غياث
1st October 2010, 04:45 PM
رسـالـة الجهــاد
وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ
الموضوع شوي طويل ولكنه مهم وجيميل وشيق :-
الجهاد فريضة على كل مسلم
بسـم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المجاهدين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين ، وعلى آله وصحبه ومن جاهد فى سبيل الله شريعة الى يوم الدين.
فرض الله الجهاد على كل مسلم فريضة لازمة حازمة لامناص منها ولا مفر معها ، ورغب فيه أعظم الترغيب ، وأجزل ثواب المجاهدين والشهداء ، فلم يلحقهم في مثوبتهم إلا من عمل بمثل عملهم ومن اقتدي بهم في جهادهم . ومنحهم من الامتيازات الروحية والعملية في الدنيا والآخرة ما لم يمنح سواهم ، وجعل دماءهم الطاهرة الذكية عربون النصر في الدنيا وعنوان الفوز والفلاح في العقبى ، وتوعد المخلفين القاعدين بأفظع العقوبات ، ورماهم بأبشع النعوت والصفات ووبخهم علي الجبن والقعود ، ونعني عليهم الضعف والتخلف ، وأعد لهم في الدنيا خزياً لا يرفع إلا إن جاهدوا ، وفي الآخرة عذاباً لا يفلتون منه ولو كان لهم مثل أحد ذهباً ، واعتبر القعود والفرار كبيرة من أعظم الكبائر وإحدى الموبقات المهلكات .
ولست تجد نظاماً قديماً أو حديثاً دينياً أو مدنياً ، عني بشأن الجهاد والجندية واستنفار الأمة ، وحشدها كلها صفاً واحداً للدفاع بكل قواها عن الحق ، كما تجد ذلك في دين الإسلام وتعاليمه ، وآيات القرآن ، وأحاديث الرسول العظيم r فياضة بكل هذه المعاني السامية ، داعية بأفصح عبارة وأوضح أسلوب إلي الجهاد والقتال والجندية وتقوية وسائل الدفاع والكفاح بكل أنواعها من برية وبحرية وغيرها علي كل الأحوال والملابسات
بعض آيات الجهاد في القرآن
فمن القرآن الكريم قوله تعالي :
1 – (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:216) .
ومعني كتب : فرض , كما قال تعالي (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ) في نفس السورة وبنفس العبارة والتركيب .
2 – (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ , وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ , وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ) آل عمران الآيات من 156-158 .
ومعني ضربوا في الأرض : خرجوا فيها مجاهدين ، وغزي : غزاة الحرب .
وانظر إلي مقارنة المغفرة والرحمة للقتل أو الموت في سبيل الله في الآية الأولي ، وإلي خلو الآية الثانية من ذلك لخلوها من معني الجهاد ، وفي الآية إشارة إلي أن الجبن من أخلاق الكافرين لا المؤمنين ، فانظر كيف انعكست الآية .
3 – (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ , فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) آل عمران الآيات 169- 175 , فارجع إلى تمامها في المصحف .
4 – (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) سورة النساء الآيات ابتداء من 71 – 78 , فارجع إليها في المصحف الكريم لترى كيف يحض الله المسلمين على الحذر , وممارسة القتال في جيوش او عصابات فرادى كما يقتضيه الحال , وكيف يوبخ القاعدين والجبناء والمخلفين والنفعيين , وكيف يستثير الهمم لحماية الضعفاء وتخليص المظلومين , وكيف يقرن القتال بالصلاة والصوم ويبين أن مثلهما من أركان الإسلام , وكيف يفند شبهات المترددين ويشجع الخائفين أكبر تشجيع على خوض المعامع ومقابلة الموت بصدر رحب وجنان جريء ,مبينا لهم أنالموت سيدركهم لا محالة وأنهم إن ماتوا مجاهدين فسيعوضون عن الحياة أعظم العوض ولا يظلمون فتيلا من نفقة أو تضحية .
نماذج من الأحاديث النبوية في الجهاد
وإليك بعض الأحاديث النبوية الشريفة في ذلك :
1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (والذي نفسي بيده لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم بأن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله , والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحياثم أقتل) رواه البخاري ومسلم .
السرية : القطعة من الجيش لا يكون فيها القائد العام .
2 - عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (والذي نفسي بيده ، لا يكلم أحد في سبيل الله ، والله أعلم بمن يكلم في سبيله ، إلا جاء يوم القيامة ، واللون لون الدم ، والريح ريح المسك). رواه البخاري ومسلم .
الكلم : الجرح , ويكلم : يجرح
3 - عن أنس رضي الله عنه قال : غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر ، فقال : يا رسول الله ، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين ، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع . فلما كان يوم أحد ، وانكشف المسلمون ، قال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ، يعني أصحابه ، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ، يعني المشركين . ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ ، فقال : يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر ، إني أجد ريحها من دون أحد ، قال سعد : فما استطعت يا رسول الله ما صنع ، قال أنس : فوجدنا به بضعا وثمانين : ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون ، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه . قال أنس : كنا نرى ، أو نظن : أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه : (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه). إلى آخر الآية . رواه البخاري
من دون أُحد : أي من جهة جبل أحد .
4 – وعن أم حارثة بن سراقة أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله ، ألا تحدثني عن حارثة - وكان قتل يوم بدر، أصابه سهم غرب - فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك ، اجتهدت عليه في البكاء؟ قال: (يا أم حارثة ، إنها جنان في الجنة ، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى) . أخرجه البخاري
السهم الغرب : الذي لا يعرف راميه
اجتهدت عليه في البكاء : بكيت بكاء شديدا
فانظر يا أخي كيف كانت الجنة تنسيهم الهموم والمصائب وتحملهم على الصبر عند المكاره .
حكم الجهاد عند فقهاء الأمة
مرت بك الآيات الكريمة في فضل الجهاد ، وأحب أن أنقل إليك طرفاً مما قاله فقهاء المذاهب ، حتى المتأخرين منهم في أحكام الجهاد ووجوب الاستعداد ، لتعلم إلي أي حد ضيعت الأمة الإسلامية أحكام دينها في قضية الجهاد بإجماع آراء المسلمين في كل عصر من أعصارهم فاسمع :
1 - قال صاحب (مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر) مقرراً أحكام الجهاد في مذهب الأحناف : ( الجهاد في اللغة بذل ما في الوسع من القول والفعل ، وفي الشريعة قتل الكفار ونحوه من ضربهم ونهب أموالهم وهدم معابدهم وكسر أصنامهم ، والمراد الاجتهاد في تقوية الدين بنحو قتال الحربيين والذميين إذا نقضوا والمرتدين الذين هم أخبث الكفار ، للنقض بعد الإقرار والباغين . بدءاً منا فرض كفاية ، يعني يفرض علينا أن نبدأهم بالقتال بعد بلوغ الدعوة ، وإن لم يقاتلونا ، فيجب علي الإمام أن يبعث سرية إلي دار الحرب كل سنة مرة أو مرتين وعلي الرعية إعانته وإذا قام به بعض سقط عن الباقين ، فإذا لم تقع الكفاية بذلك البعض وجب علي الأقرب فالأقرب ، فإن لم تقع الكفاية إلا بجميع الناس فحينئذ صار فرض عين كالصلاة ،أما الفريضة فلقوله تعالي (فاقتلوا المشركين) ولقولة u (الجهاد ماض إلي يوم القيامة ) وإن تركه الكل أثموا .. إلي أن قال : فإن غلب العدو علي بلد من بلاد الإسلام أو ناحية من نواحيها ففرض عين ، المرأة والعبد بلا إذن الزوج والمولي ، وكذا يخرج الولد من غير إذن والديه ، والغريم بغير إذن دائنه ) .
وفي كتاب البحر : (امرأة مسلمة سبيت بالشرق وجب علي أهل المغرب تخليصها ما لم تدخل حصونهم وحرزهم ).
2 - وقال صاحب ( بلغة السالك لأقرب المسالك في مذهب الإمام مالك) : (الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله تعالي كل سنة فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقي ، ويتعين (أي يصير فرض عين كالصلاة والصوم ) بتعيين الإمام وبهجوم العدو علي محله قوم ، فيتعين عليهم وعلي من بقربهم إن عجزوا ، ويتعين علي المرأة والرقيق مع هذه الحالة ولو منعهم الولي والزوج والسيد و رب الدين إن كان مديناً ، ويتعين أيضاً بالنذر ، وللوالدين المنع في فرض الكفاية فقط ، وفك الأسير من الحربيين وإن لم يكن له مال يفك منه فرض كفاية وإن أتي علي جميع أموال المسلمين) .
3 - ومتن المناهج للإمام النووي الشافعي : (كان الجهاد في عهد رسول الله r فرض كفاية وقيل عين ، وأما بعده فللكفار حالان :
أحدهما - يكونون ببلادهم ففرض كفاية ، إذا فعله من فيهم الكفاية من المسلمين سقط الحجر عن الباقي .
والثاني - يدخلون بلدة لنا فيلزم أهلها الدفع بالممكن وإن أمكن تأهب لقتال وجب الممكن حتى علي فقير وولد ومدين وعبد بلا إذن).
لمـاذا يقاتـل المسـلم؟
أتي علي الناس حين من الدهر وهم يغمزون الإسلام فرضية الجهاد وإباحاته ، حتى تحققت الآيات الكريمة : (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) (فصلت:53) . فها هم الآن يعترفون بأن الاستعداد هو أضمن طريق للسلام . فرض الله الجهاد علي المسلمين لا آداه العدوان ولا وسيلة للمطامع الشخصية ولكن ضمان للسلام وآداه للرسالة الكبرى التي حمل عبئها المسلمون ، رسالة هداية الناس إلي الحق والعدل ، وإن الإسلام كما فرض القتال شاد بالسلام فقال تبارك وتعالي : (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) (لأنفال:61).
كان المسلم يخرج للقتال وفي نفسه أمر واحد أن يجاهد لتكون كلمة الله هي العليا ، وقد فرض دينه عليه أن بهذا المقصد غاية أخري فحب الجاه عليه حرام ، وحب الظهور عليه حرام ، وحب المال عليه حرام ، والغلول من الغنيمة عليه حرام ، وقصد الغلب بغير الحق عليه حرام . والحلال أمر واحد أن يقدم دمائه وروحه فداء لعقيدته وهداية للناس
عن الحارس بن مسلم بن الحارس عن أبيه قال : (بعثنا رسول الله r في سرية ، فلما بلغنا المغار استحثثت فرسي فسبقت أصحابي ، فتلقاني أهل الحي بالرنين ، فقلت لهم : قولوا لا إله إلا الله تحرزوا ، فقالوها ، فلامني أصحابي وقالوا : حرمتنا الغنيمة ، فلما قدمنا علي رسول الله r أخبروه بالذي صنعت ، فدعاني فحسن لي ما صنعت ثم قال لي : (ألا إن الله تعالي قد كتب لك بكل إنسان كذا وكذا من الأجر) ، وقال : (أما إني سأكتب لك بالوصاية بعدي) ، ففعل وختم عليه ودفعه إلي) أخرجه أبو داوود.
وعن شداد بن الهادي رضي الله عنه : أن رجلاً من الأعراب جاء فآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، فكانت غزاة غنم فيها النبي صلى الله علية وسلم شيئا فقسم وقسم له . فقال : ما هذا : فقال : (قسمته لك) . فقال : ما على هذا اتبعتك ، ولكنى اتبعتك على إن أرمى إلى ههنا ـ وأشار بيده حلقه ـ بسهم فأموت فادخل الجنة . قال : (إن تصدق الله يصدقك) . فلبثوا قليلا ثم نهضوا في قتال العدو فأتى به النبي محمولا قد أصابه سهم حيث اشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اهو هو ؟ قالوا : نعم . قال (صدق الله فصدقه) , ثم كفن في جبه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدمه فصلى عليه . فكن مما ظهر من صلاته : (اللهم هذا عبدك خرج ما مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا وأنا شهيد على ذلك). أخرجه أبو داود .
وعن أبي هريرة t ( أن رجلاً قال : يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضاً من الدنيا فقال : (لا أجر له) . فأعادها عليه ثلاثاً كل ذلك يقول : (لا أجر له) أخرجه أبو داود .
وعن أبي موسى t قال : (سئل رسول الله r عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله ؟
قال : (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) أخرجه الخمسة .
وأنت إذا قرأت وقائع الصحابة رضوان الله عليهم ومسالكهم في البلاد التي فتحوها ، رأيت مبلغ عزوفهم عن المطامع والأهواء وانصرافهم لغايتهم الأساسية الأصلية ، وهي إرشاد الخلق إلي الحق حتى تكون كلمة الله هي العليا ورأيت مبلغ الخطأ في اتهامهم رضوان الله عليهم بأنهم إنما كانوا يريدون الغلب علي الشعوب والاستبداد بالأمم والحصول علي الأرزاق .
ما يلحق بالجهاد
شاع بين كثير من المسلمين أن قتال العدو هو الجهاد الأصغر وأن هناك جهاداً أكبر هو جهاد النفس ، وكثير منهم يستدل لذلك بما يروي : (رجعنا من الجهاد الأصغر إلي الجهاد الأكبر ، قالوا وما الجهاد الأكبر ؟ قال جهاد القلب أو جهاد النفس ) .
وبعضهم يحاول بهذا أن يصرف الناس عن أهمية القتال والاستعداد له ونية الجهاد والأخذ في سبيله . فأما هذا الأثر فليس بحديث علي الصحيح ، قال أمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر في تسديد القوس : هو مشهور علي الألسنة وهو من كلام إبراهيم بن عبلة .
وقال العراقي في تخريج أحاديث الأحياء : رواه البيهقي بسند ضعيف عن جابر ، ورواه الخطيب في تاريخه عن جابر ؛ علي أنه لو صح فليس يعطي أبداً الانصراف عن الجهاد والاستعداد لإنقاذ بلاد المسلمين ورد عادية أهل الكفر عنها ، وإنما يكون معناه وجوب مجاهدة النفس حتى تخلص لله في كل عملها ، فليعلم . وهناك أمور تلحق بالجهاد منها : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد جاء في الحديث : (إن من أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) .
ولكن شيئاً منها لا يوجب لصاحبه الشهادة الكبرى وثواب المجاهدين إلا أن يَقتل أو يقتل في سبيل الله .
خـاتمـة
أيهـا الإخـوة :
إن الأمة التي تحسن صناعة الموت ، وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة ، يهب لها الله الحياة العزيزة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة , وما الوهن الذي أذلنا ألا حب الدنيا وكراهية الموت ، فاعدوا أنفسكم لعمل عظيم واحرصوا على الموت توهب لكم الحياة .
واعلموا أن الموت لابد منه وأنه لا يكون إلا مرة واحدة ، فان جعلتموها فى سبيل الله كان ذلك ربح الدنيا وثواب الآخرة، وما يصيبكم إلا ما كتب الله لكم ، و تدبروا جيداً قول الله تبارك وتعالى : (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (آل عمران:154) .
فاعملوا للموتة الكريمة تظفروا بالسعادة الكاملة , رزقنا الله وإياكم وكرامة الاستشهاد فى سبيله .
حسـن البنــا
وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ
الموضوع شوي طويل ولكنه مهم وجيميل وشيق :-
الجهاد فريضة على كل مسلم
بسـم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المجاهدين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين ، وعلى آله وصحبه ومن جاهد فى سبيل الله شريعة الى يوم الدين.
فرض الله الجهاد على كل مسلم فريضة لازمة حازمة لامناص منها ولا مفر معها ، ورغب فيه أعظم الترغيب ، وأجزل ثواب المجاهدين والشهداء ، فلم يلحقهم في مثوبتهم إلا من عمل بمثل عملهم ومن اقتدي بهم في جهادهم . ومنحهم من الامتيازات الروحية والعملية في الدنيا والآخرة ما لم يمنح سواهم ، وجعل دماءهم الطاهرة الذكية عربون النصر في الدنيا وعنوان الفوز والفلاح في العقبى ، وتوعد المخلفين القاعدين بأفظع العقوبات ، ورماهم بأبشع النعوت والصفات ووبخهم علي الجبن والقعود ، ونعني عليهم الضعف والتخلف ، وأعد لهم في الدنيا خزياً لا يرفع إلا إن جاهدوا ، وفي الآخرة عذاباً لا يفلتون منه ولو كان لهم مثل أحد ذهباً ، واعتبر القعود والفرار كبيرة من أعظم الكبائر وإحدى الموبقات المهلكات .
ولست تجد نظاماً قديماً أو حديثاً دينياً أو مدنياً ، عني بشأن الجهاد والجندية واستنفار الأمة ، وحشدها كلها صفاً واحداً للدفاع بكل قواها عن الحق ، كما تجد ذلك في دين الإسلام وتعاليمه ، وآيات القرآن ، وأحاديث الرسول العظيم r فياضة بكل هذه المعاني السامية ، داعية بأفصح عبارة وأوضح أسلوب إلي الجهاد والقتال والجندية وتقوية وسائل الدفاع والكفاح بكل أنواعها من برية وبحرية وغيرها علي كل الأحوال والملابسات
بعض آيات الجهاد في القرآن
فمن القرآن الكريم قوله تعالي :
1 – (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:216) .
ومعني كتب : فرض , كما قال تعالي (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ) في نفس السورة وبنفس العبارة والتركيب .
2 – (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ , وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ , وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ) آل عمران الآيات من 156-158 .
ومعني ضربوا في الأرض : خرجوا فيها مجاهدين ، وغزي : غزاة الحرب .
وانظر إلي مقارنة المغفرة والرحمة للقتل أو الموت في سبيل الله في الآية الأولي ، وإلي خلو الآية الثانية من ذلك لخلوها من معني الجهاد ، وفي الآية إشارة إلي أن الجبن من أخلاق الكافرين لا المؤمنين ، فانظر كيف انعكست الآية .
3 – (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ , فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) آل عمران الآيات 169- 175 , فارجع إلى تمامها في المصحف .
4 – (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) سورة النساء الآيات ابتداء من 71 – 78 , فارجع إليها في المصحف الكريم لترى كيف يحض الله المسلمين على الحذر , وممارسة القتال في جيوش او عصابات فرادى كما يقتضيه الحال , وكيف يوبخ القاعدين والجبناء والمخلفين والنفعيين , وكيف يستثير الهمم لحماية الضعفاء وتخليص المظلومين , وكيف يقرن القتال بالصلاة والصوم ويبين أن مثلهما من أركان الإسلام , وكيف يفند شبهات المترددين ويشجع الخائفين أكبر تشجيع على خوض المعامع ومقابلة الموت بصدر رحب وجنان جريء ,مبينا لهم أنالموت سيدركهم لا محالة وأنهم إن ماتوا مجاهدين فسيعوضون عن الحياة أعظم العوض ولا يظلمون فتيلا من نفقة أو تضحية .
نماذج من الأحاديث النبوية في الجهاد
وإليك بعض الأحاديث النبوية الشريفة في ذلك :
1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (والذي نفسي بيده لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم بأن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله , والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحياثم أقتل) رواه البخاري ومسلم .
السرية : القطعة من الجيش لا يكون فيها القائد العام .
2 - عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (والذي نفسي بيده ، لا يكلم أحد في سبيل الله ، والله أعلم بمن يكلم في سبيله ، إلا جاء يوم القيامة ، واللون لون الدم ، والريح ريح المسك). رواه البخاري ومسلم .
الكلم : الجرح , ويكلم : يجرح
3 - عن أنس رضي الله عنه قال : غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر ، فقال : يا رسول الله ، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين ، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع . فلما كان يوم أحد ، وانكشف المسلمون ، قال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ، يعني أصحابه ، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ، يعني المشركين . ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ ، فقال : يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر ، إني أجد ريحها من دون أحد ، قال سعد : فما استطعت يا رسول الله ما صنع ، قال أنس : فوجدنا به بضعا وثمانين : ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون ، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه . قال أنس : كنا نرى ، أو نظن : أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه : (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه). إلى آخر الآية . رواه البخاري
من دون أُحد : أي من جهة جبل أحد .
4 – وعن أم حارثة بن سراقة أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا نبي الله ، ألا تحدثني عن حارثة - وكان قتل يوم بدر، أصابه سهم غرب - فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك ، اجتهدت عليه في البكاء؟ قال: (يا أم حارثة ، إنها جنان في الجنة ، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى) . أخرجه البخاري
السهم الغرب : الذي لا يعرف راميه
اجتهدت عليه في البكاء : بكيت بكاء شديدا
فانظر يا أخي كيف كانت الجنة تنسيهم الهموم والمصائب وتحملهم على الصبر عند المكاره .
حكم الجهاد عند فقهاء الأمة
مرت بك الآيات الكريمة في فضل الجهاد ، وأحب أن أنقل إليك طرفاً مما قاله فقهاء المذاهب ، حتى المتأخرين منهم في أحكام الجهاد ووجوب الاستعداد ، لتعلم إلي أي حد ضيعت الأمة الإسلامية أحكام دينها في قضية الجهاد بإجماع آراء المسلمين في كل عصر من أعصارهم فاسمع :
1 - قال صاحب (مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر) مقرراً أحكام الجهاد في مذهب الأحناف : ( الجهاد في اللغة بذل ما في الوسع من القول والفعل ، وفي الشريعة قتل الكفار ونحوه من ضربهم ونهب أموالهم وهدم معابدهم وكسر أصنامهم ، والمراد الاجتهاد في تقوية الدين بنحو قتال الحربيين والذميين إذا نقضوا والمرتدين الذين هم أخبث الكفار ، للنقض بعد الإقرار والباغين . بدءاً منا فرض كفاية ، يعني يفرض علينا أن نبدأهم بالقتال بعد بلوغ الدعوة ، وإن لم يقاتلونا ، فيجب علي الإمام أن يبعث سرية إلي دار الحرب كل سنة مرة أو مرتين وعلي الرعية إعانته وإذا قام به بعض سقط عن الباقين ، فإذا لم تقع الكفاية بذلك البعض وجب علي الأقرب فالأقرب ، فإن لم تقع الكفاية إلا بجميع الناس فحينئذ صار فرض عين كالصلاة ،أما الفريضة فلقوله تعالي (فاقتلوا المشركين) ولقولة u (الجهاد ماض إلي يوم القيامة ) وإن تركه الكل أثموا .. إلي أن قال : فإن غلب العدو علي بلد من بلاد الإسلام أو ناحية من نواحيها ففرض عين ، المرأة والعبد بلا إذن الزوج والمولي ، وكذا يخرج الولد من غير إذن والديه ، والغريم بغير إذن دائنه ) .
وفي كتاب البحر : (امرأة مسلمة سبيت بالشرق وجب علي أهل المغرب تخليصها ما لم تدخل حصونهم وحرزهم ).
2 - وقال صاحب ( بلغة السالك لأقرب المسالك في مذهب الإمام مالك) : (الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله تعالي كل سنة فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقي ، ويتعين (أي يصير فرض عين كالصلاة والصوم ) بتعيين الإمام وبهجوم العدو علي محله قوم ، فيتعين عليهم وعلي من بقربهم إن عجزوا ، ويتعين علي المرأة والرقيق مع هذه الحالة ولو منعهم الولي والزوج والسيد و رب الدين إن كان مديناً ، ويتعين أيضاً بالنذر ، وللوالدين المنع في فرض الكفاية فقط ، وفك الأسير من الحربيين وإن لم يكن له مال يفك منه فرض كفاية وإن أتي علي جميع أموال المسلمين) .
3 - ومتن المناهج للإمام النووي الشافعي : (كان الجهاد في عهد رسول الله r فرض كفاية وقيل عين ، وأما بعده فللكفار حالان :
أحدهما - يكونون ببلادهم ففرض كفاية ، إذا فعله من فيهم الكفاية من المسلمين سقط الحجر عن الباقي .
والثاني - يدخلون بلدة لنا فيلزم أهلها الدفع بالممكن وإن أمكن تأهب لقتال وجب الممكن حتى علي فقير وولد ومدين وعبد بلا إذن).
لمـاذا يقاتـل المسـلم؟
أتي علي الناس حين من الدهر وهم يغمزون الإسلام فرضية الجهاد وإباحاته ، حتى تحققت الآيات الكريمة : (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) (فصلت:53) . فها هم الآن يعترفون بأن الاستعداد هو أضمن طريق للسلام . فرض الله الجهاد علي المسلمين لا آداه العدوان ولا وسيلة للمطامع الشخصية ولكن ضمان للسلام وآداه للرسالة الكبرى التي حمل عبئها المسلمون ، رسالة هداية الناس إلي الحق والعدل ، وإن الإسلام كما فرض القتال شاد بالسلام فقال تبارك وتعالي : (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) (لأنفال:61).
كان المسلم يخرج للقتال وفي نفسه أمر واحد أن يجاهد لتكون كلمة الله هي العليا ، وقد فرض دينه عليه أن بهذا المقصد غاية أخري فحب الجاه عليه حرام ، وحب الظهور عليه حرام ، وحب المال عليه حرام ، والغلول من الغنيمة عليه حرام ، وقصد الغلب بغير الحق عليه حرام . والحلال أمر واحد أن يقدم دمائه وروحه فداء لعقيدته وهداية للناس
عن الحارس بن مسلم بن الحارس عن أبيه قال : (بعثنا رسول الله r في سرية ، فلما بلغنا المغار استحثثت فرسي فسبقت أصحابي ، فتلقاني أهل الحي بالرنين ، فقلت لهم : قولوا لا إله إلا الله تحرزوا ، فقالوها ، فلامني أصحابي وقالوا : حرمتنا الغنيمة ، فلما قدمنا علي رسول الله r أخبروه بالذي صنعت ، فدعاني فحسن لي ما صنعت ثم قال لي : (ألا إن الله تعالي قد كتب لك بكل إنسان كذا وكذا من الأجر) ، وقال : (أما إني سأكتب لك بالوصاية بعدي) ، ففعل وختم عليه ودفعه إلي) أخرجه أبو داوود.
وعن شداد بن الهادي رضي الله عنه : أن رجلاً من الأعراب جاء فآمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، فكانت غزاة غنم فيها النبي صلى الله علية وسلم شيئا فقسم وقسم له . فقال : ما هذا : فقال : (قسمته لك) . فقال : ما على هذا اتبعتك ، ولكنى اتبعتك على إن أرمى إلى ههنا ـ وأشار بيده حلقه ـ بسهم فأموت فادخل الجنة . قال : (إن تصدق الله يصدقك) . فلبثوا قليلا ثم نهضوا في قتال العدو فأتى به النبي محمولا قد أصابه سهم حيث اشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اهو هو ؟ قالوا : نعم . قال (صدق الله فصدقه) , ثم كفن في جبه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدمه فصلى عليه . فكن مما ظهر من صلاته : (اللهم هذا عبدك خرج ما مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا وأنا شهيد على ذلك). أخرجه أبو داود .
وعن أبي هريرة t ( أن رجلاً قال : يا رسول الله رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عرضاً من الدنيا فقال : (لا أجر له) . فأعادها عليه ثلاثاً كل ذلك يقول : (لا أجر له) أخرجه أبو داود .
وعن أبي موسى t قال : (سئل رسول الله r عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله ؟
قال : (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) أخرجه الخمسة .
وأنت إذا قرأت وقائع الصحابة رضوان الله عليهم ومسالكهم في البلاد التي فتحوها ، رأيت مبلغ عزوفهم عن المطامع والأهواء وانصرافهم لغايتهم الأساسية الأصلية ، وهي إرشاد الخلق إلي الحق حتى تكون كلمة الله هي العليا ورأيت مبلغ الخطأ في اتهامهم رضوان الله عليهم بأنهم إنما كانوا يريدون الغلب علي الشعوب والاستبداد بالأمم والحصول علي الأرزاق .
ما يلحق بالجهاد
شاع بين كثير من المسلمين أن قتال العدو هو الجهاد الأصغر وأن هناك جهاداً أكبر هو جهاد النفس ، وكثير منهم يستدل لذلك بما يروي : (رجعنا من الجهاد الأصغر إلي الجهاد الأكبر ، قالوا وما الجهاد الأكبر ؟ قال جهاد القلب أو جهاد النفس ) .
وبعضهم يحاول بهذا أن يصرف الناس عن أهمية القتال والاستعداد له ونية الجهاد والأخذ في سبيله . فأما هذا الأثر فليس بحديث علي الصحيح ، قال أمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر في تسديد القوس : هو مشهور علي الألسنة وهو من كلام إبراهيم بن عبلة .
وقال العراقي في تخريج أحاديث الأحياء : رواه البيهقي بسند ضعيف عن جابر ، ورواه الخطيب في تاريخه عن جابر ؛ علي أنه لو صح فليس يعطي أبداً الانصراف عن الجهاد والاستعداد لإنقاذ بلاد المسلمين ورد عادية أهل الكفر عنها ، وإنما يكون معناه وجوب مجاهدة النفس حتى تخلص لله في كل عملها ، فليعلم . وهناك أمور تلحق بالجهاد منها : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد جاء في الحديث : (إن من أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) .
ولكن شيئاً منها لا يوجب لصاحبه الشهادة الكبرى وثواب المجاهدين إلا أن يَقتل أو يقتل في سبيل الله .
خـاتمـة
أيهـا الإخـوة :
إن الأمة التي تحسن صناعة الموت ، وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة ، يهب لها الله الحياة العزيزة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة , وما الوهن الذي أذلنا ألا حب الدنيا وكراهية الموت ، فاعدوا أنفسكم لعمل عظيم واحرصوا على الموت توهب لكم الحياة .
واعلموا أن الموت لابد منه وأنه لا يكون إلا مرة واحدة ، فان جعلتموها فى سبيل الله كان ذلك ربح الدنيا وثواب الآخرة، وما يصيبكم إلا ما كتب الله لكم ، و تدبروا جيداً قول الله تبارك وتعالى : (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (آل عمران:154) .
فاعملوا للموتة الكريمة تظفروا بالسعادة الكاملة , رزقنا الله وإياكم وكرامة الاستشهاد فى سبيله .
حسـن البنــا