ابا القسام19
27th December 2010, 10:39 PM
أيـامــــــــــ في الاسر ـــــــــي *
http://www.palsharing.com/i/00009/l380c1si5exq.jpg
الحلقة الخامسة
كانت تلك النومة أول اغماض لجفني منذ لحظات الأسر الأولى..
وبالطبع رحت في سبات عميق ولم أشعر بما حولي..
وفجأة..استيقظت على صوت مرعب جدا ونبرة خشنة وكلمات عبرية.. أفقت سريعا لأحاول معرفة الخطب الذي حدث.. -
خد مغاش ( فطور)كانت كلمات الشوتير وهو يمد يده لي بوجبة الافطار..
بعد ان ايقظني من نومي على صوت يده وهي تدق الباب الحديد.. قلت له وانا احاول تذكر ما حدث لي بالامس:-
يا زلمة ليش هيك بتخبط عالباب وليش هيك بتفتح الاشناف ( طاقة صغيرة)؟
- مش انت بتعلمنا شغلنا..قالها والضجر يتتبع كل حرف من فمه.. وأخذت منه الطعام ووضعته على الأرض..
سألته:-
كم الساعه الآن؟-
السادسه صباحا.
ومضى الشوتير وتركني لآثار الضوضاء الغريبة التي افتعلها..
بدأت استعيد وعيي مرة أخرى وتذكرت اني لم أصلِ الفجر.. فتوضأت وأقمت الصلاة التي كانت توسل الى الله ان يحفظ عليّ ديني وأن اعبر هذا البلاء وهو راضٍ عني.. وانتهيت من صلاتي ونظرت الى الوجبة التي قدمها لي الشوتير وكانت عبارة عن بيضة ومثلث جبنة وخبز فينو اسرائيلي الصنع..
لم اكن افكر بالاكل بتاتا رغم الجوع.. ولكني تذكرت ما انا مقدم عليه فقررت تناول الافطار..وفي هذا السكون والصمت الموحش..
ما أسرع أن يتسلل الشيطان الى النفس وهي في هذه الوحدة.. فبدأت في تخيل مراحل التحقيق واسباب اعتقالي ودارت بعقلي صور الشباب ومن فيهم السبب وما هي القضية المطلوب التحقيق معي فيها وما الى ذلك من توقعات لا تخلو من التهويل والخوف.. وخصوصا بعد انا اخفى عليّ المحقق سبب وجودي في هذا المكان البشع..
ولكن بفضل من الله جائني يقين بأنه قدر مكتوب عند الله عز وجل ولابد من نفاذه ايا كانت الاسباب..
وتوجهت الى ذكر الله مرة أخرى كي يطمئن قلبي.. وبدأت ابحث في الزنزانه.. عن اي شيئ يفيدني ..
مصحف او كتاب او اي شيئ يدلني على تحديد الوقت..ولكن باء بحثي بالفشل..
بعد ساعة ( تقريبا) جائني الشوتير مرة أخرى وأمرني بالتجهز.. فارتديت ملابسي وتوكلت على الله وفوضت كامل امري اليه..
مرة أخرى وضع القيود في يدي والنظارة المعتمة على عينيّ فعلمت اني ساتجه لنفس مكتب التحقيق..
وبالفعل دخلنا المكتب وأجلسني على كرسي بالكاد يناسب طفل في العاشرة من عمره.. وربط قيدي في الكرسي من الخلف وخلع عني النظارة.. وتركني وبقيت وحيدا في هذا المكان..
وتجولت نظراتي في أركانه فرأيت جهاز كمبيوتر على المكتوب وتليفونيين ولوحة على الحائط وتكيف مركزي ونافذة تطل على الجبال المقابلة للمكان..
كل شيئ مُختار بعناية.. فلا شيئ هنا يمضي عبثًا.. حتى منظر الجبال كانت تثير الوحشة في القلب والانعزال عن العالم الخارجي وانقطاع الامل من كل شيئ... الى من كان قلبه يأوي الى ركن شديد..
وبقيت هكذا مدة طويلة دون أن يدخل عليّ احد.. فكانت فرصة لأحافظ على ما قررته من عدم اعتراف او رضوخ مهما كلف الأمر.. وانشغلت بين تسبيح وذكر وقرآن.. وسمعت صوت أمقته منذ البارحة:
-بووكر توووف .
.كان المحقق ميمون يلقي عليّ التحيه وهو داخل الى المكتب..
فلم أرد عليه ( باعتبار اني لم افهم كلماته العبرية)-
صباااح الخير يا فلان.هكذا اعادها عليّ بالعربية..
فأجبته بلا مبالاه:-
اهلين ..!!
فابتسم وسألني:-
وليش زعلان؟
ددت باستنكار:-
مين حكى اني زعلان؟
فقال لي وهو متجه الى مقعده وراء المكتب:-
ملامحك تدل على ذلك وتقول انك مرتبك كثيرا. أدركت انه بدأ في حربه النفسية فقلت ضاحكا:-
ومالذي يزعجك ؟
وجودي ام غير ذلك.. ماالذي تريده الآن؟-
ما علاقتك بفلان؟
فاجئني بسؤاله السابق الذي قطع حديثنا ..
فأجبته سريعا وبكل ثقة:-
من هذا الشخص؟
وعن من تتكلم؟
فأجاب:-
انت تعرف جيدا عن من أتكلم.
فقلت له في برود:-
ان كنت جئت بي الى هنا لتسألني عن أشخاص..فسأختصر عليك الطريق.. انا لا اعرف احد ولا علاقة لي بأحد.
صمت قليلا وتشاغل بازرار الكيبورد ودخل شخص الى الغرفة وتقدم نحو المحقق وتظاهر بسؤاله:-
من هذا الشاب ؟ ما اسمه؟
رد عليه ميمون:-
فلان ..فضحك الرجل وقال بصوت عالٍ:-
البطل فلان عنا؟
يا اهلا يا اهلا انت وينك يا زلمة وليش مغلبنا معك؟
وتوجه بالسؤال الى ميمون:-
هل احتفلتم بقدوم البطل ؟
فرد ميمون مبتسما:-
فعلا علينا ان نحتفل ونوزع الحلوى ..
كنت أضحك كثيرا على طريقتهم التي يحاولون خداعي بها..
وفتح الباب ونادى على المحققين المتواجدين خارج المكتب فحضروا سريعا وكان عددهم لا يقل عن خمسة .. فرحب بهم وقال لهم فور دخولهم:-
تعرفوا على البطل هاهو بين ايديكم الآن. ظهرت الابتسامات على وجوههم الصفراء..
وأشفقت على تفكيرهم الوضيع في محاولة ايهامي بأني خطير الى هذه الدرجة ليتهموني بتهم كبيرة لأعترف بتفاصيل صغيرة هي التي يبحثون عنها ويريدونها مني..(اطلب الكثير لتنال الصغير)..
ولكن.. خسئوا وخاب مسعاهم.. وبدأ الفصل الثاني من المسرحية الركيكة.. حينما طلب احد المحققين من الباقي الخروج من المكتب وبقي هو والمحقق ميمون معي..
وسحب كرسي واتى به بجانبي وبدأ يتكلم معي في عطف :-
المحقق ميمون ( جنتل مان) فلا تزعجه وحاول ان تنهي الموضوع وتقص عليه القصة.
قاطعته:-
اي موضوع واي قصة؟؟!
فتابع حديثه:-
انت تعلم عن ماذا نتكلم ولا تحاول الاخفاء فكل الامور مكشوفة لدينا.
فسألته:-
اذا كل الامور مكشوفه..لمَ أتيت بي الى هنا؟
فقال بنفس النبرة الهادئة:-
لنتأكد من انك تريد ان تساعد نفسك وتقول الحقيقة.
فقلت له بثقة:-
انا لا اعرف اي شيئ .
فجاوبني بنفاذ صبر:-
خليك هون واعمل بطل وانت الخسران.
فسألني ميمون:-
فلان لاتعرفه.. طيب.. وفلان؟ وفلان؟ وفلان؟
فأجبته:-
انا لا اعرف جميع من ذكرتهم.
رد باستهزاء:-
لا تتعب نفسك فالمسبحة مقطوعة وانت آخر حبة فيها.. وحاول ان تعترف ليخفف عنك الحكم.
كنت اعلم جيدا..أن اي كلمة مني ستكون دليل او اعتراف.
فتكلمت في اصرار:-
لا تتعب نفسك معي..فأنا لا اعرف احد ولا اعرف شيئ.
فقال مهددا:-
ستثبت لك الايام عكس ذلك وجينها لن ترى النور ابدا.
خرج المحقق الآخر وبقيت انا مع ميمون الذي قام عن كرسيه هو الآخر وخرج من الغرفة.. وبدأت افكر مرة أخرى في الاشخاص الذين ذكرهم.. وما الذي يدور في ذهن ميمون وسرحت في نوبة تفكير عميقة..
ولكن انتبهت لغياب ميمون عن الغرفة ونظرت الى الباب فوجدت عينًا سحرية فتوقعت انه يراقبني من خلالها..او من خلال كاميرا مخفية عن الاعين.
فتظاهرت بالاسترخاء التام.. وبدأت اتناوم..
وما ان أحس بنومي حتى دخل عليّ وصاح بأعلى صوته:-
قووووم اصحى ليش نااايم هون ما في نوم، ستذهب الآن الى زنزانتك وفكر بالموضوع جيدا.. وعندما تستعد لانهاء الموضوع دق على باب الزنزانة واطلب من الشوتير احضارك الى هنا.. وستأتي مباشرة.
فقطعت عليه تفاؤله:-
لن افعل ذلك ابدافقال لي في حزم.
ستخرج الآن للغداء. وحضر الشوتير وذهب بي الى الزنزانة وسألته ان كان حان موعد الأذان ام لا.. وتناولت الغداء وصليت وارتحت قليلا..وجاء الشوتير ثانية ليأخذني الى نفس مكتب التحقيق..
فكرر عليّ ميمون نفس الاسئلة السابقة عن نفس الاشخاص.. واجبته بنفس الاجابات.. فأنهى الحوار:-
انت حر.. انت الخسران.وخرج من الغرفة مرة أخرى.
فتأكدت من تصميمه على طرح نفس السؤال عليّ بأنه لا يعرف شيئا ويحاول الضغط عليّ بكل الوسائل ليأخذ المعلومات التي يريدها.
ومضت ساعات وانا مقيد على الكرسي ووحيد بالغرفة وبدأ الخدر بتسلل الى جسدي بسبب الجلسة الثابتة التي اجلسها منذ الصباح.. بكل الوسائل ليكشف ما الذي حصل بيني وبين احد الشباب ..
وكاد وقت صلاة العصر ان ينتهي فبدأت بالصراخ:-
شوتيييير شوتيييييييير
فحضر مسرعا وسألني عما اريد.. فأجبته:-
أريد ان اصلي.
فذهب عني واغلق الباب بشدة..فكررت الصراخ:-
شوتيييير شوتييييير فجائني احد المحققين وسألني:-
ماذا تريد-
أريد الصلاة فنادى الشوتير وأمره بانزالي الى الزنزانة.
كنا في وقت المغرب.. توضأت وصليت وفتحت طاقة الباب.. وودت المحقق ميمون ورائهافبدأ بالكلام واقتربت انا بحذر شديد:-
غدا سننهي جميع المواضيع.. الموضوع الفلاني، والفلانين والقصة الفلانيه.ضحكت وقلت له:-
انا لااعلم شيئا فأغلق الطاقه وذهب..
شعرت ان اسلوبه بدأ يؤثر عليّ نفسيا.. واحسست انه يعرف كل شيئ واني مكسور الجناح بين يديه..بدأ خاطر الاعتراف يجتاحني..
صليت وذهني مشتت تماما.. وما ان انتهيت من صلاتي حتى احضروا لي وجبة العشاء.فلم استطع الأكل وانا في هذه الحالة من الانشغال بالتفكير.. وتشاغلت بالصلاة والدعاء والذكر والاستغفار.. وشعرت بيقين وثبات من الله يملأ عليّ وحدتي ويطرد كل هواجس القلق والتردد.. وصببت كل تفكيري في طريقة مواجهة المحقق في يوم الغد وكيفية اقناعه ببرائتي.
وبدأت اكتشف طريقته في التأثير عليّ وان كلماته لي في الزنزانه ما هي الا طريق نفسية لبث القلق في نفسي لأكون لقمة سائغة بين يديه..
وقررت ألا أحقق له امنيته ابدا بعون من الله. وطردت كل تفكير في عقلي بأمور التحقيق وأبدلته بالتفكير في قضاء وقتي في هذا المكان فقررت قراءة ما احفظ من القرآن بصوت مسموع وان اقوم ببعض الرياضات كي لايخمل جسمي في هذه المساحه الضيقة..
وانشدت بعض الاناشيد بصوت عالي وانا ارتب برشي وصنعت وسادة عليه من الغطاء المتهالك..
وعقدت نية الصيام لليوم التالي وقيام الليل في كل ليلة.. الى ان يحين الفرج من رب العالمين وبعد صلاة العشاء استسلمت للنوم ولكن ضوء الزنزانة الخافت حرمني من اغماض عيني..
فابتكرت طريقه احجب شعاعه المزعج.. اخذت محارم كانت موجوده على الأرض وبللتها بالماء ووضعت عليها القليل من المربى كي تلتصق على الضوء.. وبالفعل نجحت الطريقة..
ونمت وانا انوي الاستيقاظ لقيام الليل..
وبعد مدة استيقظت وانا لا اعلم ما الساعه ولكني توقعت اني مازلت في الليل لأن وجبة الافطار لم تحضر بعد.. وكانت من اروع الليالي التي اقمتها بالصلاة..
آيات طويله وسجود خاشع وقلب متصل بالله عز وجل.. وتناولت وجبة العشاء كسحور يساعدني على الصيام..
وكانت وجبة هزيلة جدا بالكاد تشبع طفلا لا تحتوى سوى ملعقة مربى وقطعة زبدة صغيرة الحجم. حاولت معرفة الوقت دون طلب من الشوتير او غيره..
ولكن لا دليل تمددت على البرش.. وذهبت كل خواطري الى اهلي واحوالهم وقلقهم عليّ..
ومر وقت ليس بالقصير.. وشممت رائحة مميزة من طاقات التكييف.. وما اجملها من رائحة.. كانت رائحة الندى التي تسبق طلوع الشمس.. وسعدت كثيرا بأني عرفت طريقة لتحديد موعد صلاة الفجر. فرغت من الصلاة وقرأت أذكار الصباح..
وجاء نفس الصوت المفزع على الابواب.. صوت توزيع وجبات الافطار..
وبداية يوم آخر من التحقيق العصيب ...
يا ترى؟ كيف ستكون الجولة الثانية من التحقيق؟
وكيف ستكون مواجهتي بأصدقائي؟
وماذا سيحدث في غرف العصافير.. وأهلي.. ماذا سيحل بهم بعد ثالث يوم من اعتقالي؟
.. وأمي!! كيف كانت وقائع اعتقالها على سير التحقيق معي..
http://www.palsharing.com/i/00009/l380c1si5exq.jpg
الحلقة الخامسة
كانت تلك النومة أول اغماض لجفني منذ لحظات الأسر الأولى..
وبالطبع رحت في سبات عميق ولم أشعر بما حولي..
وفجأة..استيقظت على صوت مرعب جدا ونبرة خشنة وكلمات عبرية.. أفقت سريعا لأحاول معرفة الخطب الذي حدث.. -
خد مغاش ( فطور)كانت كلمات الشوتير وهو يمد يده لي بوجبة الافطار..
بعد ان ايقظني من نومي على صوت يده وهي تدق الباب الحديد.. قلت له وانا احاول تذكر ما حدث لي بالامس:-
يا زلمة ليش هيك بتخبط عالباب وليش هيك بتفتح الاشناف ( طاقة صغيرة)؟
- مش انت بتعلمنا شغلنا..قالها والضجر يتتبع كل حرف من فمه.. وأخذت منه الطعام ووضعته على الأرض..
سألته:-
كم الساعه الآن؟-
السادسه صباحا.
ومضى الشوتير وتركني لآثار الضوضاء الغريبة التي افتعلها..
بدأت استعيد وعيي مرة أخرى وتذكرت اني لم أصلِ الفجر.. فتوضأت وأقمت الصلاة التي كانت توسل الى الله ان يحفظ عليّ ديني وأن اعبر هذا البلاء وهو راضٍ عني.. وانتهيت من صلاتي ونظرت الى الوجبة التي قدمها لي الشوتير وكانت عبارة عن بيضة ومثلث جبنة وخبز فينو اسرائيلي الصنع..
لم اكن افكر بالاكل بتاتا رغم الجوع.. ولكني تذكرت ما انا مقدم عليه فقررت تناول الافطار..وفي هذا السكون والصمت الموحش..
ما أسرع أن يتسلل الشيطان الى النفس وهي في هذه الوحدة.. فبدأت في تخيل مراحل التحقيق واسباب اعتقالي ودارت بعقلي صور الشباب ومن فيهم السبب وما هي القضية المطلوب التحقيق معي فيها وما الى ذلك من توقعات لا تخلو من التهويل والخوف.. وخصوصا بعد انا اخفى عليّ المحقق سبب وجودي في هذا المكان البشع..
ولكن بفضل من الله جائني يقين بأنه قدر مكتوب عند الله عز وجل ولابد من نفاذه ايا كانت الاسباب..
وتوجهت الى ذكر الله مرة أخرى كي يطمئن قلبي.. وبدأت ابحث في الزنزانه.. عن اي شيئ يفيدني ..
مصحف او كتاب او اي شيئ يدلني على تحديد الوقت..ولكن باء بحثي بالفشل..
بعد ساعة ( تقريبا) جائني الشوتير مرة أخرى وأمرني بالتجهز.. فارتديت ملابسي وتوكلت على الله وفوضت كامل امري اليه..
مرة أخرى وضع القيود في يدي والنظارة المعتمة على عينيّ فعلمت اني ساتجه لنفس مكتب التحقيق..
وبالفعل دخلنا المكتب وأجلسني على كرسي بالكاد يناسب طفل في العاشرة من عمره.. وربط قيدي في الكرسي من الخلف وخلع عني النظارة.. وتركني وبقيت وحيدا في هذا المكان..
وتجولت نظراتي في أركانه فرأيت جهاز كمبيوتر على المكتوب وتليفونيين ولوحة على الحائط وتكيف مركزي ونافذة تطل على الجبال المقابلة للمكان..
كل شيئ مُختار بعناية.. فلا شيئ هنا يمضي عبثًا.. حتى منظر الجبال كانت تثير الوحشة في القلب والانعزال عن العالم الخارجي وانقطاع الامل من كل شيئ... الى من كان قلبه يأوي الى ركن شديد..
وبقيت هكذا مدة طويلة دون أن يدخل عليّ احد.. فكانت فرصة لأحافظ على ما قررته من عدم اعتراف او رضوخ مهما كلف الأمر.. وانشغلت بين تسبيح وذكر وقرآن.. وسمعت صوت أمقته منذ البارحة:
-بووكر توووف .
.كان المحقق ميمون يلقي عليّ التحيه وهو داخل الى المكتب..
فلم أرد عليه ( باعتبار اني لم افهم كلماته العبرية)-
صباااح الخير يا فلان.هكذا اعادها عليّ بالعربية..
فأجبته بلا مبالاه:-
اهلين ..!!
فابتسم وسألني:-
وليش زعلان؟
ددت باستنكار:-
مين حكى اني زعلان؟
فقال لي وهو متجه الى مقعده وراء المكتب:-
ملامحك تدل على ذلك وتقول انك مرتبك كثيرا. أدركت انه بدأ في حربه النفسية فقلت ضاحكا:-
ومالذي يزعجك ؟
وجودي ام غير ذلك.. ماالذي تريده الآن؟-
ما علاقتك بفلان؟
فاجئني بسؤاله السابق الذي قطع حديثنا ..
فأجبته سريعا وبكل ثقة:-
من هذا الشخص؟
وعن من تتكلم؟
فأجاب:-
انت تعرف جيدا عن من أتكلم.
فقلت له في برود:-
ان كنت جئت بي الى هنا لتسألني عن أشخاص..فسأختصر عليك الطريق.. انا لا اعرف احد ولا علاقة لي بأحد.
صمت قليلا وتشاغل بازرار الكيبورد ودخل شخص الى الغرفة وتقدم نحو المحقق وتظاهر بسؤاله:-
من هذا الشاب ؟ ما اسمه؟
رد عليه ميمون:-
فلان ..فضحك الرجل وقال بصوت عالٍ:-
البطل فلان عنا؟
يا اهلا يا اهلا انت وينك يا زلمة وليش مغلبنا معك؟
وتوجه بالسؤال الى ميمون:-
هل احتفلتم بقدوم البطل ؟
فرد ميمون مبتسما:-
فعلا علينا ان نحتفل ونوزع الحلوى ..
كنت أضحك كثيرا على طريقتهم التي يحاولون خداعي بها..
وفتح الباب ونادى على المحققين المتواجدين خارج المكتب فحضروا سريعا وكان عددهم لا يقل عن خمسة .. فرحب بهم وقال لهم فور دخولهم:-
تعرفوا على البطل هاهو بين ايديكم الآن. ظهرت الابتسامات على وجوههم الصفراء..
وأشفقت على تفكيرهم الوضيع في محاولة ايهامي بأني خطير الى هذه الدرجة ليتهموني بتهم كبيرة لأعترف بتفاصيل صغيرة هي التي يبحثون عنها ويريدونها مني..(اطلب الكثير لتنال الصغير)..
ولكن.. خسئوا وخاب مسعاهم.. وبدأ الفصل الثاني من المسرحية الركيكة.. حينما طلب احد المحققين من الباقي الخروج من المكتب وبقي هو والمحقق ميمون معي..
وسحب كرسي واتى به بجانبي وبدأ يتكلم معي في عطف :-
المحقق ميمون ( جنتل مان) فلا تزعجه وحاول ان تنهي الموضوع وتقص عليه القصة.
قاطعته:-
اي موضوع واي قصة؟؟!
فتابع حديثه:-
انت تعلم عن ماذا نتكلم ولا تحاول الاخفاء فكل الامور مكشوفة لدينا.
فسألته:-
اذا كل الامور مكشوفه..لمَ أتيت بي الى هنا؟
فقال بنفس النبرة الهادئة:-
لنتأكد من انك تريد ان تساعد نفسك وتقول الحقيقة.
فقلت له بثقة:-
انا لا اعرف اي شيئ .
فجاوبني بنفاذ صبر:-
خليك هون واعمل بطل وانت الخسران.
فسألني ميمون:-
فلان لاتعرفه.. طيب.. وفلان؟ وفلان؟ وفلان؟
فأجبته:-
انا لا اعرف جميع من ذكرتهم.
رد باستهزاء:-
لا تتعب نفسك فالمسبحة مقطوعة وانت آخر حبة فيها.. وحاول ان تعترف ليخفف عنك الحكم.
كنت اعلم جيدا..أن اي كلمة مني ستكون دليل او اعتراف.
فتكلمت في اصرار:-
لا تتعب نفسك معي..فأنا لا اعرف احد ولا اعرف شيئ.
فقال مهددا:-
ستثبت لك الايام عكس ذلك وجينها لن ترى النور ابدا.
خرج المحقق الآخر وبقيت انا مع ميمون الذي قام عن كرسيه هو الآخر وخرج من الغرفة.. وبدأت افكر مرة أخرى في الاشخاص الذين ذكرهم.. وما الذي يدور في ذهن ميمون وسرحت في نوبة تفكير عميقة..
ولكن انتبهت لغياب ميمون عن الغرفة ونظرت الى الباب فوجدت عينًا سحرية فتوقعت انه يراقبني من خلالها..او من خلال كاميرا مخفية عن الاعين.
فتظاهرت بالاسترخاء التام.. وبدأت اتناوم..
وما ان أحس بنومي حتى دخل عليّ وصاح بأعلى صوته:-
قووووم اصحى ليش نااايم هون ما في نوم، ستذهب الآن الى زنزانتك وفكر بالموضوع جيدا.. وعندما تستعد لانهاء الموضوع دق على باب الزنزانة واطلب من الشوتير احضارك الى هنا.. وستأتي مباشرة.
فقطعت عليه تفاؤله:-
لن افعل ذلك ابدافقال لي في حزم.
ستخرج الآن للغداء. وحضر الشوتير وذهب بي الى الزنزانة وسألته ان كان حان موعد الأذان ام لا.. وتناولت الغداء وصليت وارتحت قليلا..وجاء الشوتير ثانية ليأخذني الى نفس مكتب التحقيق..
فكرر عليّ ميمون نفس الاسئلة السابقة عن نفس الاشخاص.. واجبته بنفس الاجابات.. فأنهى الحوار:-
انت حر.. انت الخسران.وخرج من الغرفة مرة أخرى.
فتأكدت من تصميمه على طرح نفس السؤال عليّ بأنه لا يعرف شيئا ويحاول الضغط عليّ بكل الوسائل ليأخذ المعلومات التي يريدها.
ومضت ساعات وانا مقيد على الكرسي ووحيد بالغرفة وبدأ الخدر بتسلل الى جسدي بسبب الجلسة الثابتة التي اجلسها منذ الصباح.. بكل الوسائل ليكشف ما الذي حصل بيني وبين احد الشباب ..
وكاد وقت صلاة العصر ان ينتهي فبدأت بالصراخ:-
شوتيييير شوتيييييييير
فحضر مسرعا وسألني عما اريد.. فأجبته:-
أريد ان اصلي.
فذهب عني واغلق الباب بشدة..فكررت الصراخ:-
شوتيييير شوتييييير فجائني احد المحققين وسألني:-
ماذا تريد-
أريد الصلاة فنادى الشوتير وأمره بانزالي الى الزنزانة.
كنا في وقت المغرب.. توضأت وصليت وفتحت طاقة الباب.. وودت المحقق ميمون ورائهافبدأ بالكلام واقتربت انا بحذر شديد:-
غدا سننهي جميع المواضيع.. الموضوع الفلاني، والفلانين والقصة الفلانيه.ضحكت وقلت له:-
انا لااعلم شيئا فأغلق الطاقه وذهب..
شعرت ان اسلوبه بدأ يؤثر عليّ نفسيا.. واحسست انه يعرف كل شيئ واني مكسور الجناح بين يديه..بدأ خاطر الاعتراف يجتاحني..
صليت وذهني مشتت تماما.. وما ان انتهيت من صلاتي حتى احضروا لي وجبة العشاء.فلم استطع الأكل وانا في هذه الحالة من الانشغال بالتفكير.. وتشاغلت بالصلاة والدعاء والذكر والاستغفار.. وشعرت بيقين وثبات من الله يملأ عليّ وحدتي ويطرد كل هواجس القلق والتردد.. وصببت كل تفكيري في طريقة مواجهة المحقق في يوم الغد وكيفية اقناعه ببرائتي.
وبدأت اكتشف طريقته في التأثير عليّ وان كلماته لي في الزنزانه ما هي الا طريق نفسية لبث القلق في نفسي لأكون لقمة سائغة بين يديه..
وقررت ألا أحقق له امنيته ابدا بعون من الله. وطردت كل تفكير في عقلي بأمور التحقيق وأبدلته بالتفكير في قضاء وقتي في هذا المكان فقررت قراءة ما احفظ من القرآن بصوت مسموع وان اقوم ببعض الرياضات كي لايخمل جسمي في هذه المساحه الضيقة..
وانشدت بعض الاناشيد بصوت عالي وانا ارتب برشي وصنعت وسادة عليه من الغطاء المتهالك..
وعقدت نية الصيام لليوم التالي وقيام الليل في كل ليلة.. الى ان يحين الفرج من رب العالمين وبعد صلاة العشاء استسلمت للنوم ولكن ضوء الزنزانة الخافت حرمني من اغماض عيني..
فابتكرت طريقه احجب شعاعه المزعج.. اخذت محارم كانت موجوده على الأرض وبللتها بالماء ووضعت عليها القليل من المربى كي تلتصق على الضوء.. وبالفعل نجحت الطريقة..
ونمت وانا انوي الاستيقاظ لقيام الليل..
وبعد مدة استيقظت وانا لا اعلم ما الساعه ولكني توقعت اني مازلت في الليل لأن وجبة الافطار لم تحضر بعد.. وكانت من اروع الليالي التي اقمتها بالصلاة..
آيات طويله وسجود خاشع وقلب متصل بالله عز وجل.. وتناولت وجبة العشاء كسحور يساعدني على الصيام..
وكانت وجبة هزيلة جدا بالكاد تشبع طفلا لا تحتوى سوى ملعقة مربى وقطعة زبدة صغيرة الحجم. حاولت معرفة الوقت دون طلب من الشوتير او غيره..
ولكن لا دليل تمددت على البرش.. وذهبت كل خواطري الى اهلي واحوالهم وقلقهم عليّ..
ومر وقت ليس بالقصير.. وشممت رائحة مميزة من طاقات التكييف.. وما اجملها من رائحة.. كانت رائحة الندى التي تسبق طلوع الشمس.. وسعدت كثيرا بأني عرفت طريقة لتحديد موعد صلاة الفجر. فرغت من الصلاة وقرأت أذكار الصباح..
وجاء نفس الصوت المفزع على الابواب.. صوت توزيع وجبات الافطار..
وبداية يوم آخر من التحقيق العصيب ...
يا ترى؟ كيف ستكون الجولة الثانية من التحقيق؟
وكيف ستكون مواجهتي بأصدقائي؟
وماذا سيحدث في غرف العصافير.. وأهلي.. ماذا سيحل بهم بعد ثالث يوم من اعتقالي؟
.. وأمي!! كيف كانت وقائع اعتقالها على سير التحقيق معي..