا غير ذلك. وبعض الممارسات في بعض مواطن وأشكال التمكين المحدودة تتحدث عن ذلك؛ فكيف لو حكموا الأمة؟
- وهكذا مثلاً هو الاضطراب بين المحلي والرسالي، وكأن التعارض بينهما حتم لازم، وكأن التوفيق بينهما بقدر من التسديد والمقاربة مستحيل غير ممكن، ولذا سمعنا أصواتاً تتحدث عن الأردنة في مقابل تبني الحركة الإسلامية الفلسطينية، وهكذا؛ ظهرت مصطلحات شبيهة تخص أكثر من بلد عربي وتتعاطى معها بعض الأوساط في الحركة الإسلامية بقدر من الإيجابية، وكأننا أمام خيارين لا ثالث لهما إما حرب العالم واستعداء كل الأنظمة القائمة في الأرض، أو الإغراق في الشأن المحلي على حساب ما يمكن تسديده من فواتير الرسالة الأممية والأخوة الإسلامية والمشروع الواحد في بقية البلدان.
- وهكذا بين تغليب خطاب التسامح، أو خطاب القوة والعزة، أو تغليب خطاب الأخوة الإنسانية والعيش المشترك، أو خطاب الفسطاطين والمفاصلة والاستعلاء، وظهرت لدينا مدرسة فكرية اسمها اللاعنفية في مخالفة غريبة للنصوص ومنطق التاريخ وصيرورة البشر، ومدرسة مقابلة لها أسميها بمدرسة (الغزو السنوي) ترى أن الأمة عليها أن تغزو كل سنة تتبعاً لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم عازلة حركة النبي عن سياقها وملابساتها وظروفها ومغفلة القدرات والإمكانات وأوجه ما يمكن تحقيقه من التعاون الإنساني أو تحقيقه سلماً بلا غزو!
وهكذا فإن سيطرة اتجاه نفسي، أو منهج تحليلي، أو مذهب عقلي، أو أثر تجربة، ينحرف بالجماعات والأفكار والدعوات عبر التاريخ عن المبدأ والمنطلق! وهو بالضبط ما يجعل التذكير بالأوليات والمنطلقات الأولى الأصيلة ضرورة لازمة، حتى لو كانت بدهية في أصلها، و"حماس" التي هي عنوان موضوعنا كله، ليست بدعاً من هذه الحركة البشرية الإنسانية لتشذ عن ذلك، بل هي في موقعها وللدور المنوط بها –وهو الأخطر في رأيي منذ هزيمة التتار- وللتجارب القاسية التي عبرتها، ولما يمكن أن تواجهه الأجدر بأن نمهد للحديث عن محطتها القادمة بالتذكير بأولياتها.
لقد عَبَرَتْ حركة المقاومة الإسلامية "حماس" تجارب ومحطات ضخمة وشديدة القسوة أثبتت فيها كلها أنها الأجدر بقيادة المشروع الوطني والأصدق في حمل أمانته والأكثر أصالة في التعبير عن عمقه الحضاري وأبعاده المتصلة بنهضة الأمة واستعادة دورها في قيادة البشرية وتبليغ الرسالة للعالمين، ولعلنا قدمنا بعض الإشارات عن ذلك في مقالات مختلفة منشورة في المركز الفلسطيني للإعلام وشبكة فلسطين للحوار.
كان لا بد من استعادة معنى الصراع في سياقه الأصيل لتتقدم عجلة الشعب صوب النصر وتتأخر عجلة العدو وقلبها إلى الخلف، وهذا الذي صنعته "حماس" بمجرد ظهورها على ساحة المواجهة لتصبح بصعودها العنوان الأبرز لمتن المواجهة في صفحات سفر الصراع التالية، إلا أن المهم في ذلك كله إدراك السنة الربانية ونواميسه –جل وعلا- التي يقوم عليها الكون ومصائر البشرية، وهو ما يعني أن ما أصبحت فيه "حماس" اليوم من رشد ونضج ومحط آمال المستضعفين إنما هو جزء من تطورات الأحداث العالمية والمحلية بفعل حركة السنة الربانية الأمر الذي يجعل التحرير اليوم حقيقة تنتظر فقط بعضاً من الزمن ليمر،أما الحلم فهو من حظ النيام والمغيبين عن حقائق الأشياء.
وعليه يصبح من اللازم إعادة ترميم المنطلق، باستيعاب التجربة، وإدراك خطورة محل الذات من مصير الأيام القادمة، وطموحات المؤمنين، وإعادة التأكيد على الأوليات التي هي من كل كوادر الحركة بدهيات، إلا أن الحفاظ على خضرة الروح المجاهدة من يبس الأيام وشقائها وتقلبات التجارب ومخاطرها ليس من نافلة القول؛ ولذلك كان التأكيد على معاني الإيمان في كتاب الله منبثاً منذ الآية الأولى حتى الأخيرة نزولاً، وما انفكت مشيئة الله تدخل حملة الرسالة المحن تصهر وتعيد التأكيد على الأوليات مع صراحة في الدرس لا تغفل خيرية المؤمنين وعلوهم على غيرهم.
ومن هنا سيكون لنا شيء من الحديث عن طبيعة الصراع ومكانه من صراع الحق والباطل في التاريخ والزمان، وثوابت التنظيم السياسية ومنطلقاته الفكرية ومبادئه الإدارية التي تناسب المرحلة القادمة والتي ستكون الأشد قسوة وعنفاً عما سبق من مواجهة مع العدو والمحيط، وذلك بشيء من الصراحة التي تناسب العلن وتستحضر في كل لحظة خيرية وأفضلية هذه الحركة "حماس"، وذلك كله في سياق بناء التنظيم وإدارة الصراع على عتبة التحرير إن شاء الله.
-------------------------
مجموعة مقالات مهمة بقلم الكاتب حمزة عمر، تتناول واقع و مستقبل الحركة الاسلامية في فلسطين من منظور التاريخ، و من نافذة موقعها المؤثر، و مواقفها المقارنة بالاتجاهات الأخرى، و من باب مركزية ه\ه الحركة زمنا و مكانا، و دورها الريادي المتوقع على عتبة التحرير، الذي يصفه بواقع لكل من أحسن قراءة التاريخ، أما الأحلام فهي للنوم الكسالى...
مجموعة من المعاني التي احببت أن أضعها بين أيديكم للنقاش علنا نجد بين ه\ه السطور مفتاح بناء فكري و دعوي فعال.
ننتظر مشاركاتكم... و دعواتكم.
عتبة التحرير: بناء التنظيم وإدارة الصراع (1)
حمزة عمر
(1) تصدير: أوليات البداية... ضمانة النهاية
تكاد تنقسم اتجاهات الإسلاميين عادة بين ما يقترب من التسيب و يتعداه إلى التفريط ، أو يلامس الجمود فالغلو، وذلك كله بمقادير متباينة كل بحسبه، حتى يمكن للباحث –إن شاء- ابتداع مجموعة من الدرجات التصنيفية في كل اتجاه من الاتجاهين المذكورين: (التسيب والتفريط، أو الجمود والغلو)، وفي سياق تنازع هذين الاتجاهين فِرَقَ الإسلاميين نجد الافتراق الحقيقي بين تلك الفرق على الرغم من صدورهم –في الجملة- عن ذات المنطلقات، بنفس الخطاب، واحتكارهم دون بعضهم لذات الأوصاف إلا قلة نادرة، وذلك توليد طبيعي للافتراق الحاصل في القرون الأولى في الدائرة الواحدة، فالكل –مثلاً- يزعم صدوره عن النص فهماً وتطبيقاً فهو نصي أثري من هذه الوجهة، والكل يزعم انتساب ذاته إلى السلف اعتقاداً ومنهجاً وممارسة فهو سلفي من هذه الوجهة، والكل يزعم وسطية خطابه وحراكه انطلاقاً من وسطية النص وتطبيقه العملي زمن السلف فهو وسطي من هذه الوجهة كذلك.
وهو ما تكاد تطبق عليه مدارس الإسلاميين زعماً، خاصة الدعوات السياسية منها-وهي المقصودة بهذا التوصيف- وإن لم يكن لتخرج عنه حتى المذاهب الفقهية والاتجاهات العقدية والفكرية وهي المستوعبة بلا شك في الدعوات السياسية كل بحسبه، وكثيراً ما تكون بعض الدعوات السياسية منقسمة في داخلها بين مستويات الاتجاهين المذكورين في القواعد والقيادات الوسطى وبعض القيادات العليا أحياناً، تجمعها العصبوية القبلية (الحزبية بالمعنى السياسي) أكثر مما تجمعها رؤية بصيرة واحدة، وهذا مرده –أي التباين الفكري الداخلي- عدا عن الطبيعة البشرية المركبة على الاختلاف: ((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *)) (هود: 118-119)؛ إلى السعة التنظيمية في المنهج والاستقطاب البشري، أو ضخامة التجارب والمحطات التي تدفع نحو عصف فكري حاد يتجاوز المسلمات التنظيمية لدى بعض المنتسبين حتى في الصف الأول وهذا في بعض التنظيمات الكبيرة، أما التنظيمات الصغيرة التي يكثر فيها الاختلاف والشقاق فذلك في الغالب لغلبة الأهواء الشخصية، والتساهل في الاستقطاب والترئيس لمغالبة التنظيمات المنافسة في الساحة، وبعض هذه التنظيمات تؤسس في الأصل على طموح شخصي، وبعضها يعاني ضبابية فكرية للرغبة القسرية في التمايز مما يخلص –حتماً- إلى رؤية ممسوخة ومن ثم مواقف يغلب عليها الانتفاع والتطفل في مفارقة جادة للمنهج والمنطلق.
وعلى كل حال فلسنا نقصد هنا استقصاء فرق الإسلاميين بالتعيين، ولا نقصد إطلاق حكم تقريبي بعد استقصاء ذاتي ذهني، لأن هدف هذه السلسلة في حلقاتها لا يريد عموم التجربة الإسلامية في العالم، وإنما يحاول تلمس الطريق في المرحلة القادمة للحركة الأهم والأجدر –بحسب رأيي- في المكان المقدس الأكثر قدرة على رفع الأمة والنهوض بها ومن ثم الانطلاق في مشروع حضاري يريد البشرية كلها بالخير والصلاح، والقصد هنا: حركة المقاومة الإسلامية "حماس" معتمداً في هذا التقدير الكبير لهذه الحركة على النصوص وقراءة التاريخ فيما يتصل بفلسطين مكانة وأثراً، والطائفة الظاهرة من أهلها والتي يغلب على ظني أنها "حماس" بالدراسة القريبة القائمة على طلب الحق والتيقن منه (1)، حتى إن قرأ بعضهم أن هذا التقدير راجع للعصبوية الحزبية فإنما يرى ذلك لأنه اطلع على النتيجة لا على مقدماتها التي أخلصتني إليها، وهي مقدمات من الممكن أن ينبث بعضها في جنبات بعض الصفحات المقبلة، ومن الممكن أن نكتب عن بعضها في أوراق خاصة مستقلة في المستقبل –إن شاء الله-، والمراد من هذا الاستدراك التوضيح لمن يتعقبني في الفقرة السابقة إن رأى فيها نقصاً في تناول التجربة الإسلامية؛ فالقصد كان الانطلاق من ذلك التوصيف لتمهيد السبيل في الحديث عن أوليات المنطلق لحماس، لا استيعاب تجارب الإسلاميين في العالم.
واستطراداً مع ذلك التقديم يمكننا –باختصار-، أن نرى مجموعة من ظواهر الانحراف عن المنهج والمبدأ والمنطلق لدى بعض التنظيمات والدعاة والمفكرين عبر التاريخ بغلبة اتجاه نفسي أو مذهب عقلي:
- فحب آل البيت –مثلاً- تحول من موقف سياسي مناصر لعلي –رضي الله عنه- ومشاعر أصلها حب النبي صلى الله عليه وسلم إلى حب الآل أكثر من النبي نفسه، وذكرهم أكثر من ذكر النبي، وتجاوز الأمر ذلك بتحويلهم إلى مقاسمين للأنبياء في العصمة والتشريع فقول الإمام كقول النبي وهو ما انتهى إلى مكون عقدي وطائفي عماده الغلو في استحلال الكذب والباطنية في تأويل النص ليفترق عن الجماعة على الرغم من بدايته كموقف سياسي وشعور عاطفي!
- وكان النصب ردة فعل غالية أخرى أساسها الانتصار لبني أمية، والمقت من الغلو في آل البيت، وبعض من لم يكن ناصبياً وعادى التشيع سوغ الحكم الاستبدادي، وتحالف معه، وغالى البعض في الصحابة –رضوان الله عليهم-، بل حتى خالف العدل في الموقف من أمثال يزيد بن معاوية والحجاج بن يوسف الثقفي.
- والإيغال العنيف في الدين المتين عن رغبة صادقة في الاقتراب من الله تعالى، تحول إلى غرور وتعال على الأمة انتهى بتكفير الصحابة وعموم الأمة، وضرب النصوص ببعضها لموافقة بعض النصوص بمعزل عن غيرها مما يفسرها أو يقيدها أو يخصصها في الكتاب والسنة هوى النفس الغالية، وذلك واضح في موقف الخوارج من قضية التحكيم بعد صفين، ثم تطور الأمر بهم إلى تكفير بعضهم وهو ما نشهد مثيلاً له في وقتنا.
- والنية الصادقة في الرد على الملاحدة والدهريين والزنادقة والفلاسفة بمنطقهم انتهت إلى انبهار فكري بمنطق يعطي العقل فوق طاقته البشرية المحدودة، مما جعل من كل تلك الجهود المخلصة في نتيجتها مقاربات فكرية عطلت النصوص أو ردتها أو أولتها بمحض العقل القاصر الذي لا يدرك كثيراً من حقائق الخلق فضلاً عن أن يدرك حقائق الخالق على وجه الحقيقة والمعرفة التامة، وهذا بين في حالة المعتزلة.
- وكثير من الدعوات السياسية المتمسحة بخطاب شرعي أو مطلب عدلي تحولت إلى سلطان قاهر فاسد، فالمطالبة العادلة بالقصاص من قتلة عثمان –رضي الله عنه- انتهت إلى كسروية وقيصرية، ودعوة العباسيين للرضا من آل محمد صلى الله عليه وسلم انتهت إلى ظلم واستبداد بالأمة، وبعض الدعوات الدينية في الأندلس تحولت إلى حكم فاسد ضعيف كما حصل في دول المرابطين والموحدين، أما ورثة صلاح الدين فانقلبوا على ميراث سلفهم ومؤسس دولتهم!
- وفي عصرنا تتحول ردة الفعل الاعتذارية عن بعض التجارب الثورية الفاشلة إلى عطب في البوصلة، والتباس في الخطة السياسية، وتتحول خطة الإصلاح بالمشاركة في النظام السياسي إلى رضى عملي بالنظام والاستحالة الذاتية إلى مجرد حزب –كغيره- يكافح للبقاء أو لتحقيق بعض المكاسب السياسية الصغيرة في إطار النظام (الفاسد، الوضعي، العميل)، إلى درجة أن بعض تجمعات الإسلاميين في بعض الأقطار لم تعد تفكر بالتغيير الجذري أبداً.
- ويتحول الحديث عن الحرية كأساس للتكليف في الشرع، وحاجة إنسانية فطرية، أو مقدمة لا بد منها ليتاح للأمة الاحتكام إلى شريعة الله، والحديث عن الشورى كأساس من أسس الحكم الرشيد، والديمقراطية في مخاطبة القوم بلسانهم، وكأداة تتفق في بعض ما فيها مع الشورى الإسلامية، إلى تبن كامل للمفهوم الغربي للحرية والديمقراطية بما ينتهي إلى تعطيل الشريعة التي لم ينطلق كل الإسلاميين في الأصل إلا من أجلها، وهو ما يضطرهم لتأويل النصوص تأويلاً متكلفاً ممجوجاً، وكل ذلك أساسه ردة فعل على الاستبداد أو الشعور بوضع المغلوب وموقف الضعيف في مواجهة الهجوم العلماني على الإسلاميين.
- أما الصدع بالحق، ومفارقة الباطل، وجهاد الجائر، يتحول إلى مفارقة للأمة بأسرها، وأصل ذلك قبل المفارقة بالسلاح من المنطلقات الفكرية الحدية القاطعة الحاسمة الذاهبة إلى الاعتقاد بيقينية فهمها للنص، وموافقتها السلف فهماً وتطبيقاً، مما جعل المخالفة لهم في الفهم انحرافاً ما بين الابتداع والكفر، بلا اعتذار بتأول، أو مغفرة لاجتهاد، أو إحسان ظن بمسلم، وهو ما سيعني بالضرورة إسقاط أي عمل صالح للمخالف أما لأن هذا الصلاح لن يكون ذا قيمة مع الكفر، أو لأن الثناء على بعض ذلك الصلاح من جهاد وغيره يعني تزكية –في فهمهم- للبدع المتلبس بها المخالف، وهنا نجد أن الغلو في احتكار فهم النص وزعم التطبيق الصحيح لمنهج السلف أفضى إلى مخالفة النص ومخالفة منهج السلف في القسط والعدل والإحسان والإنصاف.
- وتقديس اجتهادات السلف ومقولاتهم، وعدم التفريق بين النص والفهم السلفي البشري له، وهو ما تطور إلى تقديس للتاريخ وفصوله وأحداثه وشخوصه، عدا عن احتكار الفهم الدقيق للنص، والمفاصلة على أساس الاجتهاد الذاتي الذي أصبح هو الحقيقة؛ انتهت لدى بعضهم إلى تسويغ الاستبداد، فإن لم يكن استبداد الأنظمة القائمة لكفرها عند بعضهم، فاستبداد الحكم المرتقب لهم إن تمكنوا على أساس شرعية المتغلب بالسيف طالما حكم بالشريعة، وهو ما يقصر حكم الشريعة عندهم على إقامة بعضها لا كلها كالحدود بتعطيل واضح لقيم العدل والإحسان والحرية، حتى وإن زعموا غير ذلك. وبعض الممارسات في بعض مواطن وأشكال التمكين المحدودة تتحدث عن ذلك؛ فكيف لو حكموا الأمة؟
- وهكذا مثلاً هو الاضطراب بين المحلي والرسالي، وكأن التعارض بينهما حتم لازم، وكأن التوفيق بينهما بقدر من التسديد والمقاربة مستحيل غير ممكن، ولذا سمعنا أصواتاً تتحدث عن الأردنة في مقابل تبني الحركة الإسلامية الفلسطينية، وهكذا؛ ظهرت مصطلحات شبيهة تخص أكثر من بلد عربي وتتعاطى معها بعض الأوساط في الحركة الإسلامية بقدر من الإيجابية، وكأننا أمام خيارين لا ثالث لهما إما حرب العالم واستعداء كل الأنظمة القائمة في الأرض، أو الإغراق في الشأن المحلي على حساب ما يمكن تسديده من فواتير الرسالة الأممية والأخوة الإسلامية والمشروع الواحد في بقية البلدان.
- وهكذا بين تغليب خطاب التسامح، أو خطاب القوة والعزة، أو تغليب خطاب الأخوة الإنسانية والعيش المشترك، أو خطاب الفسطاطين والمفاصلة والاستعلاء، وظهرت لدينا مدرسة فكرية اسمها اللاعنفية في مخالفة غريبة للنصوص ومنطق التاريخ وصيرورة البشر، ومدرسة مقابلة لها أسميها بمدرسة (الغزو السنوي) ترى أن الأمة عليها أن تغزو كل سنة تتبعاً لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم عازلة حركة النبي عن سياقها وملابساتها وظروفها ومغفلة القدرات والإمكانات وأوجه ما يمكن تحقيقه من التعاون الإنساني أو تحقيقه سلماً بلا غزو!
وهكذا فإن سيطرة اتجاه نفسي، أو منهج تحليلي، أو مذهب عقلي، أو أثر تجربة، ينحرف بالجماعات والأفكار والدعوات عبر التاريخ عن المبدأ والمنطلق! وهو بالضبط ما يجعل التذكير بالأوليات والمنطلقات الأولى الأصيلة ضرورة لازمة، حتى لو كانت بدهية في أصلها، و"حماس" التي هي عنوان موضوعنا كله، ليست بدعاً من هذه الحركة البشرية الإنسانية لتشذ عن ذلك، بل هي في موقعها وللدور المنوط بها –وهو الأخطر في رأيي منذ هزيمة التتار- وللتجارب القاسية التي عبرتها، ولما يمكن أن تواجهه الأجدر بأن نمهد للحديث عن محطتها القادمة بالتذكير بأولياتها.
لقد عَبَرَتْ حركة المقاومة الإسلامية "حماس" تجارب ومحطات ضخمة وشديدة القسوة أثبتت فيها كلها أنها الأجدر بقيادة المشروع الوطني والأصدق في حمل أمانته والأكثر أصالة في التعبير عن عمقه الحضاري وأبعاده المتصلة بنهضة الأمة واستعادة دورها في قيادة البشرية وتبليغ الرسالة للعالمين، ولعلنا قدمنا بعض الإشارات عن ذلك في مقالات مختلفة منشورة في المركز الفلسطيني للإعلام وشبكة فلسطين للحوار.
كان لا بد من استعادة معنى الصراع في سياقه الأصيل لتتقدم عجلة الشعب صوب النصر وتتأخر عجلة العدو وقلبها إلى الخلف، وهذا الذي صنعته "حماس" بمجرد ظهورها على ساحة المواجهة لتصبح بصعودها العنوان الأبرز لمتن المواجهة في صفحات سفر الصراع التالية، إلا أن المهم في ذلك كله إدراك السنة الربانية ونواميسه –جل وعلا- التي يقوم عليها الكون ومصائر البشرية، وهو ما يعني أن ما أصبحت فيه "حماس" اليوم من رشد ونضج ومحط آمال المستضعفين إنما هو جزء من تطورات الأحداث العالمية والمحلية بفعل حركة السنة الربانية الأمر الذي يجعل التحرير اليوم حقيقة تنتظر فقط بعضاً من الزمن ليمر،أما الحلم فهو من حظ النيام والمغيبين عن حقائق الأشياء.
وعليه يصبح من اللازم إعادة ترميم المنطلق، باستيعاب التجربة، وإدراك خطورة محل الذات من مصير الأيام القادمة، وطموحات المؤمنين، وإعادة التأكيد على الأوليات التي هي من كل كوادر الحركة بدهيات، إلا أن الحفاظ على خضرة الروح المجاهدة من يبس الأيام وشقائها وتقلبات التجارب ومخاطرها ليس من نافلة القول؛ ولذلك كان التأكيد على معاني الإيمان في كتاب الله منبثاً منذ الآية الأولى حتى الأخيرة نزولاً، وما انفكت مشيئة الله تدخل حملة الرسالة المحن تصهر وتعيد التأكيد على الأوليات مع صراحة في الدرس لا تغفل خيرية المؤمنين وعلوهم على غيرهم.
ومن هنا سيكون لنا شيء من الحديث عن طبيعة الصراع ومكانه من صراع الحق والباطل في التاريخ والزمان، وثوابت التنظيم السياسية ومنطلقاته الفكرية ومبادئه الإدارية التي تناسب المرحلة القادمة والتي ستكون الأشد قسوة وعنفاً عما سبق من مواجهة مع العدو والمحيط، وذلك بشيء من الصراحة التي تناسب العلن وتستحضر في كل لحظة خيرية وأفضلية هذه الحركة "حماس"، وذلك كله في سياق بناء التنظيم وإدارة الصراع على عتبة التحرير إن شاء الله.
-------------------------