ابا القسام19
13th January 2011, 10:34 PM
أيـامــــــــــ في الاسر ـــــــــي *
http://www.palsharing.com/i/00009/l380c1si5exq.jpg
الحلقة الحادية عشر
وكان الهدف كما توقعت.. الجلمة.!!
الجلمة بكل الاجراءات والطوابق العليا والسفبى والبوابات والزنازين التي اعتدت عليها في ايامي السابقة..
وما ان وضعوا تلك النظارة السوداء على وجهي حتى تهيأت لخوض التحقيق مرة أخرى.. مع اني كنت منهكا أشد الانهاك.. ولكن لا بد من التجلد لكسب هذه الجولة من الحرب الدائرة بيني وبينهم..
ودخلت غرفة التحقيق وكان المحقق بانتظاري وكأنه لم يغير جلسته منذ ان غادرت المكان ، وكان الصراخ باستقبالي:
- انت اكيد معك دورات أمن ؟
ولا كيف كشفت العصافير؟
احكي مين اعطاك اياها؟ انت مخرب كبير..
ودخل في نوبة هيستيرية من الاتهامات والأسئلة.. وقد كان الموقف يمر بردا وسلاما على صدري.. فقد زاد التأكد لديّ أن الله وفقني ونجحت في اختبار العصافير الشاق..
وتجاهلت الازعاج الذي يسببه لي هذا المحقق المعتوه الا اني سمعت في نهاية حديثه:
- لن نفرج عنك .. وستصدر ضدك اعلى الاحكام واقساها..وستعيش متنقلا بين سجن وآخر ولن تذوق طعما للاستقرار.
وأمر الشرطي بحبسي في زنزانة انفرادية لا اخرج منها ابدا – على حد تعبيره الغاضب- .
عدت الى الزنزانة وقد عاودني الهدوء – النسبي- الذي كنت اعيش فيه قبل الانتقال الى العصافير.. وتذكرت الجدول اليومي الذي كنت انتهجه من قبل ..وقررت مزاولته مرة أخرى..
بعد يومين.. استدعوني مرة أخرى للتحقيق.. وبدأ بتوجيه اسئلة عادية كان قد سألني اياها منذ بداية مجيئى الى هذا المكان.. فأحسست انه سيختم ملفي بما ابتدأ به.. ولكني لم أكن متأكدا حتى تلك اللحظة..
أجبت على الاسئلة التي لا ضرر فيها وانكرت الأخرى..
وبعد الانتهاء من هذه الجلسة أخذني الى الغرفة التي أوهموني فيها في المرة السابقة أن ملفي قد اُغلق..
وجلست مقابل شرطي آخر ..أعطاني بعض من الاوراق التي أمامه وقلم.. وبدأ في كتبه كل المعلومات التي بعرفها عني وعن أهلي وتفاصيل حياتي.. ثم أمرني ان امسك القلم واكتب اجابة على كل سؤال يسألني اياه..
وكان يترجم ما أكتبه الى العبرية.. واتبعت نفس الطريقة في الاجابة والحذر من كل كلمة قد تضرني..
الى ان انتهينا من الكتابة فقرأتها بتمعن أكثر من مرة لاتاكد باني لم اكتب أي كلمة تدينني باي شئ وباي تهمة..
ثم كان التوقيع.. وأحضر علبة الحبر المخصصة للبصمات.. وغمس اصبعي الابهام فيها ثم وضعه على ورقة افادتي.. ثم جاء بورقة أخرى مقسمة الى عشرة اماكن لأصابع اليدين.. ومكانين آخرين لكف اليد بأكلمه.. وتم البصم والتوقيع..
وتأكدت بانتهاء التحقيق معي.. لكني لم أُظهر اي تعبير على وجهي.. كل ما رأوه مني هو عدم المبالاة بكل ما يفعلون..
أخذني الشرطي الى زتزانتي مرة أخرى.. واستلقيت على فراشي فرحا وكأني نسيت كل ما مر عليّ من الآلام.. وصليت صلاة شكر لله عز وجل على فضله وكرمه الذي أنعم عليّ بهما..
وانقضت الليلة بين تذكر لوجوه العصافير وصوت المحقق وتأمل لآثار الحبر في كفي ودعاء وابتهال الى الله أن يفرج عني هذا الابتلاء ..
ومرت ايام هادئة ..أمارس فيها ما قررته على نفسي بسكينة واطمئنان..
وذات صباح..فُتح باب الزنزانة وأمرني المحقق بالتجهز..
وظننت أنها جولة جديدة من التحقيق ولم أفكر في أمر آخر..وتوقفت عن التفكير عندما أحسست بأوجاع يدي من شدة القيد الذي يحكمه الشرطي عليّ..
ومرّ بس عبر ممرات ودهاليز كنت قد عبرتها من قبل.. وحاولت التذكر.. فإذ به طريق المحكمة الداخلية..
وكالعادة أوقفوني مقابل الحائط كي لا أرى أي اسير هناك .. لكني سمعت أصوات بعضهم ولكني لم اميز احدهم.. كل ما ميزته هو لهجة جنين الواضحة على لسانهم..
وأتى دوري في دخول المحكمة.. ووقف امام القاضي الذي يتحدث العبرية والمترجم يتابع كلماته بالعربية ويذكر أن هذا هو ثاني تمديد لي داخل توقيف الجلمة..
وبدأوا بأسألتي تلك الاسئلة المملة التي أعادوها عليّ عشرات المرات منذ أن وطأت قدماي مركز توقيفهم هذا..
واقترب مني شخص اتذكر ملامحه جيدا.. وقال لي:
- سأراك قريبًا.
كان المحامي الخاص بي.. وقد أومأت له برأسي كتحية عابرة.
وكان المترجم لا يزال يقرأ عليّ التهم الموجهة اليّ وسألني في آخرها:
- هل تعترف بما نُسب اليك؟
أجبته:
- كلا
فنظر القاضي لأوراقه ثم أعاد النظر اليّ ناطقا بالحكم:
- تؤجل المحكمة 22 يوما مع نقل الملف للادعاء العسكري.
فابتسم لي المحامي:
- انتهيت من التحقيق.
وظهر البِشر على وجهي .. واخذوني مباشرة الى الزنزانة.
وبدأت خلوتي مرة أخرى..خلوة ايمانية أنستني كل معاني الأسر، وقرب موصول بالله عز وجل قلما شعرت به في لحظات حياتي الاعتيادية.. وكانت أكبر نعمة عليّ أن منّ الله على قلبي بالايمان والصبر وأن هداني للتمسك بالذكر والتوجه اليه وحده عز وجل..
ومرت عدة ايام منذ حكم التمديد..
وجائني الشرطي وطلب مني الاستعداد وأنا لا اعرف الى اين سيأخذني.. ووجدتني مرة أخرى في نفس الطريق المقزز للمحكمة.. ولكنه تجاوزها وأدخلني الى غرفة واسعة مجزأة الى قسمين يفصل بينهما فاصل من زجاج وخانات على مسافات متعددة وهاتف على كل خانة..
وأجلسني في أحدى الخانات ونظرت عبر الزجاج لأجد امرأة امامي لم اعرف ملامحها..
وفك قيدي وطلب مني استعمال الهاتف كي اتحدث معها..
وكان الحديث بيننا بدأته هي:
- السلام عليكم
- وعليكم السلام
- انا المحامية فلانه.
وسألتني على احوالي واطمأنت على وضعي الصحي وأجبتها بهدوء ووضوح.. الى ان قالت لي:
-اهلك يبرقون لك السلام وهم في شوق كبير اليك، وقد ارسلوا معي رسالة لك.
أجبتها بنضات قلبي المتلهفة:
- اين هي؟ أريد ان اقرأها الآن.
اجابتني وهي تبحث بين اوراقها عنها:
- اصبر قليلا..
ثم وضعتها أمامي على الزجاج مباشرة وباشرت القراءة على الفور.
وانهمرت دموعي ومنعتني من القراءة الصافية.. حاولت حبسها فلم استطع..كانت الحروف الحزينة لأمي فوق تحملي بعد كل هذا الفراق.. كانت السطور مثقلة بشوق أم لابنها الأسير.. وفي كل كلمة كنت أرى وجه أمي واتدثر بدفء حنينها..
هاهي تعلم ما بي..
فكتبت اليّ ما يواسيني وما يخفف وطأة البعد.. أخبرتني عن كل أسرتي وعن تلهفهم للقائي.. وعن دعائهم الذي لا ينقطع..
انتبهت لحديث المحامية الذي حاولت به ان ترفع من روحي المعنوية.. وأكملت قراءة الرسالة وأعدتها مرات ومرات كي استنير بنور حروفها في عتمة الزنازين..
وواصلت المحامية كلامها عن قضيتي وعن توقعات حكمي وسألتني ان كنت أريد شيئا فحملتها رسالة الى أهلي.. وانتهت الجلسة وجاء الشرطي مرة أخرى..
ولم أرَ الممرات ولا الدهاليز.. ولم اسمع باب أو قيد.. فقد كنت غارقا بين كلمات أمي وأخبار أهلي..
احساس دفنته منذ أن بدأت أيامي في الأسر.. ولكن آن له أن يحيا مرة أخرى.. وأطلقت لشوقي عنان الدموع.. ولم اكبح جماح الذكريات.. ولم تغادرني صورة أمي وأهلى في آخر لحظات الفراق.. وكأني أرى المشهد أمام عيني ولم تمر عليه ليالي موحشة ولا أيام طويلة..
وانقضت فترة أخرى في زنزانتي الانفرادية، ثم نُقلت الى اخرى جماعية.. وآنست الى كثير من الأسرى ولم يكدر صفوي اي تحقيق او استدعاء..
وبعد حين.. اتاني شرطي يخبرني بأن مندوب الصليب الأحمر يريد مقابلتي.. وأخذني الى غرفة صغيرة.. ورأيت امرأة يبدو من ملامح وجهها انها أجنبية..
وجلست على الكرسي الوحيد الذي يجاورها. وعرفتني بنفسها بلغة عربية متكسرة..
وبعد سؤالي عن اسمي بحثت في قائمة الأسرى التي تحملها وبدأت تسألني عن اوضاع السجن والتحقيق واحوالي وصحتي والى آخر تلك الاسئلة، ثم أخبرتني انها احضرت لي ملابس من الصليب الاحمر بعد التأكد من مقاسي ليكون مناسبا لي.. ثم استفسرت مني ان كنت أريد شيئا من أهلي ومن هذا القبيل..
وعدت مجددا الى الزنزانة التي يصحبني فيها ثلاثة أسرى، وقضينا اياما أخرى..الى ان انتهى موعد تمديد حكمي.. وجائني الشرطي ليصحبني الى محكمة أخرى، وتفاجئت انها محكمة خارجية..
في محكمة سالم العسكرية..
وبدأت مراسم النقل مرة أخرى.. من الزنزانة الى القفص ومن ثم الى باص كبير يتبع فرقة ( النحشون) وأجلسوني مكبل الايدي والارجل كبقية الأسرى وتعرفت الى اسير بجانبي قال لي انه من طولكرم وقد حضر شاهدا لمحكمة سالم ومقره الأصلي سجن النقب..
وصلنا الى المحكمة ليتم وضعنا بغرف باطون صغيرة تحتوي على نافذة صغيرة جدا يتم اغلاقها بين الفينة والاخرى وجميعنا فيها بشكل مضغوط مذل وغير انساني .. يخرج واحد تلو الاخر الى ان جاء دوري عبر الاسماء التي يحملها الجندي المسؤول ..
أمسكني وفك قيد يداي واخذني الى المحكمة وجلست على مقعد خشبي هناك ومقابلي بعض من الاهالي يجلسون ينتظرون رؤية ابنائهم ..
حضر الى شخص وقال لي بانه المحامي فلان وانه مسؤول عن ملفي وطمأنني عن وضعي ... وقال لي بان اهلي سيحضرون المحكمة المقبلة لرؤيتي وانهم لا يعرفون ان موعد محكمتي اليوم، فسررت كثيرا ولكن طلبت تراجعت وطلبت منه أن يبلغه الا يأتوا اليّ كي لا يتكبدوا مشقة الطريق وخصوصا أمي التي سيرهقها السفر الطويل.. فوعدني بابلاغ اهلي بذلك..
وتجرعت غصص الشوق التي لا يعلم بها الا الله وحده..
وجائنا صوت المترجم طالبا منا الصمت التام..
وبدأ القاضي بقراءة الملف.. يتابعه المترجم.. وفتاة تكتب كل ما يقال على جهاز كمبيوتر.
ونادى عليّ باسمي:
- قف.
وبعد وقوفي سألني:
- اسمك الرباعي؟
فأجبته.
ثم عاد يسأل:
- هل تحفظ رقم الهوية؟
- -نعم.. _____________
- هل تعترف بما نُسب اليك؟
- لا
- تمدد المحكمة الى تاريخ __________
وكانت المدة تقارب الشهر ونصف الشهر.
وأعادوني مؤقتا الى تلك الغرفة ذات الرائحة النتنة، ثم انتهي بس المطاف الي الجلمة ثانيةً.
وعدت أحسب الليالي وثوانيها واستحثها كي تمضي.. ليأتي موعد محكمتي بأسرع ما يمكن..
وقد أتى وأنا احترق اشتياقا للمحة من أهلى..
ومرت الاجراءات اللعينة بطيئة وكأنها تريد للهيب قلبي المزيد من الاشتعال..
ونودي على اسمي عبر النافذة الصغيرة، وفُتحت الزنزانة الكبيرة واقتادوني الى المحكمة وانا اتحين الفرصة لأطمئن على وجود أهلي.. رغم أن دقات قلبي تخبرني بقربهم مني ..
صوت من بعيد اكاد لا اسمعه وايادي ترتفع وتشير اليّ واسمي يُنادى..
حركت عيني ببطء.. خوفا من اكتشاف ان حنيني اليهم أصبح يهيؤ لي اطيافهم... نظرت بدقة لارى ابي وامي عبر شباك بعيد.. ورأيت دموع امي وهي تجهش في بكاء مزقني..
هي لحظات مرت كالبرق لادخل واجلس على ذلك الكرسي الخشبي بالمحكمة .. وتقدم المحامي وقال بان اهلي خارجا وسيدخلون الان .. وطلب من الجنود ادخالهم..
وانتظرت دقائق كانت كسنين عمري.. فُتح باب المحكمة من احد الجهات المعدة لدخول الاهالي ..
دخل ابي وتتلوه امي وقفت لالوح لهم فمنعني الجنود وطلبوا مني الجلوس ..
واصلت امي بكائها وكدت ان اشاركها اياه لكني تحاملت على نفسي ولم أظهر لهم الا كل ما يدعو على رفع المعنويات..
وكادت روحي أن تطير اليهم وتعانقهم وتقبل اياديهم حبا وشوقا والما..
وسمعت امي تحدثني بصوت مرتفع:
- كيف حالك يا ابني والله اشتقنالك ..
فقاطعها القاضي اللئيم وطلب من الجميع السكوت..
لم انتبه اطلاقا لكل ما يقال.. ولم اعد اعرف اين انا.. كل ما اعرفه هو وجودي مع اهلي في نفس المكان..أكحل عيني برؤيتهم وأنقش ملامحهم داخل قلبي كي يكونوا زادا لي في أيامي القادمة..
انتبهت فقط لمدة الحكم المقررة عليّ..
وانتهت المحكمة سريعا وتشابكت نظراتي لأهلي وتبعثرت على وجوههم كي اودعهم قبل خروجي من القاعة.. ولمعت الدموع في عيني وانا اقول لهم لا تحزنوا فأنا بخير حال وان الله لن يضيعني فلتقر أعينكم..
وأمسك بي الجندي بعنف كي يخرجني وانا التفت اليهم واقتنص اكبر قدر من النظر اليهم.. والجندي يواصل شده لي كي اتحرك مسرعا.. وكلما نظرت امامي اعود لالتفت نحوهم حتى غابوا عن ناظريّ وقد أخذوا روحي وقلبي معهم..
وعدت الى الجلمة وحزني يكللني.. لا لفترة الشهرين ونصف التي حكمت بها..بل لفراق اهلي بعد هذا اللقاء العابر..
والتجأت الى كتاب الله وبدات بالذكر كما السابق وكلي أمل في رؤية أهلي مرة أخرى..
بضعة ايام ويفتح باب الزنزانة:
- فلان الفلان
نهضت بسرعة:
- نعم ..
- حضر حالك بوسطة ( أي نقل) ..
تجهزت باقصى سرعة وودعت من كان معي وخرجت داعيا الله ان لا يعيدني الى هذا المكان وأن يرحم منه كل شاب مسلم وأن يعيذه ويلاته وشروره..
وبدأت رحلة جديدة نحو السجن الحقيقي بعيدا عن مراكز التحقيق..
لا تنسونا من صالح الدعاء
http://www.palsharing.com/i/00009/l380c1si5exq.jpg
الحلقة الحادية عشر
وكان الهدف كما توقعت.. الجلمة.!!
الجلمة بكل الاجراءات والطوابق العليا والسفبى والبوابات والزنازين التي اعتدت عليها في ايامي السابقة..
وما ان وضعوا تلك النظارة السوداء على وجهي حتى تهيأت لخوض التحقيق مرة أخرى.. مع اني كنت منهكا أشد الانهاك.. ولكن لا بد من التجلد لكسب هذه الجولة من الحرب الدائرة بيني وبينهم..
ودخلت غرفة التحقيق وكان المحقق بانتظاري وكأنه لم يغير جلسته منذ ان غادرت المكان ، وكان الصراخ باستقبالي:
- انت اكيد معك دورات أمن ؟
ولا كيف كشفت العصافير؟
احكي مين اعطاك اياها؟ انت مخرب كبير..
ودخل في نوبة هيستيرية من الاتهامات والأسئلة.. وقد كان الموقف يمر بردا وسلاما على صدري.. فقد زاد التأكد لديّ أن الله وفقني ونجحت في اختبار العصافير الشاق..
وتجاهلت الازعاج الذي يسببه لي هذا المحقق المعتوه الا اني سمعت في نهاية حديثه:
- لن نفرج عنك .. وستصدر ضدك اعلى الاحكام واقساها..وستعيش متنقلا بين سجن وآخر ولن تذوق طعما للاستقرار.
وأمر الشرطي بحبسي في زنزانة انفرادية لا اخرج منها ابدا – على حد تعبيره الغاضب- .
عدت الى الزنزانة وقد عاودني الهدوء – النسبي- الذي كنت اعيش فيه قبل الانتقال الى العصافير.. وتذكرت الجدول اليومي الذي كنت انتهجه من قبل ..وقررت مزاولته مرة أخرى..
بعد يومين.. استدعوني مرة أخرى للتحقيق.. وبدأ بتوجيه اسئلة عادية كان قد سألني اياها منذ بداية مجيئى الى هذا المكان.. فأحسست انه سيختم ملفي بما ابتدأ به.. ولكني لم أكن متأكدا حتى تلك اللحظة..
أجبت على الاسئلة التي لا ضرر فيها وانكرت الأخرى..
وبعد الانتهاء من هذه الجلسة أخذني الى الغرفة التي أوهموني فيها في المرة السابقة أن ملفي قد اُغلق..
وجلست مقابل شرطي آخر ..أعطاني بعض من الاوراق التي أمامه وقلم.. وبدأ في كتبه كل المعلومات التي بعرفها عني وعن أهلي وتفاصيل حياتي.. ثم أمرني ان امسك القلم واكتب اجابة على كل سؤال يسألني اياه..
وكان يترجم ما أكتبه الى العبرية.. واتبعت نفس الطريقة في الاجابة والحذر من كل كلمة قد تضرني..
الى ان انتهينا من الكتابة فقرأتها بتمعن أكثر من مرة لاتاكد باني لم اكتب أي كلمة تدينني باي شئ وباي تهمة..
ثم كان التوقيع.. وأحضر علبة الحبر المخصصة للبصمات.. وغمس اصبعي الابهام فيها ثم وضعه على ورقة افادتي.. ثم جاء بورقة أخرى مقسمة الى عشرة اماكن لأصابع اليدين.. ومكانين آخرين لكف اليد بأكلمه.. وتم البصم والتوقيع..
وتأكدت بانتهاء التحقيق معي.. لكني لم أُظهر اي تعبير على وجهي.. كل ما رأوه مني هو عدم المبالاة بكل ما يفعلون..
أخذني الشرطي الى زتزانتي مرة أخرى.. واستلقيت على فراشي فرحا وكأني نسيت كل ما مر عليّ من الآلام.. وصليت صلاة شكر لله عز وجل على فضله وكرمه الذي أنعم عليّ بهما..
وانقضت الليلة بين تذكر لوجوه العصافير وصوت المحقق وتأمل لآثار الحبر في كفي ودعاء وابتهال الى الله أن يفرج عني هذا الابتلاء ..
ومرت ايام هادئة ..أمارس فيها ما قررته على نفسي بسكينة واطمئنان..
وذات صباح..فُتح باب الزنزانة وأمرني المحقق بالتجهز..
وظننت أنها جولة جديدة من التحقيق ولم أفكر في أمر آخر..وتوقفت عن التفكير عندما أحسست بأوجاع يدي من شدة القيد الذي يحكمه الشرطي عليّ..
ومرّ بس عبر ممرات ودهاليز كنت قد عبرتها من قبل.. وحاولت التذكر.. فإذ به طريق المحكمة الداخلية..
وكالعادة أوقفوني مقابل الحائط كي لا أرى أي اسير هناك .. لكني سمعت أصوات بعضهم ولكني لم اميز احدهم.. كل ما ميزته هو لهجة جنين الواضحة على لسانهم..
وأتى دوري في دخول المحكمة.. ووقف امام القاضي الذي يتحدث العبرية والمترجم يتابع كلماته بالعربية ويذكر أن هذا هو ثاني تمديد لي داخل توقيف الجلمة..
وبدأوا بأسألتي تلك الاسئلة المملة التي أعادوها عليّ عشرات المرات منذ أن وطأت قدماي مركز توقيفهم هذا..
واقترب مني شخص اتذكر ملامحه جيدا.. وقال لي:
- سأراك قريبًا.
كان المحامي الخاص بي.. وقد أومأت له برأسي كتحية عابرة.
وكان المترجم لا يزال يقرأ عليّ التهم الموجهة اليّ وسألني في آخرها:
- هل تعترف بما نُسب اليك؟
أجبته:
- كلا
فنظر القاضي لأوراقه ثم أعاد النظر اليّ ناطقا بالحكم:
- تؤجل المحكمة 22 يوما مع نقل الملف للادعاء العسكري.
فابتسم لي المحامي:
- انتهيت من التحقيق.
وظهر البِشر على وجهي .. واخذوني مباشرة الى الزنزانة.
وبدأت خلوتي مرة أخرى..خلوة ايمانية أنستني كل معاني الأسر، وقرب موصول بالله عز وجل قلما شعرت به في لحظات حياتي الاعتيادية.. وكانت أكبر نعمة عليّ أن منّ الله على قلبي بالايمان والصبر وأن هداني للتمسك بالذكر والتوجه اليه وحده عز وجل..
ومرت عدة ايام منذ حكم التمديد..
وجائني الشرطي وطلب مني الاستعداد وأنا لا اعرف الى اين سيأخذني.. ووجدتني مرة أخرى في نفس الطريق المقزز للمحكمة.. ولكنه تجاوزها وأدخلني الى غرفة واسعة مجزأة الى قسمين يفصل بينهما فاصل من زجاج وخانات على مسافات متعددة وهاتف على كل خانة..
وأجلسني في أحدى الخانات ونظرت عبر الزجاج لأجد امرأة امامي لم اعرف ملامحها..
وفك قيدي وطلب مني استعمال الهاتف كي اتحدث معها..
وكان الحديث بيننا بدأته هي:
- السلام عليكم
- وعليكم السلام
- انا المحامية فلانه.
وسألتني على احوالي واطمأنت على وضعي الصحي وأجبتها بهدوء ووضوح.. الى ان قالت لي:
-اهلك يبرقون لك السلام وهم في شوق كبير اليك، وقد ارسلوا معي رسالة لك.
أجبتها بنضات قلبي المتلهفة:
- اين هي؟ أريد ان اقرأها الآن.
اجابتني وهي تبحث بين اوراقها عنها:
- اصبر قليلا..
ثم وضعتها أمامي على الزجاج مباشرة وباشرت القراءة على الفور.
وانهمرت دموعي ومنعتني من القراءة الصافية.. حاولت حبسها فلم استطع..كانت الحروف الحزينة لأمي فوق تحملي بعد كل هذا الفراق.. كانت السطور مثقلة بشوق أم لابنها الأسير.. وفي كل كلمة كنت أرى وجه أمي واتدثر بدفء حنينها..
هاهي تعلم ما بي..
فكتبت اليّ ما يواسيني وما يخفف وطأة البعد.. أخبرتني عن كل أسرتي وعن تلهفهم للقائي.. وعن دعائهم الذي لا ينقطع..
انتبهت لحديث المحامية الذي حاولت به ان ترفع من روحي المعنوية.. وأكملت قراءة الرسالة وأعدتها مرات ومرات كي استنير بنور حروفها في عتمة الزنازين..
وواصلت المحامية كلامها عن قضيتي وعن توقعات حكمي وسألتني ان كنت أريد شيئا فحملتها رسالة الى أهلي.. وانتهت الجلسة وجاء الشرطي مرة أخرى..
ولم أرَ الممرات ولا الدهاليز.. ولم اسمع باب أو قيد.. فقد كنت غارقا بين كلمات أمي وأخبار أهلي..
احساس دفنته منذ أن بدأت أيامي في الأسر.. ولكن آن له أن يحيا مرة أخرى.. وأطلقت لشوقي عنان الدموع.. ولم اكبح جماح الذكريات.. ولم تغادرني صورة أمي وأهلى في آخر لحظات الفراق.. وكأني أرى المشهد أمام عيني ولم تمر عليه ليالي موحشة ولا أيام طويلة..
وانقضت فترة أخرى في زنزانتي الانفرادية، ثم نُقلت الى اخرى جماعية.. وآنست الى كثير من الأسرى ولم يكدر صفوي اي تحقيق او استدعاء..
وبعد حين.. اتاني شرطي يخبرني بأن مندوب الصليب الأحمر يريد مقابلتي.. وأخذني الى غرفة صغيرة.. ورأيت امرأة يبدو من ملامح وجهها انها أجنبية..
وجلست على الكرسي الوحيد الذي يجاورها. وعرفتني بنفسها بلغة عربية متكسرة..
وبعد سؤالي عن اسمي بحثت في قائمة الأسرى التي تحملها وبدأت تسألني عن اوضاع السجن والتحقيق واحوالي وصحتي والى آخر تلك الاسئلة، ثم أخبرتني انها احضرت لي ملابس من الصليب الاحمر بعد التأكد من مقاسي ليكون مناسبا لي.. ثم استفسرت مني ان كنت أريد شيئا من أهلي ومن هذا القبيل..
وعدت مجددا الى الزنزانة التي يصحبني فيها ثلاثة أسرى، وقضينا اياما أخرى..الى ان انتهى موعد تمديد حكمي.. وجائني الشرطي ليصحبني الى محكمة أخرى، وتفاجئت انها محكمة خارجية..
في محكمة سالم العسكرية..
وبدأت مراسم النقل مرة أخرى.. من الزنزانة الى القفص ومن ثم الى باص كبير يتبع فرقة ( النحشون) وأجلسوني مكبل الايدي والارجل كبقية الأسرى وتعرفت الى اسير بجانبي قال لي انه من طولكرم وقد حضر شاهدا لمحكمة سالم ومقره الأصلي سجن النقب..
وصلنا الى المحكمة ليتم وضعنا بغرف باطون صغيرة تحتوي على نافذة صغيرة جدا يتم اغلاقها بين الفينة والاخرى وجميعنا فيها بشكل مضغوط مذل وغير انساني .. يخرج واحد تلو الاخر الى ان جاء دوري عبر الاسماء التي يحملها الجندي المسؤول ..
أمسكني وفك قيد يداي واخذني الى المحكمة وجلست على مقعد خشبي هناك ومقابلي بعض من الاهالي يجلسون ينتظرون رؤية ابنائهم ..
حضر الى شخص وقال لي بانه المحامي فلان وانه مسؤول عن ملفي وطمأنني عن وضعي ... وقال لي بان اهلي سيحضرون المحكمة المقبلة لرؤيتي وانهم لا يعرفون ان موعد محكمتي اليوم، فسررت كثيرا ولكن طلبت تراجعت وطلبت منه أن يبلغه الا يأتوا اليّ كي لا يتكبدوا مشقة الطريق وخصوصا أمي التي سيرهقها السفر الطويل.. فوعدني بابلاغ اهلي بذلك..
وتجرعت غصص الشوق التي لا يعلم بها الا الله وحده..
وجائنا صوت المترجم طالبا منا الصمت التام..
وبدأ القاضي بقراءة الملف.. يتابعه المترجم.. وفتاة تكتب كل ما يقال على جهاز كمبيوتر.
ونادى عليّ باسمي:
- قف.
وبعد وقوفي سألني:
- اسمك الرباعي؟
فأجبته.
ثم عاد يسأل:
- هل تحفظ رقم الهوية؟
- -نعم.. _____________
- هل تعترف بما نُسب اليك؟
- لا
- تمدد المحكمة الى تاريخ __________
وكانت المدة تقارب الشهر ونصف الشهر.
وأعادوني مؤقتا الى تلك الغرفة ذات الرائحة النتنة، ثم انتهي بس المطاف الي الجلمة ثانيةً.
وعدت أحسب الليالي وثوانيها واستحثها كي تمضي.. ليأتي موعد محكمتي بأسرع ما يمكن..
وقد أتى وأنا احترق اشتياقا للمحة من أهلى..
ومرت الاجراءات اللعينة بطيئة وكأنها تريد للهيب قلبي المزيد من الاشتعال..
ونودي على اسمي عبر النافذة الصغيرة، وفُتحت الزنزانة الكبيرة واقتادوني الى المحكمة وانا اتحين الفرصة لأطمئن على وجود أهلي.. رغم أن دقات قلبي تخبرني بقربهم مني ..
صوت من بعيد اكاد لا اسمعه وايادي ترتفع وتشير اليّ واسمي يُنادى..
حركت عيني ببطء.. خوفا من اكتشاف ان حنيني اليهم أصبح يهيؤ لي اطيافهم... نظرت بدقة لارى ابي وامي عبر شباك بعيد.. ورأيت دموع امي وهي تجهش في بكاء مزقني..
هي لحظات مرت كالبرق لادخل واجلس على ذلك الكرسي الخشبي بالمحكمة .. وتقدم المحامي وقال بان اهلي خارجا وسيدخلون الان .. وطلب من الجنود ادخالهم..
وانتظرت دقائق كانت كسنين عمري.. فُتح باب المحكمة من احد الجهات المعدة لدخول الاهالي ..
دخل ابي وتتلوه امي وقفت لالوح لهم فمنعني الجنود وطلبوا مني الجلوس ..
واصلت امي بكائها وكدت ان اشاركها اياه لكني تحاملت على نفسي ولم أظهر لهم الا كل ما يدعو على رفع المعنويات..
وكادت روحي أن تطير اليهم وتعانقهم وتقبل اياديهم حبا وشوقا والما..
وسمعت امي تحدثني بصوت مرتفع:
- كيف حالك يا ابني والله اشتقنالك ..
فقاطعها القاضي اللئيم وطلب من الجميع السكوت..
لم انتبه اطلاقا لكل ما يقال.. ولم اعد اعرف اين انا.. كل ما اعرفه هو وجودي مع اهلي في نفس المكان..أكحل عيني برؤيتهم وأنقش ملامحهم داخل قلبي كي يكونوا زادا لي في أيامي القادمة..
انتبهت فقط لمدة الحكم المقررة عليّ..
وانتهت المحكمة سريعا وتشابكت نظراتي لأهلي وتبعثرت على وجوههم كي اودعهم قبل خروجي من القاعة.. ولمعت الدموع في عيني وانا اقول لهم لا تحزنوا فأنا بخير حال وان الله لن يضيعني فلتقر أعينكم..
وأمسك بي الجندي بعنف كي يخرجني وانا التفت اليهم واقتنص اكبر قدر من النظر اليهم.. والجندي يواصل شده لي كي اتحرك مسرعا.. وكلما نظرت امامي اعود لالتفت نحوهم حتى غابوا عن ناظريّ وقد أخذوا روحي وقلبي معهم..
وعدت الى الجلمة وحزني يكللني.. لا لفترة الشهرين ونصف التي حكمت بها..بل لفراق اهلي بعد هذا اللقاء العابر..
والتجأت الى كتاب الله وبدات بالذكر كما السابق وكلي أمل في رؤية أهلي مرة أخرى..
بضعة ايام ويفتح باب الزنزانة:
- فلان الفلان
نهضت بسرعة:
- نعم ..
- حضر حالك بوسطة ( أي نقل) ..
تجهزت باقصى سرعة وودعت من كان معي وخرجت داعيا الله ان لا يعيدني الى هذا المكان وأن يرحم منه كل شاب مسلم وأن يعيذه ويلاته وشروره..
وبدأت رحلة جديدة نحو السجن الحقيقي بعيدا عن مراكز التحقيق..
لا تنسونا من صالح الدعاء