مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة من أعلام الحركة الإسلامية
أم محمد
7th January 2008, 10:13 PM
حسن البنا.. رحلة لم تنته
http://admins.20at.com/mosab/ikhwan_naser2%5B1%5D.jpg
هذه السطور ليست من نسج الخيال، ولكنها واقعة حقيقية حدثت منذ أكثر من نصف قرن من الزمان، وربما تتكرر، ومن يدري.
المكان: القاهرة - منطقة الحلمية.
الزمان: بعد منتصف الليل يوم 12 فبراير من عام 1949.
الوقائع: تتقدم قافلة من عربات الشرطة في سكون الليل، تصل إلى أحد شوارع الحلمية بمدينة القاهرة، تتوقف السيارات، يندفع الجند بأسلحتهم لحصار الشارع كله، وتُشدد الحراسة، حول بيت متواضع في منتصف الشارع، تتقدم إحدى سيارات الشرطة إلى هذا البيت، صف من الجنود ينقُلون جسد ميتٍ من السيارة إلى البيت في سرعة، يطرقون بابًا في أعلاه، يفتح الباب شيخ جاوز التسعين من عمره، يدخل عدد من الضباط إلى البيت قبل دخول الجثمان للتأكد من عدم وجود آخرين به، التعليمات صارمة للشيخ، لا صوت، لا عزاء، ولا حتى أحد من المتخصصين في إعداد الموتى، فقط أنت وأهل البيت، في تمام التاسعة صباحًا يتم دفن الميت.
كان الشيخ هو والد المتوفّى، ورغم الفجيعة، ورغم شيخوخته، قام بإعداد ابنه للدفن، ويمسح الشيخ دماء ابنه من أثر الرصاصات التي سكنت جسده.
ويأتي الصباح، ويأتي الضباط في موعدهم، هلمّ بابنك لتدفنه، فيصرخ الأب ذو التسعين عامًا، كيف لي بحمله؟ فليحمله الجنود! فيرفض الضباط، ويكون الرد فليحمله أهل البيت، وكان المُتوفّى له بنات وصبي صغير.
ويتقدم الجثمان في الطريق تحمله زوجته وبناته، وخلفه فقط والده، ومن تجرأ على السير في الجنازة كان المعتقل مآله، وتصل الجنازة إلى المسجد للصلاة على الفقيد، فإذا به خاليًا حتى من خدمه، فيصلي الوالد ومن خلفه أهل البيت من النساء، ويقومون بإنزاله إلى قبره، ويعود الجميع إلى البيت في حراسة مشددة، هذه هي جنازة الإمام الشهيد ""حسن البَنَّا""، ويتم إلقاء القبض على كثير من الجيران، لا لشيء إلا لمجرد كلمة عزاء قالوها لهذه الأسرة، ويستمر الحصار ليس على البيت خشية ثورة من يأتي للعزاء، ولكن أيضًا يستمر الحصار حول القبر، خشية أن يأتي من يُخرج الجثة ويفضح الجريمة، بل وانتشرت قوات الشرطة في المساجد؛ لتأمر بغلقها عقب كل صلاة، خشية أن يتجرأ أحد بالصلاة على الفقيد.
وعلى الجانب الآخر كان ملك البلاد قد أجّل الاحتفال بعيد ميلاده من 11 فبراير إلى 12 فبراير؛ ليحتفل مع من يحتفل بموت هذا الرجل، ويروي أحد المفكرين أنه شاهد احتفالات في أحد الفنادق في الولايات المتحدة الأمريكية، وعندما تقصّى سبب هذا الاحتفال، عرف أنه ابتهاجٌ بموت هذا الرجل. وإن كان الحق ما يشهد به الأعداء فإن مراكز الأبحاث في فرنسا وأمريكا اشتركت في وضع قائمة بأهم مائة شخصية أثّرت في العالم في القرن العشرين، فكان من العالم العربي اثنان هما: الإمام الشهيد ""حسن البنا""، والآخر هو جمال عبد الناصر.
المولد و النشأة
هو حسن أحمد عبد الرحمن البنا، ولد في المحمودية، من أعمال محافظة البحيرة بدلتا النيل، وذلك يوم الأحد 25 شعبان سنة 1324هـ الموافق 14 أكتوبر سنة 1906م، وهو ينتسب إلى أسرة ريفية متوسطة الحال من صميم الشعب المصري، كانت تعمل بالزراعة في إحدى قرى الدلتا هي قرية ""شمشيرة"" [قرب مدينة رشيد الساحلية. ومطلة على النيل في مواجهة بلدة إدفينا، تابعة لمركز فوة بمحافظة البحيرة].
كان جده عبد الرحمن فلاحاً ابن فلاح من صغار الملاّك، وقد نشأ الشيخ أحمد - أصغر أبنائه ووالد حسن البَنّا - نشأةً أبعدته عن العمل بالزراعة؛ تحقيقًا لرغبة والدته، فالتحق بكتاب القرية حيث حفظ القرآن الكريم وتعلّم أحكام التجويد، ثم درس بعد ذلك علوم الشريعة في جامع إبراهيم باشا بالإسكندرية، والتحق أثناء دراسته بأكبر محل لإصلاح الساعات في الإسكندرية حيث أتقن الصنعة، وأصبحت بعد ذلك حرفة له وتجارة، ومن هنا جاءت شهرته بـ ""الساعاتي"".
وقد أهّل الشيخ نفسه ليكون من علماء الحديث، فبَرَع فيه، وله أعمال كثيرة خدم بها السنة النبوية أشهرها كتابه ""الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني""، وفي كنفه نشأ ""حسن البَنّا"" فتطبع بالكثير من طباعه، وتعلم على يديه حرفة ""إصلاح الساعات"" وتجليد الكتب أيضًا.
بداية الرحلة
بدأ ""حسن البَنّا"" تعليمه في مكتب تحفيظ القرآن بالمحمودية، وتنقل بين أكثر من كُتّاب حتى أن أباه أرسله إلى كتّاب في بلدة مجاورة للمحمودية. وكانت المدة التي قضاها في الكتاتيب وجيزة لم يتم حفظ القرآن خلالها؛ إذ كان دائم التبرم من نظام ""الكُتّاب""، ولم يُطِق أن يستمر فيه، فالتحق بالمدرسة الإعدادية رغم معارضة والده الذي كان يحرص على أن يحفّظه القرآن، ولم يوافق على التحاقه بالمدرسة إلا بعد أن تعهّد له ""حَسَن"" بأن يتم حفظ القرآن في منزله.
وبعد إتمامه المرحلة الإعدادية التحق بمدرسة ""المعلمين الأولية"" بدمنهور، وفي سنة 1923 التحق بكلية ""دار العلوم"" بالقاهرة، وفي سنة 1927 تخرج فيها، وقد قُدّر له أن يلتحق بها وهي في أكثر أطوارها تقلبًا وتغيرًا، خاصة في مناهجها الدراسية التي أضيفت إليها آنذاك، دروس في علم الحياة، ونظم الحكومات، والاقتصاد السياسي، فكان نصيبه أن يتلقى تلك الدروس إلى جانب الدروس الأخرى في اللغة والأدب والشريعة وفي الجغرافيا والتاريخ.
وكان لديه مكتبة ضخمة تحتوي على عدة آلاف من الكتب في المجالات المذكورة، إضافة إلى أعداد أربع عشرة مجلة من المجلات الدورية، التي كانت تصدر في مصر مثل مجلة المقتطف، ومجلة الفتح، ومجلة المنار وغيرها، ولا تزال مكتبته إلى الآن في حوزة ولده الأستاذ ""سيف الإسلام"".
أمضى البَنّا تسعة عشر عامًا مدرسًا بالمدارس الابتدائية؛ في الإسماعيلية، ثم في القاهرة، وعندما استقال من وظيفته كمدرس في سنة 1946 كان قد نال الدرجة الخامسة في الكادر الوظيفي الحكومي، وبعد استقالته عمل لمدة قصيرة في جريدة ""الإخوان المسلمون"" اليومية، ثم أصدر مجلة ""الشهاب"" الشهرية ابتداءً من سنة 1947؛ لتكون مصدراً مستقلاً لرزقه، ولكنها أغلقت بحل جماعة الإخوان المسلمين في 8 ديسمبر 1948.
مؤثرات و تأثيرات
تأثر الشيخ حسن البَنّا بعدد كبير من الشيوخ والأساتذة، منهم والده الشيخ أحمد والشيخ محمد زهران – صاحب مجلة الإسعاد وصاحب مدرسة الرشاد التي التحق بها حسن البَنّا لفترة وجيزة بالمحمودية – ومنهم أيضاً الشيخ طنطاوي جوهري صاحب تفسير القرآن""الجواهر""، ورأس تحرير أول جريدة أصدرها الإخوان المسلمون سنة 1933، عَمِلَ حسن البَنّا بعد تخرجه في دار العلوم سنة 1927 مدرسًا بإحدى المدارس الابتدائية بمدينة الإسماعيلية، وفي السنة التالية 1928 أسس جماعة الإخوان المسلمين، ولكنه قبل أن يؤسسها كان قد انخرط في عدد من الجمعيات والجماعات الدينية مثل ""جمعية الأخلاق الأدبية""، و""جمعية منع المحرمات"" في المحمودية، و""الطريقة الحصافية"" الصوفية في دمنهور، وشارك أيضاً في تأسيس جمعية الشبان المسلمين سنة 1927، وكان أحد أعضائها. أما جماعة الإخوان المسلمين التي أسسها فقد نمت وتطورت وانتشرت في مختلف فئات المجتمع، حتى أصبحت في أواخر الأربعينيات أقوى قوة اجتماعية سياسية منظمة في مصر، كما أصبح لها فروع في كثير من البلدان العربية والإسلامية.
وكان البَنّا يؤكد دومًا على أن جماعته ليست حزبًا سياسيًّا، بل هي فكرة تجمع كل المعاني الإصلاحية، وتسعى إلى العودة للإسلام الصحيح الصافي، واتخاذه منهجًا شاملاً للحياة.
ويقوم منهجه الإصلاحي على ""التربية""، و""التدرج"" في إحداث التغيير المنشود، ويتلخص هذا المنهج في تكوين ""الفرد المسلم"" و""الأسرة المسلمة""، ثم ""المجتمع المسلم""، ثم ""الحكومة المسلمة""، فالدولة، فالخلافة الإسلامية، وأخيرًا يكون الوصول إلى ""أستاذية العالم"".
قاد البَنّا جماعة الإخوان المسلمين على مدى عقدين من الزمان [1928-1949]، وخاض بها العديد من المعارك السياسية مع الأحزاب الأخرى، وخاصة حزب الوفد والحزب السعدي، ولكنه وجّه أغلب نشاط الجماعة إلى ميدان القضية الوطنية المصرية التي احتدمت بعد الحرب العالمية الثانية، ونادى في ذلك الحين بخروج مصر من الكتلة الإسترلينية للضغط على بريطانيا حتى تستجيب للمطالب الوطنية. وفي هذا السياق قام الإخوان بعقد المؤتمرات، وتسيير المظاهرات للمطالبة بحقوق البلاد، كما قاموا بسلسلة من الاغتيالات السياسية للضباط الإنجليز، ولجنود الاحتلال، وخاصة في منطقة قناة السويس.
وقد أولى البَنّا اهتمامًا خاصًّا بقضية فلسطين، واعتبرها ""قضية العالم الإسلامي بأسره""، وكان يؤكد دومًا على أن ""الإنجليز واليهود لن يفهموا إلا لغة واحدة، هي لغة الثورة والقوة والدم""، وأدرك حقيقة التحالف الغربي الصهيوني ضد الأمة الإسلامية، ودعا إلى رفض قرار تقسيم فلسطين الذي صدر عن الأمم المتحدة سنة 1947، ووجه نداءً إلى المسلمين كافة - وإلى الإخوان خاصة - لأداء فريضة الجهاد على أرض فلسطين حتى يمكن الاحتفاظ بها عربية مسلمة، وقال: ""إن الإخوان المسلمين سيبذلون أرواحهم وأموالهم في سبيل بقاء كل شبر من فلسطين إسلاميًّا عربيًّا حتى يرث الله الأرض ومن عليها"". واتخذت الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين قرارًا في 6 مايو سنة 1948 ينص على إعلان الجهاد المقدس ضد اليهودية المعتدية، وأرسل البَنّا كتائب المجاهدين من الإخوان إلى فلسطين في حرب سنة 1948. وكان ذلك من أسباب إقدام الحكومة المصرية آنذاك على حل جماعة الإخوان في ديسمبر سنة 1948؛ الأمر الذي أدى إلى وقوع الصدام بين الإخوان وحكومة النقراشي.
كان للبَنّا آراء سديدة ونظرات ثاقبة في قضية النهضة التي تشغل المسلمين منذ قرنين من الزمان وما زالوا ينشدونها. فقد ربطها بقضية التحرر من الاستعمار والتبعية لأوربا من ناحية، وبالتقدم العلمي الذي يجب أن يحققه المسلمون من ناحية أخرى، وفي ذلك يقول: ""لن تنصلح لنا حال، ولن تنفذ لنا خطة إصلاح في الداخل ما لم نتحرر من قيد التدخل الأجنبي""، ويقول: ""لا نهضة للأمة بغير العلم وما ساد الكفار إلا بالعلم""، وكان يرى أن تبعية المسلمين لأوروبا في عاداتها وتقاليدها تحول بينهم وبين استقلالهم ونهضتهم، يقول: ""أليس من التناقض العجيب أن نرفع عقائرنا (أصواتنا) بالمطالبة بالخلاص من أوروبا، ونحتج أشد الاحتجاج على أعمالها، ثم نحن من ناحية أخرى نقدس تقاليدها، ونتعود عاداتها، ونفضل بضائعها؟!
ويرى كذلك أن قضية المرأة من أهم القضايا الاجتماعية؛ ولذلك فقد اهتم بها منذ بداية تأسيسه لجماعة الإخوان، فأنشأ لها قسمًا خاصًّا باسم ""الأخوات المسلمات"". وأكد كثيرًا على أن الإسلام أعطى للمرأة كافة الحقوق الشخصية والمدنية والسياسية، وفي الوقت نفسه وضع لها ضوابط تجب مراعاتها عند ممارسة تلك الحقوق.
ولم يَدْعُ البَنّا قط إلى إقامة نظام حكم ديني ثيوقراطي بالمعنى الذي عرفته أوروبا في عصورها الوسطى، بل دعا إلى إقامة حكم إسلامي على أساس الشورى والحرية والعدل والمساواة. وقبل قبولاً صريحًا بصيغة الحكم الدستوري النيابي، واعتبره أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام، ورأى أن تلك الصيغة إذا طبقت كما ينبغي فإنها تضمن تحقيق المبادئ الثلاثة التي يقوم عليها الحكم الإسلامي، وهي ""مسئولية الحاكم""، و""وحدة الأمة""، و""احترام إرادتها"".
مؤلفاته
ولا تُعرف لحسن البَنّا كتب أو مؤلفات خاصة سوى عدد من الرسائل مجموعة ومطبوعة عدة طبعات بعنوان ""رسائل الإمام الشهيد حسن البنا"" ، وهي تعتبر مرجعًا أساسيًّا للتعرف على فكر ومنهج جماعة الإخوان بصفة عامة. وله مذكرات مطبوعة عدة طبعات أيضًا بعنوان ""مذكرات الدعوة والداعية"" ، ولكنها لا تغطّي كل مراحل حياته وتتوقف عند سنة 1942، وله خلاف ذلك عدد كبير من المقالات والبحوث القصيرة، وجميعها منشورة في صحف ومجالات الإخوان المسلمين التي كانت تصدر في الثلاثينيات والأربعينيات، بالإضافة إلى مجلة الفتح الإسلامية التي نشر بها أول مقالة له بعنوان ""الدعوة إلى الله"".
ابن النيل
7th January 2008, 10:50 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
موضوع جميل جزاكي الله خيرا
ورينا الهمه عاوزين بقيه السلسه
أم محمد
8th January 2008, 11:36 AM
http://www.islamonline.net/arabic/Daawa/2004/03/IMAGES/pic01.jpg
كان الشيخ "محمد الغزالي" واحدًا من دعاة الإسلام العظام، ومن كبار رجال الإصلاح، اجتمع له ما لم يجتمع إلا لقليل من النابهين؛ فهو مؤمن صادق الإيمان، مجاهد في ميدان الدعوة، ملك الإسلام حياته؛ فعاش له، ونذر حياته كلها لخدمته، وسخر قلمه وفكره في بيان مقاصده وجلاء أهدافه، وشرح مبادئه، والذود عن حماه، والدفاع عنه ضد خصومه، لم يدع وسيلة تمكنه من بلوغ هدفه إلا سلكها؛ فاستعان بالكتاب والصحيفة والإذاعة والتلفاز في تبليغ ما يريد.
رزقه الله فكرا عميقا، وثقافة إسلامية واسعة، ومعرفة رحيبة بالإسلام؛ فأثمر ذلك كتبا عدة في ميدان الفكر الإسلامي، تُحيي أمة، وتُصلح جيلا، وتفتح طريقا، وتربي شبابا، وتبني عقولا، وترقي فكرا. وهو حين يكتب أديب مطبوع، ولو انقطع إلى الأدب لبلغ أرفع منازله، ولكان أديبا من طراز حجة الأدب، ونابغة الإسلام "مصطفى صادق الرافعي"، لكنه اختار طريق الدعوة؛ فكان أديبها النابغ.
ووهبه الله فصاحة وبيانا، يجذب من يجلس إليه، ويأخذ بمجامع القلوب فتهوي إليه، مشدودة بصدق اللهجة، وروعة الإيمان، ووضوح الأفكار، وجلال ما يعرض من قضايا الإسلام؛ فكانت خطبه ودروسه ملتقى للفكر ومدرسة للدعوة في أي مكان حل به. والغزالي يملك مشاعر مستمعه حين يكون خطيبا، ويوجه عقله حين يكون كاتبا؛ فهو يخطب كما يكتب عذوبة ورشاقة، وخطبه قطع من روائع الأدب.
والغزالي رجل إصلاح عالم بأدواء المجتمع الإسلامي في شتى ربوعه، أوقف حياته على كشف العلل، ومحاربة البدع وأوجه الفساد في لغة واضحة لا غموض فيها ولا التواء، يجهر بما يعتقد أنه صواب دون أن يلتفت إلى سخط الحكام أو غضب المحكومين، يحرّكه إيمان راسخ وشجاعة مطبوعة، ونفس مؤمنة.
المولد والنشأة
في قرية "نكلا العنب" التابعة لمحافظة البحيرة بمصر ولد الشيخ محمد الغزالي في (5 من ذي الحجة 1335هـ = 22 من سبتمبر 1917م) ونشأة في أسرة كريمة، وتربى في بيئة مؤمنة؛ فحفظ القرآن، وقرأ الحديث في منزل والده، ثم التحق بمعهد الإسكندرية الديني الابتدائي، وظل به حتى حصل على الثانوية الأزهرية، ثم انتقل إلى القاهرة سنة (1356هـ =1937م) والتحق بكلية أصول الدين، وفي أثناء دراسته بالقاهرة اتصل بالإمام حسن البنا وتوثقت علاقته به، وأصبح من المقربين إليه، حتى إن الإمام البنا طلب منه أن يكتب في مجلة "الإخوان المسلمين" لما عهد فيه من الثقافة والبيان؛ فظهر أول مقال له وهو طالب في السنة الثالثة بالكلية، وكان البنا لا يفتأ يشجعه على مواصلة الكتابة حتى تخرج سنة (1360هـ = 1941م) ثم تخصص في الدعوة، وحصل على درجة "العالمية" سنة (1362هـ = 1943م) وبدأ رحلته في الدعوة في مساجد القاهرة.
في ميدان الدعوة والفكر
كان الميدان الذي خُلق له الشيخ الغزالي هو مجال الدعوة إلى الله على بصيرة ووعي، مستعينا بقلمه ولسانه؛ فكان له باب ثابت في مجلة الإخوان المسلمين تحت عنوان "خواطر حية" جلَّى قلمه فيها عن قضايا الإسلام ومشكلات المسلمين المعاصرة، وقاد حملات صادقة ضد الظلم الاجتماعي وتفاوت الطبقات وتمتُّع أقلية بالخيرات في الوقت الذي يعاني السواد الأعظم من شظف العيش.
ثم لم يلبث أن ظهر أول مؤلفات الشيخ الغزالي بعنوان "الإسلام والأوضاع الاقتصادية" سنة (1367هـ = 1947م) أبان فيه أن للإسلام من الفكر الاقتصادي ما يدفع إلى الثروة والنماء والتكافل الاجتماعي بين الطبقات، ثم أتبع هذا الكتاب بآخر تحت عنوان "الإسلام والمناهج الاشتراكية"، مكملا الحلقة الأولى في ميدان الإصلاح الاقتصادي، شارحا ما يراد بالتأمين الاجتماعي، وتوزيع الملكيات على السنن الصحيحة، وموضع الفرد من الأمة ومسئولية الأمة عن الفرد، ثم لم يلبث أن أصدر كتابه الثالث "الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين".
والكتب الثلاثة تبين في جلاء جنوح الشيخ إلى الإصلاح في هذه الفترة المبكرة، وولوجه ميادين في الكتابة كانت جديدة تماما على المشتغلين بالدعوة والفكر الإسلامي، وطرْقه سبلا لم يعهدها الناس من قبله، وكان همُّ معظم المشتغلين بالوعظ والإرشاد قبله الاقتصار على محاربة البدع والمنكرات.
في المعتقل
ظل الشيخ يعمل في مجال الدعوة حتى ذاعت شهرته بين الناس لصدقه وإخلاصه وفصاحته وبلاغته، حتى هبّت على جماعة "الإخوان المسلمين" رياح سوداء؛ فصدر قرار بحلها في (صفر 1368هـ = ديسمبر 1948م) ومصادرة أملاكها والتنكيل بأعضائها، واعتقال عدد كبير من المنضمين إليها، وانتهى الحال باغتيال مؤسس الجماعة تحت بصر الحكومة وبتأييدها، وكان الشيخ الغزالي واحدا ممن امتدت إليهم يد البطش والطغيان، فأودع معتقل الطور مع كثير من إخوانه، وظل به حتى خرج من المعتقل في سنة (1369هـ = 1949م) ليواصل عمله، وهو أكثر حماسا للدعوة، وأشد صلابة في الدفاع عن الإسلام وبيان حقائقه.
ولم ينقطع قلمه عن كتابة المقالات وتأليف الكتب، وإلقاء الخطب والمحاضرات، وكان من ثمرة هذا الجهد الدؤوب أن صدرت له جملة من الكتب كان لها شأنها في عالم الفكر مثل: "الإسلام والاستبداد السياسي" الذي انتصر فيه للحرية وترسيخ مبدأ الشورى، وعدّها فريضة لا فضيلة، وملزِمة لا مُعْلِمة، وهاجم الاستبداد والظلم وتقييد الحريات، ثم ظهرت له تأملات في: الدين والحياة، وعقيدة المسلم، وخلق المسلم.
من هنا نعلم
وفي هذه الفترة ظهر كتاب للأستاذ خالد محمد خالد بعنوان "من هنا نبدأ"، زعم فيه أن الإسلام دين لا دولة، ولا صلة له بأصول الحكم وأمور الدنيا، وقد أحدث الكتاب ضجة هائلة وصخبا واسعا على صفحات الجرائد، وهلل له الكارهون للإسلام، وأثنوا على مؤلفه، وقد تصدى الغزالي لصديقه خالد محمد خالد، وفند دعاوى كتابه في سلسلة مقالات، جُمعت بعد ذلك في كتاب تحت عنوان "من هنا نعلم".
ويقتضي الإنصاف أن نذكر أن الأستاذ خالد محمد خالد رجع عن كل سطر قاله في كتابه "من هنا نبدأ"، وألّف كتابا آخر تحت عنوان "دين ودولة"، مضى فيه مع كتاب الغزالي في كل حقائقه.
ثم ظهر له كتاب "التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام"، وقد ألفه على مضض؛ لأنه لا يريد إثارة التوتر بين عنصري الأمة، ولكن ألجأته الظروف إلى تسطيره ردًّا على كتاب أصدره أحد الأقباط، افترى فيه على الإسلام. وقد التزم الغزالي الحجة والبرهان في الرد، ولم يلجأ إلى الشدة والتعنيف، وأبان عن سماحة الإسلام في معاملة أهل الكتاب، وتعرض للحروب الصليبية وما جرّته على الشرق الإسلامي من شرور وويلات، وما قام به الأسبانيون في القضاء على المسلمين في الأندلس بأبشع الوسائل وأكثرها هولا دون وازع من خلق أو ضمير.
الغزالي وعبد الناصر
بعد قيام ثورة 1952م، ونجاح قادتها في إحكام قبضتهم على البلاد، تنكروا لجماعة الإخوان المسلمين التي كانت سببا في نجاح الثورة واستقرارها، ودأبوا على إحداث الفتنة بين صفوفها، ولولا يقظة المرشد الصلب "حسن الهضيبي" وتصديه للفتنة لحدث ما لا تُحمد عقباه، وكان من أثر هذه الفتنة أن شب نزاع بين الغزالي والإمام المرشد، انتهى بفصل الغزالي من الجماعة وخروجه من حظيرتها.
وقد تناول الغزالي أحداث هذا الخلاف، وراجع نفسه فيه، وأعاد تقدير الموقف، وكتب في الطبعة الجديدة من كتابه "من معالم الحق في كفاحنا الإسلامي الحديث"، وهو الكتاب الذي دوّن فيه الغزالي أحداث هذا الخلاف فقال: "لقد اختلفت مع المغفور له الأستاذ حسن الهضيبي، وكنت حادّ المشاعر في هذا الخلاف؛ لأني اعتقدت أن بعض خصومي أضغنوا صدر الأستاذ حسن الهضيبي لينالوا مني، فلما التقيت به –عليه رحمة الله- بعد أن خرج من المعتقل تذاكرنا ما وقع، وتصافينا، وتناسينا ما كان. واتفقت معه على خدمة الدعوة الإسلامية، وعفا الله عما سلف". وهذا مما يحسب للغزالي، فقد كان كثير المراجعة لما يقول ويكتب، ولا يستنكف أن يؤوب إلى الصواب ما دام قد تبين له، ويعلن عن ذلك في شجاعة نادرة لا نعرفها إلا في الأفذاذ من الرجال.
وظل الشيخ في هذا العهد يجأر بالحق ويصدع به، وهو مغلول اليد مقيد الخطو، ويكشف المكر السيئ الذي يدبره أعداء الإسلام، من خلال ما كتب في هذه الفترة الحالكة السواد مثل: "كفاح دين"، "معركة المصحف في العالم الإسلامي"، و"حصاد الغرور"، و"الإسلام والزحف الأحمر".
ويُحسب للغزالي جرأته البالغة وشجاعته النادرة في بيان حقائق الإسلام، في الوقت الذي آثر فيه الغالبية من الناس الصمت والسكون؛ لأن فيه نجاة حياتهم من هول ما يسمعون في المعتقلات. ولم يكتفِ بعضهم بالصمت المهين بل تطوع بتزيين الباطل لأهل الحكم وتحريف الكلم عن مواضعه، ولن ينسى أحد موقفه في المؤتمر الوطني للقوى الشعبية الذي عُقد سنة (1382هـ = 1962م) حيث وقف وحده أمام حشود ضخمة من الحاضرين يدعو إلى استقلال الأمة في تشريعاتها، والتزامها في التزيِّي بما يتفق مع الشرع، وكان لكلام الغزالي وقعه الطيب في نفوس المؤمنين الصامتين في الوقت الذي هاجت فيه أقلام الفتنة، وسلطت سمومها على الشيخ الأعزل فارس الميدان، وخرجت جريدة "الأهرام" عن وقارها وسخرت من الشيخ في استهانة بالغة، لكن الأمة التي ظُن أنها قد استجابت لما يُدبَّر لها خرجت في مظاهرات حاشدة من الجامع الأزهر، وتجمعت عند جريدة الأهرام لتثأر لكرامتها وعقيدتها ولكرامة أحد دعاتها ورموزها، واضطرت جريدة الأهرام إلى تقديم اعتذار.
في عهد السادات
واتسعت دائرة عمل الشيخ في عهد الرئيس السادات، وبخاصة في الفترات الأولى من عهده التي سُمح للعلماء فيها بشيء من الحركة، استغله الغيورون من العلماء؛ فكثفوا نشاطهم في الدعوة، فاستجاب الشباب لدعوتهم، وظهر الوجه الحقيقي لمصر. وكان الشيخ الغزالي واحدًا من أبرز هؤلاء الدعاة، يقدمه جهده وجهاده ولسانه وقلمه، ورزقه الله قبولا وبركة في العمل؛ فما كاد يخطب الجمعة في جامع "عمرو بن العاص" -وكان مهملا لسنوات طويلة- حتى عاد إليه بهاؤه، وامتلأت أروقته بالمصلين.
ولم يتخلَّ الشيخ الغزالي عن صراحته في إبداء الرأي ويقظته في كشف المتربصين بالإسلام، وحكمته في قيادة من ألقوا بأزمّتهم له، حتى إذا أعلنت الدولة عن نيتها في تغيير قانون الأحوال الشخصية في مصر، وتسرب إلى الرأي العام بعض مواد القانون التي تخالف الشرع الحكيم؛ قال الشيخ فيها كلمته، بما أغضب بعض الحاكمين، وزاد من غضبهم التفاف الشباب حول الشيخ، ونقده بعض الأحوال العامة في الدولة، فضُيق عليه وأُبعد عن جامع عمرو بن العاص، وجُمّد نشاطه في الوزارة، فاضطر إلى مغادرة مصر إلى العمل في جامعة "أم القرى" بالمملكة العربية السعودية، وظل هناك سبع سنوات لم ينقطع خلالها عن الدعوة إلى الله، في الجامعة أو عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية.
في الجزائر
ثم انتقل الشيخ الغزالي إلى الجزائر ليعمل رئيسا للمجلس العلمي لجامعة الأمير عبد القادر الإسلامية بقسطنطينة، ولم يقتصر أثر جهده على تطوير الجامعة، وزيادة عدد كلياتها، ووضع المناهج العلمية والتقاليد الجامعية، بل امتد ليشمل الجزائر كلها؛ حيث كان له حديث أسبوعي مساء كل يوم إثنين يبثه التلفاز، ويترقبه الجزائريون لما يجدون فيه من معانٍ جديدة وأفكار تعين في فهم الإسلام والحياة. ولا شك أن جهاده هناك أكمل الجهود التي بدأها زعيما الإصلاح في الجزائر: عبد الحميد بن باديس، ومحمد البشير الإبراهيمي، ومدرستهما الفكرية.
ويقتضي الإنصاف القول بأن الشيخ كان يلقى دعما وعونا من رئيس الدولة الجزائرية "الشاذلي بن جديد"، الذي كان يرغب في الإصلاح، وإعادة الجزائر إلى عروبتها بعد أن أصبحت غريبة الوجه واللسان.
وبعد السنوات السبع التي قضاها في الجزائر عاد إلى مصر ليستكمل نشاطه وجهاده في التأليف والمحاضرة حتى لقي الله وهو في الميدان الذي قضى عمره كله، يعمل فيه في (19 من شوال 1270هـ = 9 من مارس 1996م) ودفن بالبقيع في المدينة المنورة.
الغزالي بين رجال الإصلاح
يقف الغزالي بين دعاة الإصلاح كالطود الشامخ، متعدد المواهب والملكات، راض ميدان التأليف؛ فلم يكتفِ بجانب واحد من جوانب الفكر الإسلامي؛ بل شملت مؤلفاته: التجديد في الفقه السياسي ومحاربة الأدواء والعلل، والرد على خصوم الإسلام، والعقيدة والدعوة والأخلاق، والتاريخ والتفسير والحديث، والتصوف وفن الذكر. وقد أحدثت بعض مؤلفاته دويًّا هائلا بين مؤيديه وخصومه في أخريات حياته مثل كتابيه: "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" و"قضايا المرأة المسلمة".
وكان لعمق فكره وفهمه للإسلام أن اتسعت دائرة عمله لتشمل خصوم الإسلام الكائدين له، سواء أكانوا من المسلمين أو من غيرهم، وطائفة كبيرة من كتبه تحمل هذا الهمّ، وتسد تلك الثغرة بكشف زيغ هؤلاء، ورد محاولاتهم للكيد للإسلام.
أما الجبهة الأخرى التي شملتها دائرة عمله فشملت بعض المشتغلين بالدعوة الذين شغلوا الناس بالفروع عن الأصول وبالجزئيات عن الكليات، وبأعمال الجوارح عن أعمال القلوب، وهذه الطائفة من الناس تركزت عليهم أعمال الشيخ وجهوده؛ لكي يفيقوا مما هم فيه من غفلة وعدم إدراك، ولم يسلم الشيخ من ألسنتهم، فهاجموه في عنف، ولم يراعوا جهاده وجهده، ولم يحترموا فكره واجتهاده، لكن الشيخ مضى في طريقه دون أن يلتفت إلى صراخهم.
وتضمنت كتبه عناصر الإصلاح التي دعا إليها على بصيرة؛ لتشمل تجديد الإيمان بالله وتعميق اليقين بالآخرة، والدعوة إلى العدل الاجتماعي، ومقاومة الاستبداد السياسي، وتحرير المرأة من التقاليد الدخيلة، ومحاربة التدين المغلوط، وتحرير الأمّة وتوحيدها، والدعوة إلى التقدم ومقاومة التخلف، وتنقية الثقافة الإسلامية، والعناية باللغة العربية.
واستعان في وسائل إصلاحه بالخطبة البصيرة، التي تتميز بالعرض الشافي، والأفكار الواضحة التي يعد لها جيدا، واللغة الجميلة الرشيقة، والإيقاع الهادئ والنطق المطمئن؛ فلا حماسة عاتية تهيج المشاعر والنفوس، ولا فضول في الكلام يُنسي بضعه بعضا، وهو في خطبه معلِّم موجه، ومصلح مرشد، ورائد طريق يأخذ بيد صاحبه إلى بَر الأمان، وخلاصة القول أنه توافرت للغزالي من ملكات الإصلاح ما تفرق عند غيره؛ فهو: مؤلف بارع، ومجاهد صادق، وخطيب مؤثر، وخبير بأدواء المجتمع بصير بأدويته.
ابو صهيب
8th January 2008, 06:19 PM
جزاك الله كل الخير أختي الكريمة
أنا شخصياً أكثر شخصية إسلامية أعشقها هي شخصية الإمام حسن البنا
وأتمنى لو أننا نسير وفق الطريقة التي سار بها بحذافيرها طبعا هاي الطريقة هي طريقة الحبيب المصطفى في الدعوة الى الله
دمتم وطبتم وطاب ممشاكم
أم محمد
8th January 2008, 06:59 PM
أشكر لكم ردودكم الطيبة أخي ابن النيل وأخي أبو صهيب، ويا ليت لنا الكثير من أمثال البنا والغزالي يجددون دين أبناء الأمة..............
أم محمد
8th January 2008, 07:13 PM
أسد الصحراء
http://www.dll3.net/get-7-2007-nnade3ad.jpg
بدايـــــــــــــــاته· ينتسب عمر المختار إلى قبيلة المنفه إحدى كبريات قبائل المرابطين ببرقة.. وقد ولد عام 1862م في قرية جنزور بمنطقة دفنة في الجهات الشرقية من برقة التي تقع شرقي ليبيا على الحدود المصرية .
· وقد تربى يتيماً حيث وافت المنية والده مختار بن عمر وهو في طريقه إلى مكة المكرمة بصحبة زوجته عائشة .
· تلقى عمر المختار تعليمه الأول في زاوية جنزور.. ثم سافر إلى الجغبوب ليمكث فيها ثمانية أعوام للدراسة والتحصيل على كبار علماء ومشايخ السنوسية في مقدمتهم الإمام السيد المهدي السنوسى قطب الحركة السنوسية .. فدرس اللغة العربية والعلوم الشرعية وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب .. ولكنه لم يكمل تعليمه كما تمنى .
من محراب العلم إلى محراب الجهاد· عاش عمر المختار حرب التحرير والجهاد منذ بدايتها يوماً بيوم .. فعندما أعلنت إيطاليا الحرب على تركيا في 29 سبتمبر 1911م وبدأت البارجات الحربية بصب قذائفها على مدن الساحل الليبي كان عمر المختار في تلك الأثناء مقيما في جالو بعد عودته من الكفرة حيث قابل السيد أحمد الشريف .. وعندما علم بالغزو الإيطالي سارع إلى مراكز تجمع المجاهدين حيث ساهم في تأسيس وتنظيم حركة الجهاد والمقاومة إلى أن وصل السيد أحمد الشريف قادماً من الكفرة وقد شهدت الفترة التي أعقبت انسحاب الأتراك من ليبيا سنة 1912م أعظم المعارك في تاريخ الجهاد الليبي .
· وبعد الانتصار الذي تحققت لإيطاليا في الحرب تغيرت الأوضاع داخل ليبيا واشتدت الضغوط على السيد محمد إدريس السنوسي واضطر إلى ترك البلاد عاهداً بالأعمال العسكرية والسياسية إلى عمر المختار في الوقت الذي قام أخاه الرضا مقامه في الإشراف على الشئون الدينية .
http://www.sunna.info/souwar/data/media/27/omer04.jpg
نظــــــم الصـــــفوف· وفى عام 1923م نظم صفوف المجاهدين وتسابقت جموع المجاهدين إلى تشكيل الأدوار تحت قيادة عمر المختار .. كما بادر الأهالي إلى إمداد المجاهدين بالمؤن والعتاد والسلاح .. وعندما ضاق الإيطاليون ذرعا من الهزيمة على يد المجاهدين أرادوا أن يمنعوا عنهم طريق الإمداد فسعوا إلى احتلال الجغبوب ووجهت إليها حملة كبيرة في 8 فبراير 1926م .. وقد شكل سقوطها أعباء ومتاعب جديدة للمجاهدين وعلى رأسهم عمر المختار .. ولكن الرجل حمل العبء كاملاً بعزم العظماء وتصميم الأبطال .
· ولاحظ الإيطاليون أن الموقف يُملي عليهم الاستيلاء على منطقة فزان لقطع الإمدادات على المجاهدين .. فخرجت حملة في يناير 1928م ولم تحقق غرضها في احتلال فزان بعد أن دفعت الثمن غاليا .. ورغم حصار المجاهدين وانقطاعهم عن مراكز تموينهم إلا أن الأحداث لم تنل منهم وتثبط من عزمهم والدليل على ذلك معركة يوم 22 أبريل التي استمرت يومين كاملين انتصر فيها المجاهدون وغنموا عتاداً كثيراً .
لدينا النظارة وسيتبعا الرأس يوماً ما· هذا ما قاله غراتسيانى قائد القوات الإيطالية في ليبيا عندما وجد أحد الجنود الطليان نظارة الشيخ .. وفي 11 سبتمبر من عام 1931م .. وبينما كان الشيخ عمر المختار يستطلع منطقة سلنطة في كوكبة من فرسانه .. عرفت الحاميات الإيطالية بمكانه فأرسلت قوات لحصاره ولحقها تعزيزات .. واشتبك الفريقين في وادي بوطاقة ورجحت الكفة للعدو فأمر عمر المختار بفك الطوق والتفرق .. ولكن قُتلت فرسه تحته وسقطت على يده مما شل حركته نهائياً .. فلم يتمكن من تخليص نفسه ولم يستطع تناول بندقيته ليدافع عن نفسه .. فسرعان ما حاصره العدو من كل الجهات وتعرفوا على شخصيته .. فنقل على الفور إلي مرسى سوسه ومن ثم وضع على طراد الذي نقله رأسا إلي بنغازي حيث أودع السجن الكبير بمنطقة سيدي اخريبيش .. ولم يستطع الطليان نقل الشيخ براً لخوفهم من تعرض المجاهدين لهم في محاولة لتخليص قائدهم .
· وقد كان لاعتقاله في صفوف العدو صدىً كبيراً .. حتى أن غراسياني لم يصدّق ذلك في بادىء الأمر .. فقد كان في روما حينها كئيباً حزيناً منهار الأعصاب في طريقه إلي باريس للاستجمام والراحة تهرباً من الساحة بعد فشله في القضاء على المجاهدين في برقة .. حيث بدأت الأقلام اللاذعة في إيطاليا تنال منه والانتقادات المرة تأتيه من رفاقه مشككة في مقدرته على إدارة الصراع .. وإذا بالقدر يلعب دوره ويتلقى برقية مستعجلة من بنغازي مفادها إن عدوه اللدود عمر المختار وراء القضبان .. فأصيب بحالة هستيرية كاد لا يصدق الخبر .. فتارة يجلس على مقعده وتارة يقوم وأخرى يخرج متمشياً على قدميه محدثاً نفسه بصوت عال ويشير بيديه ويقول: " صحيح قبضوا على عمر المختار ؟ ويرد على نفسه لا ، لا اعتقد " .. ولم يسترح باله حتى قرر إلغاء أجازته واستقل طائرة خاصة وهبط ببنغازي في نفس اليوم وطلب إحضار عمر المختار إلي مكتبه لكي يراه بأم عينيه .
http://photos.alwatanvoice.com/images/topics/7824308493/13.jpg
إن الحكم إلا لله .· عقدت للشيخ الشهيد محكمة هزلية صورية في مركز إدارة الحزب الفاشستي ببنغازي مساء يوم الثلاثاء عند الساعة الخامسة والربع في 15 سبتمبر 1931م .. وبعد ساعة تحديداً صدر منطوق الحكم بالإعدام شنقاً حتى الموت.. وعندما ترجم له الحكم، قال الشيخ : " إن الحكم إلا لله … لا حكمكم المزيف ... إنا لله وإنا أليه لراجعون" .
http://www.libyanet.com/omar1000.jpg
مرحباً بالشــــهادة .· بأن ينال الشهادة .. ففي صباح اليوم التالي للمحاكمة الأربعاء، 16 سبتمبر 931م اتخذت جميع التدابير اللازمة بمركز سلوق لتنفيذ الحكم بإحضار جميع أقسام الجيش والميليشيا والطيران .. واحضر 20 ألف من الأهالي وجميع المعتقلين السياسيين خصيصاً من أماكن مختلفة لمشاهدة تنفيذ الحكم في قائدهم.. واحضر الشيخ عمر المختار مكبل الأيدي وعلى وجهه ابتسامة الرضا بالقضاء والقدر .. وبدأت الطائرات تحلق في الفضاء فوق المعتقلين بأزيز مجلجل حتى لا يتمكن عمر المختار من مخاطبتهم .. وفي تمام الساعة التاسعة صباحاً سلم الشيخ إلي الجلاد .. وكان وجهه يتهلل استبشاراً بالشهادة وكله ثبات وهدوء .. فوضع حبل المشنقة في عنقه .. وفاضت الروح إلى بارئها ..
http://www.nfsl-libya.com/Images/omar_mukhtar2.jpg
حمزه مرعي
8th January 2008, 08:20 PM
بارك الله فيكي أختي إم محمد
الروح الطاهرة
8th January 2008, 09:11 PM
مشكورين كثيير على هذا الموضوع
وانا راح اضيف لمساتي السحرية بعد
عجكة الامتحانات
البدر
8th January 2008, 10:07 PM
بارك الله فيكي على هذا المجهود الطيب
أم محمد
9th January 2008, 09:14 PM
فيصل مولوي
http://www.iumsonline.net/articls/2004/01/images/02.jpg
مولده
مواليد 1941م طرابلس ـ لبنان.
- داعية ومفكّر إسلامي، معروف في لبنان والعالم العربي والإسلامي والأوروبي.
- من العاملين في الحقل الإسلامي في لبنان، وكان رئيساً لجمعية التربية الإسلامية في لبنان
وهو الآن الأمين العام للجماعة الإسلامية ، ورئيس بيت الدعوة والدعاة منذ تأسيسه سنة 1990 وعضو اللجنة الإدارية للمؤتمر القومي الإسلامي.
المؤهلات العلميةإجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية / كلية الحقوق والعلوم السياسية - 1967
إجازة في الشريعة الإسلامية من جامعة دمشق / كلية الشريعة - 1968
دبلوم الدراسات المعمّقة من جامعة السوربون باريس -
المدّة التي قضاها في أوروبا
- قضى في أوروبا خمس سنوات من 1980 حتى 1985.
- أصبح فيها مرشداً دينياً لاتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا ثمّ في أوروبا منذ سنة
1986 وحتّى الآن، وبقي على تواصل مع أكثر المراكز الإسلامية في أوروبا حتّى الآن.
الداعية
اختارته الندوة العالمية للشباب الإسلامي في الرياض أثناء إقامته في فرنسا كأحسن داعية إسلامي
في أوروبا ومنحته جائزة تقديرية.
التاريخ الوظيفي- عُيّن قاضياً شرعياً في لبنان سنة 1968، وتنقّل بين المحاكم الشرعية الابتدائية
في راشيا وطرابلس وبيروت.
- عُيّن مستشاراً في المحكمة الشرعية العليا في بيروت سنة 1988 وبقي في هذا المركز حتى استقالته سنة 1996
البحوث والمؤلّفات
سلسلة مبادئ التربية الإسلامية للمرحلة الابتدائية (خمس أجزاء)
سلسلة التربية الإسلامية للمرحلة المتوسطة- أربع أجزاء
الجزء الأول من كتاب التربية الإسلامية للمرحلة الثانوية
تيسير فقه العبادات
دراسات حول الربا والمصارف والبنوك
موقف الإسلام من الرقّ
أحكام المواريث، دراسة مقارنة
الأسس الشرعية للعلاقات بين المسـلمين وغير المسلمين
نظـام التأمين وموقف الشريعة منه
نبوّة آدم
المرأة في الإسلام
حكم الدواء إذا دخل فيه الكحول
السلام على أهل الكتاب
المفاهيم الأساسية للدعوة الإسلامية في بلاد الغرب
أثر انهيار قيمة الأوراق النقدية
عضويته في مجامع أوروبيَة
العميد المؤسس للكلية الأوروبية للدراسات الإسلامية في "شاتو شينون" في فرنسا منذ تأسيسها
سنة 1990 . وهي كلية للدراسات الشرعية بالمستوى الجامعي ومخصّصة للمسلمين الأوروبيين أو المقيمين
بصفة دائمة في أوروبا وسائر بلاد الغرب، واستمرّ في هذا المنصب حتىّ سنة 1994. وهو الآن نائب
رئيس المجلس الأوروبي للبحوث والإفتاء.
موقع الشيخ حفظه الله
http://www.mawlawi.net/
الطائر الاسير
9th January 2008, 10:46 PM
اختي اذا ممككن عمر التلمسااني
مشكورة ربي يكرمك
أم محمد
10th January 2008, 05:32 PM
عمر التلمساني
http://www.egyptwindow.net/image2/telmsany.jpg
تمثل عمر التلمساني نصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حين قال لها: "مهلاً يا عاشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش". ودارت حياته كلها حول هذا المعنى: الرفق في الأمور، واختيار الأسلوب الهادئ والكلمة الطيبة، والعبارة المهذبة والابتسامة المشرقة، والصوت الهادئ.
وكان هذا الهدوء والثقة يعكسان شخصية قوية صلبة لا تلين، تواجه الأعاصير بابتسامة واثقة، وتتصدى للأزمات بأحسن الكلم، وتمسك بزمام نفسها، ولا تضطرها العواصف ولا غدر الناس أن تنال من هدوئها ولا سلامة منطقها.
وشاء الله له أن يلم شعث الأخوان المسلمين إذ كانت شخصيته الرقيقة الدقيقة تجذب الناس إلى الجماعة، وكانت أخلاقه السمحة عنواناً لها، فأقبل الناس عليها وعاد ما كان لها من قوة وتأثير.
من الغورية إلى القليوبية
في شارع حوش قدم بالغورية أحد أحياء القاهرة التاريخية، ولد عمر عبد الفتاح بن عبد القادر مصطفى التلمساني في 25 من شعبان عام 1322 هـ، 4 من نوفمبر عام 1904م، تعود اصوله إلى مدينة تلمسان الجزائرية المعروفة، حيث هاجر أحد أجداده إلى القاهرة سنة 1830م واستقر بها.
كان جده ووالده يعملان في البداية في تجارة الأقمشة والأحجار الكريمة، وتنتشر تجارتهما ما بين القاهرة وجدة وسواكن والخرطوم وسنغافورة ، ثم أنهيا تجارتهما واتجها غلى الزراعة في القليوبيةـ، واستقرا في قرية نوى التابعة لمركز شبين القناطرالقريب من القاهرة.
نشأ عمر التلمساني في أسرة تتمسك بالدين والخلق، وكان جده سلفي النزعة، طبع العديد من كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، على نفقته الخاصة، تلقى عمر دراسته الابتدائية في إحدى مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية، ثم تلقى تعليمه الثانوي في المدرسة الإلهامية الثانوية بالحلمية، وكانت أسرته قد انتقلت إلى القاهرة بعد وفاة جده.
ثقافة وموسيقى
وفي هذه الفترة المبكرة من حياته، قرأ كتب الأدب الشعبي من أمثال سيرة عنترة بن شداد، وسيف بن ذي يزن، وطالع كل ما كتبه المنفلوطي من أمثال البؤساء، وإلى جانب ذلك حفظ القرآن الكريم، وقرأ كثيراً من أمهات الكتب العربية، مثل تفسير القرطبي والزمخشري وابن كثير، وطبقات ابن سعد، ونهج البلاغة، والعقد الفريد لابن عبد ربه وصحيح البخاري ومسلم، كما طالع من الأدب العالمي روايات اسكندر ديماس، وإيميل زولا، ومال الى الموسيقى وعزف على العود سنين.
وهذه الثقافة المتنوعة هي التي طبعت شخصية التلمساني، ووسعت أفقه ونظرته الإنسانية، وأرهفت حسه ومشاعره، وأنضجت خبراته ومواقفه في الحياة.
ويصور هو شخصيته السمحة بقوله: "كنت بحبوحاً أحب النكتة البريئة، والقفشة الرقيقة، متسامحاً مع كل من أساء إلي بالقول والعمل، وأتركه إلى الله، وما كنت أحب إحراج محدثي، أو أقنعه بأن الحق إلى جانبي إذا لقيته متعصباً لرأيه".
المحاماة لا النيابة
وبعد حصوله على الثانوية العامة عام 1924م، التحق بكلية الحقوق وتخرج منها سنة 1931م، واتجه إلى مهنة المحاماة ووجد فيها مبتغاه، وكان يرى فيها مهنة الدفاع عن الحق ونصرة المظلوم، ومهنة العقل الراجح في إقامة الدليل والبرهان.
وغرامه بالحرية هو الذي جعله يختار المحاماة، حتى أنه عزف عن العمل في النيابة حين عرض عليه ذلك، هروباً من قيود الوظيفة.
وقد اتخذ له مكتباً للمحاماة في مدينة شبين القناطر، وكان في عمله يتحرى الحق والعدل، وصور ذلك بقوله: "باشرت العمل والمحاماة على قواعد ديني جهد الإمكان".
الالتحاق بالإخوان
في بدايات دعوة الإمام حسن البنا انضم التلمساني إلى جماعة الإخوان المسلمين سنة 1933م، أي بعد مرور نحو 5 سنوات على تأسيسها، وكانت لا تزال تشق طريقها في المجتمع المصري، وتجذب إليها الغيورين على الإسلام.
وانضمام التلمساني المبكر لجماعة الإخوان يكشف عن قدرة فائقة لحسن البنا في حشد الأنصار لدعوته من مختلف طبقات المجتمع، ويكشف أيضا عن رغبة صادقة لدى التلمساني في خجمة دينه والدفاع عنه. ويذكر التلمساني في مذكراته أنه رشح نفسه مريتين لمجلس النواب، لكي يصدع بكلمة الحق والدعوة الإسلامية، في أعلى هيئة في تشريعية البلاد، لكنه لم يوفق، ومنذ هذه اللحظة بدأت مسيرة التلمساني في جماعة الإخوان، وشاهد بداياتها وصعودها وكبواتها والمحن التي ألمت بها، والضربات التي وجهت لقلضاء عليها أو وقف مسيرتها أو احتوائها.
ولم يكن هو بعيد عن ذلك كلياً، حيث كان عضواً في مكتب إرشاد الجماعة، وتعرض للاعتقال في الفترة الملكية، إذ قبض عليه بعد استشهاد الإمام حسن البنا عام 1949م، مع الآلاف من أعضاء الجماعة.
ثم كانت الأحداث الدامية سنة 1954م، حيث نكلت حكومة عبدالناصر بجماعة الأخوان، وألقت بالآلاف منهم في السجون، وعقدت لهم المحاكمات العسكرية، وكان من نصيب التلمساني أن حكم عليه بالأشغال الشاقة لمة 15 عاماً، ثم أعيد اعتقاله فور انتهاء المدة سنة 1969م، حتى أفرج عنه عام 1971م، وبعد 10 سنوات من الافراج عنه اعتقل مرة أخرى في أحداث سبتمبر الشهيرة سنة 1981م، في عهد الرئيس السادات.
إرشاد وإعادة بناء
بعد وفاة الأستاذ حسن الهضيبي ونائبه الدكتور خميس حميدة، تحمل عمر التلمساني أعباء الجماعة، باعتباره أكبر أعضاء مكتب الإرشاد سناً، ولم يكن للجماعة وضع قانوني منذ أن عُصف بها وبفروعها، فكان هو مرجع جماعة الإخوان الأدبي والمعنوي، دون أن يكون هناك أي تنظيم لا ترضاه الجهات المسؤولة عن الأمن في مصر، وقد اعترف المسؤولون في مصر بهذا الوضع، واعتبروه مسؤولا عن الأخوان المسلمين وتعاملوا معه على هذه الصفة.
وكان السادات قد بدأ حكمه بإخراج الإخوان من المعتقلات، وترك لهم قدراً من الحرية في الحركة، ثم ظهر المد الإسلامي بعد معركة العاشر من رمضان، واشتدت الصحوة الإسلامية في أنحاء البلاد، وقيل: إن السادات كان يهدف من وراء ذلك القضاء على التيار الماركسي. وأياً ما كانت دوافع الرجل التي لا يعلمها إلا الله، فقد شهدت البلاد مداً إسلاميا واضحا في الحياة، وبخاصة بين شباب الجامعات، كان لجماعة الإخوان نصيب في الصحوة الإسلامية بعد أن نجح التلمساني بمساعدة إخوانه، في جمع ما تفرق من الجماعة بعد المحن الرهيبة التي أصيبت بها.
وللإنصاف فقد أسهمت الدولة في انطلاق هذه الصحوة، بسماحها للتيارات الإسلامية بالعمل بحرية وبدون قيود، وسايرت شعارات الدولة هذا المد الإسلامي، فاتخذ السادات لدولته هذا الشعار: ((دولة العلم والإيمان))، وكان يعلن أنه رئيس مسلم لدولة مسلمة، وأن مصر دولة المؤسسات التي تحتكم إلى العدل والقانون.
الصدام مع السادات
وصاحب عودة جماعة الإخوان إلى نشاطها الإصدار الثاني لمجلة الدعوة في يوليو 1976م، والتي تولى إدارتها والإشراف عليها عمر التلمساني، ورأس تحريرها صالح عشماوي، وكان للمجلة دور كبير في انطلاق دعوة الاخوان وتعريف الجيل الجديد بمبادئها وبالمحن وجرائم التع1يب التي تعرضت لها في الحقبة الناصرية، وكان الاستاذ عمر التلمساني يتولى كتابة افتتاحيات المجلة الشهرية التي تحمل أفكار الجماعة وموقفها تجاه الأحداث ومطالبتها الدائمة بعودة نشاطها الرسمي تحت بصر الدولة وبموافقتها.
ولما أقدم السادات على زيارة إسرائيل عام 1977م، وعقد معاهدة كامب دايفيد، أعلن التلمساني معارضته ومعارضة الجماعة لهذه الخطوة، ورفض تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وتتابعت مقالاته التي تحذر من هذه السياسة بقوة وشجاعة.
أمام السادات ... وجهاً لوجه
وترتب على موقف الجماعة من معاهدة السلام والتطبيع مع اسرائيل أن ساءت العلاقات بينها وبين الدولة، التي لم يتسع صدرها للنقد والمراجعة، فضاقت بمعارضة الاخوان لسياستها، وفي ندوة الفكر الاسلامي التي عقجت في الاسماعيلية في أغسطس 1979م، وحضرها التلمساني، وجه السادات له وللإخوان تهماً عديدة، من بينها التخريب والعمالة وإثارة الطلبة وإشعال الفتة الطائفية، وما كان من التلمساني الا ان طلب الرد تعقيبا على اتهامات السادات، ووقف امامه وقال له: "لو ان غيرك وجه إلي مثل هذه التهم لشكوته إليك، أما وأنت يا محمد يا أنور يا سادات صاحبها، فإني أشكوك إلى أحكم الحاكمين وأعدل العادلين، لقد آذيتني يا رجل، وقد ألزم الفراش أسابيع من وقع ما سمعته منك".
وارتج السادات لوقع هذه الكلمات الصادقة، النابضة بالثقة والايمان فقال له: "إنني لم أقصد الإساءة إلى الاستاذ عمر ولا الى جماعة الاخوان المسلمين ... اسحب شكواك .." فأجابه التلمساني أنها قد رفعت إلى من لا أٍتطيع استرداد ما وضعته بين يديه.
وبعد انتهاء الاجتماع بعث السادات كلاً من عبد المنعم النمر وزير الاوقاف ومنصور حسن وزير الثقافة والإعلام لاسترضاء التلمساني، وأن الرئيس لم يقصد الاساءة إلى شخصه وسيحدد موعداً لمقابلته.
إنصاف رغم الخلاف
وبعد اشهر قليلة التقى التلمساني بالسادات في استراحة القناطر الخيرية في ديسمبر 1979م، ويحكي هو عن أحداث هذه المقابلة بقوله: "لا يفوتني أن أذكر _انصافاً للسادات_ يوم أن قابلته في استراحة القناطر الخيرية أنني وجدت أمامه أعداداً من مجلة الدعوة ، وأخبرني أن الاسرائيليين يشكون ويحتجون على هذه الحملات الاخوانية، فأجبته بأن معارضتي لعملية السلام والتطبيع، وموقف اسرائيل بأجمعه مبعث ديني محض، ولا علاقة له بما يسمونه سياسة دولية، او غير دولية، وإن ديني يحتم علي ان استمر في هذه الحملة حتى تنجلي الغمة. وراعني حقاً أن الرجل بعد الاستماع إلي قال لي بمنتهى الصراحة والوضوح والرضا: اكتب . ولن أنساها للسادات ما حييت رغم ما لقيته منه يرحمني ويرحمه الله".
وهذه الروح السمحة والميل الى العدل والإنصاف يذكرنا بموقفه في السجن حين بلغه نبأ وفاة جمال عبد الناصر ، فقال: مات؟ انتهى؟ ذهب الى الله؟ الله يرحمه". وتصايح الاخوان الذين كانوا معه في غضب : كيف يرحم الله قاتل العشرات وجلاد الآلاف؟ فقال لهم: نحتسب ما أصابنا في سبيل الله، ولاد داعي للشماتة".
بعد السادات
ولما اشتدت المعارضة لسياسة السادات الداخلية والخارجية، لم يلجأ السادات إلى احتوائها والتفاهم معها، الأمر الذي أفقد السادات صبره ولجأ الى سياسة التحفظ والاعتقال، فأدخل إلى السجن زعماء المعارضة من جميع الاطياف السياسية فيما عرف بأحداث 3 سبتمبر 1981م، ولم يسلم قادة جماعة الاخوان المسلمين وعلى رأسهم التلمساني من هذه الاجراءات، وظل معتقلا ولم يفرج عنه إلا في بداية حكم الرئيس مبارك الذي خلف السادات عقب اغتياله في حادثة المنصة المشهورة.
وبعد خروجه قاد الجماعة الى المزيد من اندماجها في الحياة العامة من خلال مشاركتها في الانتخابات، فبدأت الجماعة تحقق نجاحات واضحة في انتخابات النقابات المهنية، ودخل عدد من قادتها مجلس الشعب المصري في انتخابات 1984م، بعد تحالفها مع حزب الوفد المصري، وكان قد تم الاتفاق بين الاخوان والوفد على خوض الانتخابات متعاونين حتى في الدوائر التي ليس لها مرشحون للاخوان فإنهم سيعطون اصواتهم للوفد.
مؤلفاته
وفي غمرة قيادته لجماعة الاخوان والاعباء الملقاة على عاتقه لم ينس أنه صاحب قلم، وكان من ثمرة ذلك عدة كتب كان يعتبرها _ لتواضعه_ خواطر جمعت في كتب، وليس فيها ما يستحق الحاقه بالمؤلفات، وهذه الكتب هي:
ذكريات لا مذكرات.
شهيد المحراب.
حسن البنا الملهم الموهوب.
بعض ما علمني الإخوان.
في رياض التوحيد.
المخرج الإسلامي من المأزق السياسي.
الإسلام والحكومة الدينية.
الإسلام ونظرته السامية للمرأة.
قال الناس ولم أقل في عهد عبد الناصر.
من صفات العابدين.
يا حكام المسلمين .. ألا تخافون الله ؟!
لا نخاف السلام ولكن.
الإسلام والحياة.
حول رسالة نحو النور.
من فقه الإعلام الإسلامي.
أيام مع السادات.
آراء في الدين والسياسة.
وفاته
ظلت سماحته وسلامة نفسه وحياؤه الشديد ورغبته في الاصلاح هي مفتاح شخصيته، وكان يلوذ بالنفس الطويل والصبر الجميل، ويحاول بالإقناع المتكرر ان يبلغ هدفه، وكان يركز اهتمامه على ما يجمع ويقرب الصفوف، وكان يتجنب في حديثه كل عبارة او كلمة يرى انها قد تخدش المشاعر او تؤذي السمع، وأصدق ما قيل عنه ما وصفه به الشيخ محمد الغزالي بأنه" كان ملكاً كريما في إهاب بشر أرهقته السنون:.
وقد غادر التلمساني الدنيا في 13 رمضان 1406هـ ، 22 مايو 1986م بعد معاناة مع المرض عن عمر ناهز 82 عامًا.
ا
أم محمد
11th January 2008, 01:29 PM
الشيخ المجاهد محمد الفرغلي
http://www.ikhwanonline.com/Data/2004/12/11/61.jpg
الداعية المجاهد الشهيد محمد فرغلي كانت بداية معرفتي بالداعية المجاهد الشيخ محمد محمد فرغلي أواخر 1949م حين قدمت إلى مصر للدراسة الجامعية حيث التقيته محدِّثاً وموجهاً للإخوان في دروس الكتائب والمعسكرات والأسر والرحلات، فقد كانت مجموعة من قادة الإخوان تتعاقب عليها أمثال: البهي الخولي، وعبدالعزيز كامل، ومحمد فرغلي، ومحمد عبدالحميد أحمد، ومحمد الغزالي، وسيد سابق، وغيرهم. وكنت أرى في الشيخ فرغلي المهابة والوقار، وعزة المؤمن، وفقه المجاهد، يتكلم بهدوء وبعبارات موجزة بسيطة العبارة، عظيمة الدلالة، عميقة المغزى، فيها الحنان والعطف والحب للإخوان، والثقة والطمأنينة بما عند الله من نصر لهذا الدين ولعباده المؤمنين إن هم صدقوا مع الله وأخلصوا النية له.
وكان يهوِّن من شأن أعداء الله من الإنجليز واليهود وغيرهم من الأعوان والمأجورين، ويصفهم بأنهم عبيد المادة والهوى والشهوات والشبهات، ويؤكد أن مناهج التربية لدى الإخوان هي الكفيلة بصياغة المسلم الحق، لأنها مستقاة من الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة، وهي الكفيلة بإعداد الجيل المؤمن المجاهد، الذي يتصدى للكفر بكل أنواعه دونما خوف أو وجل، وأن الميدان اليوم يتطلب حشد الألوف من الشباب المؤمن، من جميع أنحاء العالم الإسلامي ليملؤوا الساحة ويتصدوا للمفسدين في الأرض الذين وجدوا الميدان خالياً فصالوا وجالوا، وعاثوا في الأرض فساداً، وانتفش باطلهم، وعلا صوتهم، وتجرؤوا على الدين وأهله وساموا الأمة الخسف والهوان، لأن الشعوب عزلاء، مجردة من سلاح الحق والقوة، يتحكم في رقابها أذناب الاستعمار وعملاؤه من الحكام المرتزقة، الذين يدورون في فلك الأعداء، وينتصبون لحرب الدعاة إلى الله، والوقوف أمام دعوة الحق والقوة والحرية، دعوة الإسلام العظيم، التي جدد أمرها في أرض الكنانة مجدد القرن الرابع عشر الهجري الإمام الشهيد حسن البنا.
في مواجهة الطغاة كان الشيخ المجاهد محمد فرغلي رجل عميق الإيمان شديد المراس، قوي العزيمة زاهد في المظاهر، يؤثر العمل على القول، يحب الناس جميعاً، ويتفانى في خدمتهم وبخاصة الضعفاء منهم، حيث يقف إلى جانبهم لأخذ حقوقهم ورفع الحيف والظلم عنهم. يتصدى للظالمين والطغاة، والمتسلطين على الضعفاء، ويجالدهم بكل قوة وصلابة، فكانوا يخشونه أشد الخشية، ويحسبون له ألف حساب، وكان مجرد ذكر اسمه يُرعب الإنجليز واليهود والعملاء، وقد وضعوا الجوائز الكبيرة لمن يعثر عليه ويسلمه لهم حياً أو ميتاً. وكان إخواني الزملاء في الجامعة، يحدثونني عن هذا الرجل الفذ، والداعية المجاهد، وعن محبة الإمام البنا له، وثقته به، واعتماده على الله ثم عليه في المهمات العظام والأحداث الجسام، فكان نعم الرجل في كل موقع ومهمة. إن الشيخ فرغلي كان جزءاً مهماً من تاريخ حركة الإخوان المسلمين العالمية منذ نشأتها والتحاقه المبكر بها إلى أن أكرمه الله بالشهادة على يد فرعون مصر الطاغية عبدالناصر. ولقد كان الإخوان المسلمون شيوخاً وشباباً، ينظرون لهذا الرجل العظيم، نظرة الإكبار والإجلال، والحب والوفاء، لما يتمتع به من خصال الخير وصفات الرجولة. وكانت أحاديثه في مخيمات الإخوان وكتائبهم ومعسكراتهم وأسرهم، تأخذ بمجامع قلوب السامعين، لما يجدونه فيها من الصدق والوضوح، والبساطة والحلاوة والإيمان والإخلاص، فحديثه حديث القلب إلى القلوب ومناجاة الروح للأرواح، يثير العواطف، ويحرك المشاعر، ويدعو للعمل الجاد الدؤوب في سبيل الله ومن أجل المستضعفين في الأرض، ويوضح لجماهير الإخوان أن أعداء الإسلام من اليهود والصليبيين والمستعمرين هم أتفه وأحقر من أن يصمدوا أمام عزائم الرجال المؤمنين ، وأن تجارب الحرب معهم في فلسطين، كشفت عن جبنهم وتخاذلهم، وهشاشة قوتهم، فكانوا يفرون كالفئران المذعورة أمام مجاهدي الإخوان المسلمين، ولولا المؤامرات الدولية الكبرى، وتخاذل بعض الأنظمة في ديار العرب والمسلمين لما ضاعت فلسطين، ولما كان للإنجليز أو الفرنسيين أو الأمريكان وجود في البلاد الإسلامية.
يقول الأستاذ عباس السيسي في كتابه القيم "في قافلة الإخوان المسلمين": "... لقد كان الشيخ محمد فرغلي داعية من دعاة الإسلام ومن الرعيل الأول من الإخوان المسلمين، عمل مع الإمام الشهيد حسن البنا منذ بدأ دعوته في مدينة الإسماعيلية، واختاره الإمام الشهيد لمسؤوليات كبار، فكان عند حسن الظن، حيث شمر عن ساعد الجد، وسط مدينة كانت ترابط حولها من كل جانب قوات الاحتلال البريطاني، فجعل الأرض تميد من تحت أقدامهم..." ويتحدث الإمام الشهيد حسن البنا في "مذكرات الدعوة والداعية" عن الشيخ فرغلي فيقول: ".... حين تمَّ بناء المسجد، الذي طالب به عمال الشركة بالجباسات بالإسماعيلية انتدب للإمامة والتدريس فضيلة الأخ المفضال الأستاذ الشيخ محمد فرغلي المدرس بمعهد حراء حينذاك. وصل الأستاذ فرغلي وتسلَّم المسجد، وأعدّ له سكن خاص بجواره، ووصل روحه القوي المؤثر بأرواح هؤلاء العمال الطيبين، فلم تمض عدة أسابيع وجيزة حتى ارتفع مستواهم الفكري والنفساني والاجتماعي ارتفاعاً عجيباً، لقد أدركوا قيمة أنفسهم، وعرفوا سمو وظيفتهم في الحياة وقدَّروا فضل إنسانيتهم، فنزع من قلوبهم الخوف والذل والضعف والوهن، واعتزوا بالإيمان بالله وبإدراك وظيفتهم الإنسانية في هذه الحياة ـ خلافة الله في أرضه ـ فجدوا في عملهم اقتداءً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"، عفُّوا عما ليس لهم، فلم تأسرهم المطامع التافهة، ولم تقيدهم الشهوات الحقيرة، وصار أحدهم يقف أمام رئيسه عالي الرأس في أدب، شامخ الأنف في وقار، يحدثه في حجة ومنطق، لا يقول ولا يقبل منه كلمة نابية، أو لفظة جافية، أو مظهراً من مظاهر التحقير والاستصغار، كما كان ذلك شأنهم من قبل، وتجمعوا على الأخوة، اتحدوا على الحب والجد والأمانة، ويظهر أن هذه السياسة لم تعجب الرؤساء وقرروا أنه إذا استمر الحال على ذلك ستكون السلطة كلها لهذا الشيخ، ولن يستطيع أحد بعد ذلك أن يكبح جماحه وجماح العمال.
ظنَّ الرؤساء هذا في الشركة، وفكَّروا في إقصاء هذا الشيخ القوي الشكيمة عن العمل، وأرسل إليه الرئيس المباشر، فلما توجه إليه قال له: إن المدير أخبرني بأن الشركة قد استغنت عن خدماتك وأنها تفكِّر في انتداب أحد العمال للقيام بعملكم في المسجد، وهذا حسابكم إلى اليوم حسب أمر المدير. فكان جواب الشيخ له بكل هدوء: ما كنت أظن "مسيو فرانسوا"، أنني موظف بشركة جباسات البلاح، لو كنت أعلم هذا ما قبلت العمل معها، ولكني أعلم أنني موظف من قِبَلِ الإخوان المسلمين بالإسماعيلية، وأتقاضى راتبي منهم محولاً عليكم، وأنا متعاقد معهم لا معكم على هذا الوضع، وأنا لا أقبل منك مرتباً ولا حساباً، ولا أترك عملي في المسجد ولا بالقوة، إلا إذا أمرني بذلك رئيس الجمعية التي انتدبتني هنا، وهو أمامكم بالإسماعيلية اتفقوا معه كما تريدون، واستأذن وانصرف.
حجـة معقولـة ويضيف الإمام البنا في مذكراته: "وسقط في يد إدارة الشركة وصبرت أياماً، لعل الشيخ يطلب منها مرتبه، ولكنه كان قد اتصل بي في الإسماعيلية فأوصيناه بالتمسك بموقفه وألا يدع مكانه بحال، وحجته معقولة ولا شيء لهم عنده، لجأت الشركة إلى الإدارة، واتصل مديرها "المسيو ماينو" بمحافظ القنال الذي اتصل بدوره بالمأمور بالإسماعيلية وأوصاه أن يقوم على رأس قوة لعلاج الموقف، وحضر المأمور ومعه قوته، وجلس في مكتب المدير، وأرسل في طلب الشيخ الذي اعتصم بالمسجد وأجاب الرسول: لا حاجة لي عند المأمور، ولا عند المدير وعملي بالمسجد، فإذا كان لأحدهما حاجة ليحضر لي، وعلى هذا فقد حضر المأمور إلى الشيخ، وأخذ يطلب إليه أن يستجيب لمطالب المدير، ويترك العمل ويعود إلى الإسماعيلية، فأجاب بمثل ما تقدم، قال له: تستطيع أن تأتيني من الإسماعيلية بكلمة واحدة في خطاب فأنصرف، ولكنك إذا أردت استخدام القوة، فلك أن تفعل ما تشاء، ولكني لن أخرج من هنا إلا جثة لا حراك بها، ووصل النبأ إلى العمال، فتركوا العمل في لحظة واحدة، وأقبلوا متجمهرين صاخبين، وخشي المأمور العاقبة فترك الموقف وعاد إلى الإسماعيلية، واتصل بي للتفاهم على الحل، ولكني اعتذرت له، بأنني مضطر إلى التفكير في الأمر، وعقد مجلس إدارة الجمعية للنظر ثم أجيبه بعد ذلك، وفي هذه الأثناء يؤسفني أن أقول إنني حضرت إلى القاهرة لمقابلة العضو المصري الوحيد في مجلس إدارة الشركة، فوجدت منه كل إعراض عن مصالح العمال، وكل انحياز إلى آراء الشركة ومديرها، وكل تجرد من أي عاطفة فيها معنى الغيرة الوطنية.
قابلت بعد ذلك مدير الشركة، وسألته عما ينقمه من فضيلة الشيخ، فلم أجد عنده إلا أنهم يريدون شخصاً يستسلم لمطالبهم، وكان من كلامه كلمة لا أزال أذكرها: "إنني صديق للكثير من زعماء المسلمين، ولقد قضيت في الجزائر عشرين سنة، ولكني لم أجد منهم أحداً كهذا الشيخ، الذي ينفذ علينا هنا أحكاماً عسكرية كأنه جنرال تماماً". فناقشته في هذا الكلام وأفهمته أنه مخطئ، وأن الشركة هي التي تقسو على العمال وتنقص من حقوقهم، وتستصغر إنسانيتهم، وتبخل عليهم، وتقتِّر في أجورهم، في الوقت الذي يتضاعف ربحها، ويتكدس، وأن من الواجب علاج هذه الحال بعلاج نظم هذه الشركات، ووجوب قناعاتها باليسير من الربح، واتفقنا أخيراً على أن يبقى الأستاذ الشيخ فرغلي شهرين حيث هو، وأن تقوم الشركة بتكريمه عند انتهاء هذه المدة، وأن تطلب رسمياً من الإخوان من يحل محله من المشايخ، وأن تضاعف للشيخ الجديد راتبه، وتعنى بسكنه ومطالبه، وفي نهاية المدة عاد فضيلة الشيخ فرغلي وتسلم مكانه فضيلة الأستاذ شافعي أحمد، واستمرت الدعوة تشق طريقها، في هذه الصحراء بسم الله مجريها ومرساها". انتهى.
الجهاد في فلسطين لقد كان الشيخ محمد فرغلي من المبادرين إلى الجهاد في فلسطين 1948م، حيث دخلها على رأس قوة من مجاهدي الإخوان المسلمين، فقد أعلن الإمام حسن البنا أن تحرير فلسطين عن طريق المجاهدين المؤمنين، أقرب منه عن طريق الجيوش النظامية، التي يُحكم الاستعمار قبضته حول أعناقها، ورغم أن حكومة النقراشي أحكمت قبضتها على الحدود لمنع المجاهدين من التسلل إلى فلسطين، ورغم أن الاحتلال البريطاني لفلسطين، أغلق الحدود الفلسطينية في وجه المجاهدين، لكن مجاهدي الإخوان المسلمين أمكنهم التسلل واختراق كل الحواجز والدخول إلى فلسطين، ليقفوا إلى جانب إخوانهم المجاهدين الفلسطينيين، وكان الشيخ محمد فرغلي من أبرز قادة الإخوان المسلمين الذين شرعوا بتدريب إخوانهم الفلسطينيين، وشاركوهم في اقتحام مواقع اليهود، وأقضّوا مضاجعهم، وهاجموا مستعمراتهم. بطـولات ... ومن أعمال الشيخ فرغلي البطولية في فلسطين، أنه خرج وثمانية من إخوانه المجاهدين وراء خطوط اليهود، وتسللوا إلى مستعمرة قرب الفجر، وصعد الشيخ فرغلي أعلى مكان فيها، وأذن الفجر، وظنَّ اليهود أن الإخوان المسلمين داهموهم بليل، فولوا الأدبار هاربين وفي مقدمتهم حراس المستعمرة، وفي الصباح سلَّم مجاهدو الإخوان المستعمرة إلى الجيش المصري دون استخدام سلاح أو إراقة دماء، وهكذا كانت جرأة الشيخ فرغلي وشجاعته وإقدامه، وإلى هذا الحد كان خوف اليهود وهلعهم من الإخوان المسلمين.
وفي سنة 1951م ألغت الحكومة المصرية معاهدة 1936م مع بريطانيا، فقابل الإنجليز الأمر باستخفاف، ونزل الشيخ فرغلي وإخوانه إلى المعركة بعزم وصدق وجلد على ضفاف قناة السويس، مما جعل الزعيم البريطاني "تشرشل" يطلق تصريحه المشهور في لندن حيث قال: "إن عنصراً جديداً قد نزل إلى ساحة المعركة". وقد دارت معارك طاحنة بين الفدائيين المصريين وقوات الاحتلال البريطاني، على أرض القناة وفي معسكرات التل الكبير، ووسط ثكنات الجيش البريطاني، وفي بورسعيد والإسماعيلية والسويس، حيث سالت الدماء وفاضت أرواح الشهداء، وتأكد للإنجليز أن بقاءهم لن يطول أمام هذا العنصر الجديد الذي دخل المعركة من مجاهدي الإخوان المسلمين، وكانت المواقف البطولية للشيخ المجاهد محمد فرغلي تزرع الرعب في قلوب الإنجليز، مما دفعهم لإعلان جائزة كبرى ثمناً لرأسه حياً أو ميتاً، ولكنهم لم يفلحوا. لقد كان الداعية المحنك الشيخ المجاهد محمد فرغلي هو رئيس الإخوان المسلمين بمنطقة الإسماعيلية، وكان ساعده الأيمن الذي يشد أزره، هو المجاهد الجسور يوسف طلعت، وكان الاثنان مصدر الخوف والرعب لقوات الاحتلال البريطاني بالقناة
عبد الناصر يحاول الوقيعة يقول الأستاذ كامل الشريف في كتابه القيم "المقاومة السرية في قناة السويس": ".... لقد عرفت الشيخ محمد فرغلي ـ أول ما عرفته ـ يوم كان يرافق الإمام الشهيد حسن البنا في جولته على خطوط القتال في فلسطين، ثم توثقت بيننا عرى الأخوة، حين عملنا سوياً، خلال الحملة الفلسطينية، فازددت به معرفة وإعجاباً، فقد كان من الصنف الذي يفرض عليك ـ رغم تواضعه الشديد وأدبه الجم ـ أن تحترمه وتقدِّره، وكان مفتاح شخصيته هو "الترفع" الترفع عن الصغائر، والترفع عن الخصومات، والترفع عن كل ما يشين، وكان شديد الحرص على سمعة الدعوة ونظمها، غيوراً إلى أبعد الحدود، على هيبتها وكرامتها، وأذكر أن الشيخ فرغلي وأنا، كنا نمثِّل الإخوان في لقاء بمكتب البكباشي عبدالناصر، وكان وقتها وزيراً للداخلية في وزارة محمد نجيب، وقد ضم الاجتماع رجال الانقلاب: عبدالحكيم عامر، وصلاح سالم، وحسين كمال الدين، فأراد ضباط الانقلاب، أن يوقعوا بين الشيخ فرغلي، والمرشد العام الهضيبي بذكرهم جهاد الشيخ فرغلي في فلسطين والقناة، وثنائهم عليه، والنيل من شخص المرشد العام، فما كان من الشيخ فرغلي، إلا أن قطع عليهم الحديث وقال غاضباً: "يجب أن تدركوا أن هذا الذي تتحدثون عنه هو زعيمنا وقائد جماعتنا، وإنني أعتبر حديثكم هذا إهانة للجماعة كلها ولشخصي بصفة خاصة، وإذا كان هذا أسلوبكم فإنكم لن تصلوا إلى شيء"، فكان هذا القول كافياً لإقناعهم أنهم أمام رجل صلب العود، قوي الشكيمة، فانصرفوا بالحديث إلى جهة أخرى. ولم يكن الشيخ فرغلي من ذلك النوع من شيوخ الدين، الذين يتعلقون بالقشور ويبحثون عن المناصب والمراكز، ولكنه كان مجاهداً بحق، وحسبه أنه ترك وظيفته وأهله، وذهب إلى فلسطين مع رجال جماعته من المجاهدين، وحين نشبت معركة قناة السويس، ترك أهله مرة أخرى واندمج بكليته في المعركة".
ويستطرد كامل الشريف: "وحين بدأ الإنجليز التحرش بأهالي منطقة القناة، والتعدي على الناس، عمَّت المظاهرات الشعبية المنطقة كلها، وانعقد مؤتمر كبير بالإسماعيلية برئاسة الشيخ محمد فرغلي حيث تقرر فيه التصدي للإنجليز بالقوة ومقاومتهم وضربهم في أوكارهم ومعسكراتهم، وقد حمل الشيخ فرغلي هذا القرار بوصفه رئيس المؤتمر إلى مكتب الإرشاد العام للإخوان المسلمين بالقاهرة، وقد أعلن إضراب عام للعمال العاملين في قناة السويس وأضرب التجار عن إمداد الجيش الإنجليزي بالمواد التموينية، واندفع الشعب يساند مجاهدي الإخوان المسلمين، لمناجزة الإنجليز ومحاربتهم، وقد قتل الإخوان الكثير من جنود الإنجليز، وجرحوهم ودمروا الكثير من المنشآت العسكرية، والجسور والدبابات والمصفحات، فخاف الجنود وأعلنت حالة الطوارئ عندهم ومُنعوا من الخروج من معسكراتهم بعد الغروب، وانكسرت هيبتهم أمام الناس، وصار الأطفال يرمونهم بالحجارة، وتحمَّس بعض ضباط الجيش المصري واندفعوا مع الإخوان يدرِّبون الشباب على أنواع الأسلحة وفنون القتال، وقد أتيح لي شخصياً أن أحضر اجتماعات متعددة، كانت تعقد ـ في منزل الشيخ محمد فرغلي بالإسماعيلية ـ يحضرها بعض الضباط المصريين وبعض قادة الإخوان المسلمين، وكان الشيخ فرغلي ويوسف طلعت يحسب لهما الإنجليز وأعوانهم حساباً شديداً، ويرصدون تحركاتهما من خلال الجواسيس والعملاء المأجورين، وقد نشرت مجلة "روزاليوسف" حديثاً مطولاً للشيخ فرغلي مع مندوبها وقد وصفته المجلة بأنه الشيخ الغامض الذي يحسب له الإنجليز ألف حساب، حيث قال في حديثه للمجلة: "إن الإخوان المسلمين لا يستطيعون الكف عن محاربة الإنجليز حتى يتمّ جلاء القوات البريطانية، وإن أفضل طريقة أمام القيادة البريطانية لحماية جنودها هي سحبهم من قناة السويس" انتهى.
هذا هو الشيخ فرغلي، الذي عرفته منذ كنت طالباً في السنة الأولى بجامعة الأزهر إلى أن تخرجت فيها، وهذا هو البطل الفذ، والمجاهد الشجاع، والداعية الحكيم، الذي دوَّخ اليهود والإنجليز، وتلك هي سيرته العطرة وتاريخه المجيد. وها هو الطاغية عبدالناصر يتطوَّع بتقديم رأس الشيخ على حبل المشنقة إرضاء لسادته اليهود والإنجليز والأمريكان والروس، هدية مجانية مع إخوانه الشهداء الخمسة الذين أعدموا جميعاً يوم 7-12-1954م، حيث وقف الشيخ المجاهد شامخ الرأس أمام حبل المشنقة، باسماً في إقدام، فرحاً في إيمان، مردداً قول من سبقوه من إخوانه وهم يمضون في طريق الشهادة، وعجلت إليك رب لترضى، وقال قولته الشهيرة: "إنني مستعد للموت فمرحباً بلقاء الله"، وصدق الله العظيم إذ يقول: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى" نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا 23. (الأحزاب). ولقد أوردت مجلة "باري ماتش" الفرنسية في عددها الصادر يوم 8-12-1954م الخبر التالي: "في الساعة السادسة من صباح يوم أمس 7-12-1954م رفع العلم الأسود على سجن القاهرة وسيق المحكوم عليهم بالإعدام يسيرون بأقدام عارية، وملابس الإعدام الحمراء، وبدأ تنفيذ الأحكام في ستة من الإخوان المسلمين هم: "محمود عبداللطيف، يوسف طلعت، هنداوي دوير، إبراهيم الطيب، محمد فرغلي، عبدالقادر عودة"، الساعة الثامنة، وقد ذهب المحكوم عليهم إلى المشنقة بشجاعة منقطعة النظير، وهم يحمدون الله على حصولهم على شرف الشهادة.
http://www.nowabikhwan.com/Gallery/604bda9da7f68275be25a814866ab370.jpg
الشيخ محمد فرغلي قبل لحظات من اعدامه
أم محمد
11th January 2008, 01:33 PM
يوسف العظم
" شاعر القدس "
http://www.thaqafa.org/Main/DataFiles/Contents/Files/Images/yosefal3azm1.jpg
-إصغاء لشدوه يوم آن الرحيل-
"أنا للقـدس خافقي ووريدي
وحـياتي ومهـجتي ووجـودي
وعـلى القدس قد قصرت حديثي
وقوافي شعري وبيت قصيدي"
لطالما غنى بشعره للأقصى السجين.
فلسطيني الهوى، مقدسيالانتماء..
هو، وإن لم يكنفلسطينياً، فشعره فلسطيني، ففلسطين صارت هوية شعرية ينتمي إليها من يكتب لها..
نفس كبيرة في مرادها،
شفيفة صغيرة منكسرة أمام خالقها،
يفتح قلبه الرقيق لنور الإيمان في أيام الله الغالية
الحياة الحقيقية العظيمة لديه هي حياة الذكر، حياة التسبيح والتكبير؛
" إن كنت أسألُ ربي خيرَ مغفرةٍ
أن يمسحَ اللهُ بالطاعاتِ عصياني
أو كنت أطمعُ في مثوى ألوذُ به
بأن أفوز بجنّاتٍ ورضوانِ"
هيا بنا نتعرف على هذا الإنسان الذى لا يشدو إلا للقدس
ونقترب من هذه النفس الكبيرة فى أهدافها وغاياتها
ونطلع على هذا القلب الرقيق الذى يفتح قلبه لنور لله
* سيرة ومسيرة :
ولد الشاعر يوسف العظم فيمدينة معان الأردنية التاريخية الواقعة في أقصى جنوب الأردن، وذلك سنة 1931 لأبوينفقيرين متدينين، بدأ ينهل العلوم طفلاً في كتّاب البلدة لمدة عامين حتى دخل المدرسةالابتدائية وتابع الإعدادية في معان أيضاً..
بعد ذلك انتقل إلى العاصمةعمان، حيث تلقى تعليمه الثانوي فيها، ثم انطلق إلى بغداد ليدرس الشريعة فيها لمدةعامين، ثم توجّه إلى مصر حيث درس في الأزهر اللغة العربية وآدابها، ونال شهادتهاسنة 1953م، ثم التحق بمعهد التربية للمعلمين بجامعة عين شمس وتخرج سنة 1954م.
في سنوات شبابه التي عاشهافي مصر التقى العظم برجال الحركة الإسلامية هناك، وعاش مع شبابها في الجامعات،وتأثر بفكر الإخوان المسلمين فيها، خاصة أن جماعة الإخوان كانت تضم عدداً كبيراً منالأدباء والشعراء والباحثين الذين يتابعون الشؤون الاجتماعية والثقافية والأدبية،مما أطلعَهُ على هذه الجهود ونتائجها المتوافرة من دواوين وأمسيات الشعر التي كانيقيمها شباب الحركة الإسلامية في ذلك الوقت.
بدأ الشاعر نتاجه الفكريالأول وهو لم يزل طالباً، فكتب عن الإيمان وأثره في نهضة الشعوب، ولم يكد هذاالكتاب ينزل إلى الأسواق حتى صدر الأمر بمصادرته..
عاد الشاعر إلى عمان وعملمدرساً للغة العربية في الكلية الإسلامية بعمان، ثم بدأ نجمه في الظهور، فبرزكداعية إسلامي ومُحاضر وخطيب ومحاور وكاتب في مختلف مجالات الدعوة الإسلامية. فكانمتعد النشاط غزير الإنتاج.
جذبه العمل السياسي، فترشحللانتخابات عن الإسلاميين سنة 1963، فاختاره الناخبون في مدينته معان نائباً فيمجلس الأمة، وحين حلّ المجلس، أعيد انتخابه سنة 1967م، وكان في المجلس مقرراً للجنةالتربية والتعليم وعضواً في لجنة الشؤون الخارجية.
وقد شارك في عشرات المؤتمرات والمواسم الثقافية في العالم العربي والإسلامي، والمؤتمرات التي تقيمها روابط الشباب المسلم في الدول الأجنبية. وشارك في عدد من اللقاءات والمؤتمرات المتخصصة والعامة في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، منها: مؤتمر اتحاد الطلبة المسلمين المنعقد في ولاية "أنديانا بولس" عام 1977، ومؤتمر رابطة الشباب المسلم المنعقد في ولاية "أوكلاهوما" عام 1977، ومؤتمر رابطة الشباب المسلم العربي المنعقد بمدينة "سبرنغ فيلد" بولاية "الينوى" عام 1980.
أسس العظم مع عدد من المربين والمثقفين مدارس الأقصى بالأردن عام 1963، والتي جاوز عددها خمس عشرة مدرسة في مختلف محافظات المملكة، وعمل مديراً عاماً لها.
في مجال الصحافة، ترأسالشاعر تحرير صحيفة "الكفاح الإسلامي" في الأردن
و كتب العظم في معظم الصحف الأردنية: "الجزيرة، النسر، الأردن، عمان المساء والصباح، الأفق الجديد، المنار، الرأي، الدستور، صوت الشعب، والسبيل"، كما كتب في الصحف العربية المختلفة.
وفي حقل الإذاعة قدم للإذاعة الأردنية أحاديث صباحية، وأسبوعية فكرية وأدبية ودينية كثيرة، كما قدم عدداً من التمثيليات التي تعرض الجانب المشرق من حياة المسلمين وتراث الإسلام العظيم، ومن أبرزها: "نور على الصحراء"، و"الفاروق عمر"، و"صلاح الدين الأيوبي"، و"عبد الحميد بن باديس"، و"ومضات نور". وفي التلفزيون قدم كثيراً من الأحاديث والندوات الفكرية والتربوية واللقاءات الأدبية.
هذا وقد تبرع شاعرنا يوسف العظم بمكتبته الخاصة التي تضم حوالي4200 كتاب إلى مكتبة الجامعة المركزية مكتبة الأمير الحسين بن عبدا لله، وتشتمل هذه المكتبة على مجموعات مختلفة من صنوف المعرفة الإنسانية، وبالتحديد الفكر الإسلامي والتراث والعلوم الاجتماعية المعاصرة.
وأوضح رئيس الجامعة الدكتور راتب العوران أن هذا الإهداء يشكل إضافة نوعية لمحتويات مكتبة الأمير الحسين بن عبد الله في الجامعة، لما يشتمل عليه من كتب نادرة ونسخ أخرى نافذة من مطبوعات تراثية ومعاصرة ستوضع تحت تصرف الطلبة وأعضاء هيئة التدريس والباحثين والمجتمع المحلي للاستفادة منها،مؤكدا على أن هذا التبرع السخي الذي قدمه الأستاذ العظم يشكل أحد نماذج القدوة التي يتمتع بها المجتمع الأردني، مثمنا هذه الخطوة ومعربا عن التقدير العالي الذي تبديه الجامعة بمختلف كوادرها الأكاديمية والإدارية لهذه الخطوةأصغى لشاعر القدس
وهو يشدو للقدس
تابع
أم محمد
11th January 2008, 01:38 PM
* على خطا حسان :
يعد العظم واحداً من الشعراء الأردنيين الذين لهم دور بارز في النهوض بالقصيدة من خلال ما قدمه من أعمال شعرية مختلفة تعددت موضوعاتها وأشكالها. وقد
انحصرت اهتمامات العظمالشعرية في موضوعين:
فلسطين ومقدساتهاومأساة أهلها.
والأوضاع الاجتماعيةالمتردية التي تعيشها أمتنا.
ويبدو واضحاً في شعرهاعتزازه بإسلامه وتعويله على أبناء هذا الدين منذ فجر الدعوة حتى يومنا، ودورهمالحقيق بتحرير الأقصى..
ودواوينه الشعرية هي:
1- أناشيد وأغاريد للجيل المسلم: صدرت الطبعة الأولى في عمان، 1969، طبع خمس طبعات منها.
2- رباعيات في فلسطين: المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1970.
3- في رحاب الأقصى: المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1970.
4- السلام الهزيل: المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1977.
5- عرائس الضياء: دار الفرقان، عمان، الطبعة الأولى، 1984.
6- قناديل في عتمة الضحى: مكتبة المنار، الزرقاء، الطبعة الأولى، 1987.
7- الفتية الأبابيل: دار الفرقان، عمان، الطبعة الأولى، 1988.
8- على خُطا حسان: المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى: 1990.
9- قبل الرحيل: مؤسسة الإبداع للثقافة والأدب، صنعاء، الطبعة الأولى، 2001.
10- لو أسلمت المعلقات: دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى، 2001.
* غزارة وتنوع :تعددت مؤلفات العظم، إذ كتب في مجالات عدة كالأدب والسياسة والإعلام والتربية بالإضافة إلى الشعر، وكانت مؤلفاته ذات طابع إسلامي محض.
ومؤلفاته هي:
1- أقاصيص للشباب: مجموعة قصص مشوقة ملتزمة بخط الشعر الإسلامي وتعالج مواضيع دينية واجتماعية، وهي تسم بالطابع التوجيهي، صدرت الطبعة الأولى عن المكتب الإسلامي، بيروت، 1962.
2- يا أيها الإنسان: مجموعة قصصية هادفة ذات طابع إسلامي، صدرت الطبعة الأولى عن الدار السعودية للنشر والتوزيع، جدة، 1962.
ومن جميل ما فعله الأستاذالعظم، أنه كرّس جهوداً مشهودة في تربية النشء والجيل الجديد على الإسلام،
3- فكتب سلسلة "مع الجيل المسلم": تتناول العقيدة والكون والإنسان، صدرت في طبعات عدة عن دور نشر في بيروت، وهي: المكتب الإسلامي، دار القرآن الكريم، دار الإرشاد، الدار العربية، مؤسسة الرسالة، ودار المنار في عمان،
ومن هذه السلسلة:
- براعم الإسلام: القسم الأول في العقيدة
- براعم الإسلام: القسم الثاني في الحياة.
- أدعية وآداب للجيل المسلم: يتناول سلوك المسلم في الحياة من الصباح وحتى المساء.
- مشاهد وآيات للجيل المسلم: يعرض للمسلم نعم الله وآياته.
- العلم والإيمان للجيل المسلم: يحث على التفكير والبحث في ما حول الإنسان من مخلوقات الله.
- ألوان من حضارة الإيمان: يعرض صوراً من حضارة الإسلام في مجال القيم والسلوك وميادين العلم، صدرت الطبعة الأولى عن دار المنار في عمان عام 1995.
- أخلاق الجيل المسلم من الكتاب والسنة: يتناول الكتاب لوحات أخلاقية من القيم الإسلامية المستمدة من الكتاب والسنة النبوية.
4- المنهزمون: دراسة للفكر المتخلف والحضارة المنهارة: تناول فيه مسؤولية الحكم بين مفهوم الكهنوت ومفهوم الإسلام، والرجعية والتقدمية بين الإسلام وخصومه وغيرها من الموضوعات الدينية، طبع أربع مرات، وصدرت الطبعة الثالثة عن دار القلم، دمشق، 1979.
5- الشهيد سيد قطب: حياته ومدرسته وآثاره، وهو في مجال التراجم، صدرت الطبعة الأولى عن دار القلم، دمشق، 1980.
6- أين محاضن الجيل: نص محاضرة ألقيت بالموسم الثقافي السنوي لوزارة الأوقاف في الكويت عام 1967، ويتضمن الكتيب أثر مدارس التبشير الاستعمارية ورياض الأطفال التابعة لها في سلخ الأجيال الإسلامية عن دينها وهدم دعائم الإسلام وأخلاقه، صدرت الطبعة الأولى عن الدار السعودية للنشر والتوزيع، جدة، 1980، وطبع ست طيعات.
7- سلسلة التوعية الإسلامية:
- رحلة الضياع للإعلام العربي المعاصر: يتحدث عن الإعلام وتضليله للحقائق ويضع خطوات إيجابية نحو إعلام بناء، صدرت الطبعة الأولى عن الدار السعودية للنشر والتوزيع، جدة، 1980.
- قواعد وأحكام في الاقتصاد الإسلامي: محاضرة ألقيت في ملتقى التعريف بالفكر الإسلامي التاسع في مدينة تلمسان في الجزائر ما بين 10 - 19/ 7/ 1975 وتتضمن قواعد النظام الاقتصادي في الإسلام، صدرت الطبعة الأولى عن منشورات العصر الحديث، عمان 1983.
8- دراسات في أدب الدعوة الإسلامية: وهي دراسة في النقد الأدبي صدرت في سلسلة متتابعة في حلقات:
- الشعر والشعراء في الكتاب والسنة: يتضمن القرآن والشعر والرسول والشعر في عهد النبوة، صدرت الطبعة الأولى عن جمعية عمال المطابع التعاونية، عمان، 1983.
- شعراء الدعوة الإسلامية في عهد النبوة: يتحدث عن أبرز شعراء الدعوة الإسلامية في عهد النبوة وهم: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب ن مالك، صدرت الطبعة الأولى عن دار الفرقان، عمان، 1994.
- عمر والشعر: دراسة في سيرة الخليفة عمر بن الخطاب، وبيان موقفه من الشعر، صدرت الطبعة الأولى عن دار النفائس للنشر والتوزيع، عمان، 1995.
9- مقام العقل في الفكر الإسلامي: يتضمن مقام العقل في الإسلام والدعوة والحث على التفكير وإعمال العقل في الحياة، صدرت الطبعة الأولى عن المكتبة الإسلامية، عمان، 1994.
10- في آفاق العمل الإسلامي: ويتضمن قواعد وأصول الدعوة إلى الاسلام وأسلوب العمل الإسلامي والسمات المميزة للقيادة الإسلامية الناجحة، صدرت الطبعة الأولى عن دار المنار، عمان، 1994.
11- بيادر وحصاد: مجموعة مقالات كتبت في الصحف الأردنية اليومية والأسبوعية تتناول هموم العالم الإسلامي في الأردن وفلسطين والسودان ومصر والعراق والجزائر وتونس وبعض الدول الإسلامية من وجهة نظر الكاتب الإسلامية، صدرت الطبعة الأولى عن دار الفرقان، عمان، 1998.
12- تاريخنا بين تزوير الأعداء وغفلة الأبناء: دراسة التاريخ الإسلامي دراسة معمقة بعيدة عن التشويه والتزوير التي يهدف إليها أعداء الإسلام ودور أبناء الأمة في إبراز الحقائق التاريخية لتراثهم، صدرت الطبعة الأولى عن دار القلم، دمشق، 1998.
13- في رحاب الفكر الإسلامي: يتضمن الكتاب جملة من القضايا العامة وبيان إيجابيات المعالجات التي طرحها الفكر الإسلامي وهي مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية، صدرت الطبعة الأولى عن جامعة الزرقاء الأهلية 2000
14- مجتمع الذوق الرفيع، صدرت الطبعة الأولى عن دار القلم، دمشق، 2000.
* من كلماته الخالدة :
"سبحان الذي صور الكلمة الطيبة بشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وصور الكلمة الخبيثة بشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، ووعد الصادقين فيما يقولون أو يكتبون بأن يثبتهم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وتوعد الظالمين المفترين فيما يقولون ويفعلون بالضلال والغواية والله يفعل ما يشاء!
هاتان صورتان وضعهما رب العزة أمام رجال الإعلام وحملة الأقلام ليختاروا الصورة التي يرغبون بها لتقودهم في نهاية الأمر إلى ما يستحقون، فإما مع الصادقين فيما يقولون ويكتبون ليثبتهم الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وإما مع الظالمين المفترين المتآمرين الذين يقولون ويفعلون ليزدادوا غواية على غواية وضلالاً على ضلال!
ويومئذ لا تنفع المفترين ألسنتهم وأقلامهم لأنه سيزج بهم في النار مع الذين مدحوهم وهم لا يستحقون بل هم في طغيانهم يعمهون!"
******************************** "أعمق معاني الهزيمة في حياة الإنسان تلك التي تنبع من داخله لتقضي على جميع مشاعره النفسية، وكل مظاهر السلوك الحياتي لديه،وأخطر ما في هذا النوع الرهيب من الهزيمة أن صاحبه لا يشعر به، ولا يعترف لأنه مخدرالذهن، مسلوب الإرادة، معبأ بما يحسبه الرفعة والمجد والظفر، وهو يحيا في أجواء منالغرور، لا يملك معها أن يفسح لغيره حواراً لأنه يطلُّ على من حوله من بروجالاستعلاء التي لا تؤمن إلا بعبودية الفكر وقهر الإنسان "**********************************
" لأن كانت أرضاً وتراباً وبستاناً ومزرعةً لبعض الناس فهي لنا محراب ، ولأن كانت بيتاً أو قصراً أو داراً لبعض الناس فهي لنا مسجد ، فلسطين نحبها .. لأن حبها جزء من العقيدة "
( سُبحَانَ الذِي أَسرَى بِعَبدِهِ لَيلاً مِنَ المَسجِدِ الحَرامِ إِلىالمَسجِدِ الأَقصَى )
*************************
- يؤكد شاعرنا أن السبيل هوفي الجهاد والقتال والدم، التي هي كما قال أبو تمام "أصدق إنباء من الكتب"،
فيقول في قصيدته "بسمة الشهيد":
اكتب حياتك بالدمِ.. واصمت ولا تتكلمِ!
فالصمت أبلغ في جراح الحادثات من الفم
والصمت أقوى من رنين القيدحول المعصم
والصمت أكرم عند ربك من سفاهة مجرم
إن تاه بالظلم الغشوم فَتِهْ بعزّة مسلم
ولئن خطوت إلى العلى فعلى جباه الأنجم
تابع
أم محمد
11th January 2008, 01:47 PM
* شدو فى رحاب الأقصى :
في أثناء الانتفاضة أطلق أبو راتب ألبوم أناشيد فلسطينية الهوى، فيه عدد من القصائد الموجودة في ديوان العظم،
ومن هذه الأناشيد:
إلى القدس هيا نشدّ الرحال ندوس القيود نخوض المحال
ونمحو عن الأرض فجّارها بعصف الجبال وسيل النضال
بعزم الأسود وقصف الرعود ونار الحديد ونور الهلال
إليّ إليّ أسود الفدى فما عاد يجدي مقال وقال
لقد حان يوم انتفاض الأسير ودقت طبول الفدى والنضال
ونادت ربى القدس أبطالها فأين علي وأين بلال
إثر اجتياح لبنان سنة 1982، وتحديداً في منتصف شهر أيلول ارتكبت عصابات الغدر المدعومة من قوات الاحتلال الصهيوني مجزرة وحشية هزت العالم هى مجزرة صبرا وشاتيلا
فكان لشاعرنا هذه الصورة الشعرية التى يصور فيها امرأة فلسطينية تحكى مأساتها :
ذبحوني من وريد لوريد وسقوني المرّ في كل صعيد
مزّقوا زوجي فلم أعبأ بهم فمضوا نحو صغيري ووليدي
غرسوا الحربة في أحشائه فغدا التكبير أصداء نشيدي
دمّروا بيتي وهل بيتي هنا إن بيتي خلف هاتيك الحدود
وتلفّتّ فلم أعثر على غير أبناء الأفاعي والقرود
أين بأس العرّب مذخور لمن أين أبناء الحمى درع الصمود؟
ودمي سال على تلك الربى ينثر العطر على حمر الورود
ولغ الغاصب في أشلائنا غير أنّا لم نزل "سمر الزنود"
وما أجمل أن نختم ونحن نصغى لهذه
المناجاة في رحاب الأقصى :
رباه إني قدعرفتك خفقة في أضلعي
وهتفت باسمك يا له لحناً يرن بمسمعي
أنا من يذوب تحرقاً بالشوق دون توجعي
قد فاض كأسي بالأسى حتى سئمت تجرعي
يا رب إني قد غسلت خطيئتي بالأدمع
يا رب ها تسبيحتي في مسجدي أو مهجعي
يا رب إني ضارع أفلا قبلت تضرعي؟
إن لم تكن لي في أساي فمن يكون إذن معي؟
يا رب في جوف الليالي كم ندمت وكم بكيت
ولكم رجوتك خاشعاً وإلى رحابك كم سعيت
قد كنت يوماً تائهاً واليوم يا ربي وعيت
إن كنت تعرض جنة للبيع بالنفس اشتريت
أو كنت تدعوني إلهي للرجوع فقد أتيت
وها هو ربك دعاك للرجوع
وها أنت قد لبيت النداء
فهنيئا لك الانضمام إلى ركب الشهداء
المنافحين عن القدس
يا شاعر القدس
(( توفي شاعر الاقصى بعد صراع مع المرض في 29-7-2007 ، وقال بيان لجماعة الإخوان المسلمين في نعي العظم انه توفي وهو يصلي في المستشفى التخصصي بعد ان سمح له الطبيب بالوضوء.))
أم محمد
11th January 2008, 01:55 PM
عبد الحميد كشك - رحمه الله
http://www.islamonline.net/Arabic/karadawy/2002/11/images/pic11b.jpg
يحتار الإنسان كثيراً عندما يريد الكتابة عن النجم الذي هوى .. محامي الحركة الإسلامية .. الداعية الكبير المُفوه الشيخ عبد الحميد كشك .. ذلك لأن الأحزان المتواصلة برحيل الدعاة الكبار جعل الساحة الإسلامية تنتقل من حزن إلى حزن..ومن مأتم إلى مأتم.. ومن الأسف البالغ .. لأن من يرحلون لا نجد من يسد فراغهم الكبير .
ففي هذا العام (1996مـ) – عام الحزن – رحل عنا فضيلة الأستاذ محمد حامد أبو النصر – المرشد العام السابق للإخوان المسلمين – ورحل حكيم الدعاة محمد الغزالي ، ورحل الرجل الصابر الشجاع جاد الحق علي جاد الحق ، والمؤرخ المسلم الكبير الدكتور حسين مؤنس ، والجناح الطائر للحركة الإسلامية الدكتور سعيد رمضان ، والكاتب الإسلامي خالد محمد خالد ، وكانت خاتمة الأحزان برحيل الفارسين الكبيرين في أسبوع واحد : الدكتور عبد الرشيد صقر والشيخ عبد الحميد كشك .. رحم الله هذا الجمع المبارك رحمة واسعة .
حياته وعلمه
وُلد الشيخ عبد الحميد كشك في قرية خبراخيت بمحامظة البحيرة في العاشر من مارس لعام 1923م ، وحفظ القرآن وهو دون العاشرة من عمره ، ثم التحق بالمعهد الديني بالإسكندرية ، وفي السنة الثانية ثانوي حصل على تقدير 100% . وكذلك في الشهادة الثانوية الأزهرية وكان ترتيبه الأول على الجمهورية ، ثم التحق بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر. وكان الأول على الكلية طوال سنوات الدراسة ، وكان أثناء الدراسة الجامعية يقوم مقام الأساتذة بشرح المواد الدراسية في محاضرات عامة للطلاب بتكليف من أساتذته الذين كان الكثير منعم يعرض مادته العلمية عليه قبل شرحها للطلاب ، خاصة علوم النحو والصرف .
عُين الراحل الكبير الشيخ عبد الحميد كشك معيداً بكلية أصول الدين عام 1957م ، ولكنه لم يقم إلا بإعطاء محاضرة واحدة للطلاب بعدها رغب عن مهنة التدريس في الجامعة ، حيث كانت روحه معلقة بالمنابر التي كان يرتقيها من سن 12 سنة ، ولا ينسى فضيلته تلك الخطبة التي ارتقى فيها منبر المسجد في قريته في هذه السن الصغيرة عندما تغيب خطيب المسجد ، وكيف كان شجاعاً فوق مستوى عمره الصغير ، وكيف طالب بالمساواة والتراحم بين الناس ، بل وكيف طالب بالدواء والكساء لأبناء القرية ، الأمر الذي أثار انتباه الناس إليه والتفافهم حوله .
بعد تخرجه في كلية أصول الدين ، حصل على إجازة التدريس بامتياز ، ومثل الأزهر الشريف في عيد العلم عام 1961م ، ثم عمل إماماً وخطيباً بمسجد الطحان بمنطقة الشرابية بالقاهرة . ثم انتقل إلى مسجد منوفي بالشرابية أيضاً ، وفي عام 1962م تولى الإمامة والخطابة بمسجد عين الحياة ، بشارع مصر والسودان بمنظقة حدائق القبة بالقاهرة ..ذلك المسجد الذي ظل عيناً للحياة قرابة عشرين عاماً .. هي عمر الشيخ الجليل على منبره إلى أن اعتُقل في عام 1981م وتم منعه نهائياً من الدعوة والخطابة إلى أن لقي ربه أسيراً ساجداً بين يديه .
للشيخ الجليل الراحل شقيقان هما : المهندس عبد المنعم كشك والمستشار عبد السلام كشك – أمين صندوق نقابة المحامين بالقاهرة – وله أيضاً شقيقتان متزوجتان ، وله من الأبناء ثمانية ، خمسة من الذكور ، وثلاثة من الإناث ، أما الذكور فهم : عبد السلام وعبد المنعم ، وهما محاميان ، ومحمد متخرج في كلية الإعلام جامعة القاهرة ، ومصطفى الطالب بكلية التجارة ، وعبد الرحمن الطالب بالإعدادية ، أما بناته فهُنّ : أسماء وهي متزوجة ، وتوفي عنها زوجها ولديها طفل صغير اسمه يوسف ، وخديجة وهي متزوجة ولديها محمود ، وفاطمة الطالبة بالصف الثاني الثانوي ، ولعل الكثيرين لا يعرفون أن جميع أبناء الشيخ عبد الحميد كشك يحفظون القرآن الكريم كاملاً ، كما أخبرني بذلك ابنه عبد المنعم فقد كان الفارس الذي رحل عنا مربياً ذكياً صبوراً محتسباً .
اعتقل الشيخ الجليل رحمه الله عام 1965م وظل بالمعتقل لمدة عامين ونصف ، تنقل خلالها بين معتقلات طرة وأبو زعبل والقلعة والسجن الحربي .
كما اعتقل عام 1981م وكان هجوم السادات عليه في خطاب 5 سبتمبر 1981م هجوماً مراً ، كما كان الهجوم البذيء- كذلك – على كبار الدعاة كالمرحوم عمر التلمساني ، والداعية الكبير الشيخ أحمد المحلاوي ، وقد لقي الداعية الكبير خلال هذه الإعتقالات عذاباً رهيباً ترك آثاره على كل جسده . وكان كما قال مرافقوه داخل السجون مثالاً للصبر والثبات والاحتساب واليقين .
في رحاب التفسير
ترك الداعية الكبير الراحل 108 كتب تناول كافة مناهج العمل والتربية الإسلامية ، وكان في كل هذه الكتابات ميسراً لعلوم القرآن والسنة ، مراعياً لمصالح الناس وفِقهِ واقعهم بذكاء وعمق وبصيرة . كما توج جهوده العلمية بمؤلفه الضخم في عشرة مجلدات " في رحاب التفسير " الذي قام فيه بتفسير القرآن الكريم كاملاً ، وهو أول تفسير يعرض للجوانب الدعوية في القرآن الكريم . ويُمثل ضلعاً ثالثاً إلى جانب "في ظلال القرآن " للشهيد سيد قطب ، والأساس " لسعيد حوى " .
جديرُ بالذكر أنا الداعية الكريم الراحل الشيخ عبد الحميد كشك كان مبصراً إلى أن صار عمره ثلاثة عشر عاماً ففقد نور إحدى عينيه ، وفي سن السابعة عشرة ، فقد العين الأخرى ، وكان كثيراً ما يقول عن نفسه ، كما كان يقول ابن عباس – رضوان الله عليه - :
إن يأخذِ الله من عينيّ نورهما ففي فؤادي وعقلي عنهما نورُ
كانت نهاية الشيخ المجاهد الراحل بحق هي حسن الختام .. فقد توضأ في بيته لصلاة الجمعة وكعادته ، كان يتنفل بركعات قبل الذهاب إلى المسجد ، فدخل الصلاة وصلى ركعة ، وفي الركعة الثانية ، سجد السجدة الأولى ورفع منها ثم سجد السجدة الثانية وفيها أسلم الروح إلى بارئه .. متوضئاً مصلياً ساجداً .. وبقدر ما كان الحزن يعتصر المعزّين .. بقدر ما كانت سعادة الكثير منهم بهذه الخاتمة الطيبة الحسنة .. فالمرء يُبعث على ما مات عليه ، لذلك فإن الداعية الشهير الشيخ محمد حسان عندما حضر إلى العزاء ليلة الوفاة ..قال لأبنائه : لم آت مُعزياً .. وإنما أتيت مهنئاً .. وحق لكم أن ترفعوا رؤوسكم لأنكم أبناء المجاهد الطاهر عبد الحميد كشك .
مع أسرته
وفي لقاء المجتمع بأبنائه رحمة الله عليه ، كانت لنا لقاءات مع أفراد الأسرة جميعاً .. وظل أبناؤه يتحدثون عن مآثره كوالد ومُربٍ .. فقال ابنه عبد المنعم : هل تعلم أن والدي لم يضرب أي واحد منا نحن الثمانية طوال حياته أبداً .. وهل تعلم أنه قام بتحفيظنا القرآن الكريم بنفسه ، رغم ضيق وقته ، وكثرةُ شواغله وهمومه ، ثم قال : كان والدي – رحمه الله – يظل في محبسه هذا بجوار الهاتف ، يرد على أسئلة واستفسارات الناس لمدة طويلة كل يوم كانت تصل في بعض الأيام إلى أكثر من خمس ساعات .. وعندما كنا نشفق عليه من هذا الجهد المزعج ، كان يقول : لا بد أن أعمل هذا ، لكي يكون راتبي من وزارة الأوقاف حلالاً .
ثم قال : إن ابنتي " هالة " هو الذي سماها بهذا الاسم .. وعندما سألناه لماذا ؟ قال : لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يُحب هذا الاسم ، لأن خديجة أم المؤمنين رضوان الله عليها كان لها أخت اسمها هالة ، وكانت تشبهها تماماً ، وبعد وفاة السيدة خديجة كانت أختها هالة كلما رآها الرسول صلى الله عليه وسلم ازداد سروراً ، وكان كلما طرق بابه طارق يقول : اللهم هالة .
لذلك فقد أطلق عليها هذا الاسم الحبيب للحبيب صلى الله عليه وسلم ، ونحن نعتبر أن الذخيرة التي تركها الراحل الكبير من الأشرطة التي تضم خطبه ودروسه ، كانت من أهم روافد التربية الاسلامية خلال العشرين سنةً الماضية ، وقد كتب الله لها الذيوع والانتشار في شتى أنحاء الأرض ، وقد وصلت إلى 425 خُطبة جمعة ، وأكثر من ثلاثة آلاف درس ، وكانت آخر خطبه رضوان الله عليه هي الخطبة رقم 425 الشهيرة قبيل اعتقاله عام 1981 م ، والتي بدأها بقوله تعالى " ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ، مهطعين مُقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدنهم هواء " ( إبراهيم : 42، 43 ) ، وظل بعدها رهين المحبسين إلى أن لقي ربه ساجداً في الخامس والعشرين من شهر رجب لعام 1417 هـ الجمعة الموافق 6 ديسمبر لعام 1996 م .
ليلة العزاء
كان من فضل الله علي أني تتلمذت على يدي الشيخ الراحل الجليل ، فقد لازمته حوالي سبع سنوات ، وأنا أقطن على مقربة منه بمنطقة حدائق القبة بالقاهرة ، ثم دامت اتصالاتي وزياراتي له منذ ايقافه عن الخطابة حتى رحيله .
وكان من فضل الله عليّ أن أولاده قد شرفوني بتقديم المتحدثين في ليلة العزاء .. الذي كان صورة أخرى من جموع مسجد عين الحياة ، حيث توافد مئات الآلاف من شتى أرجاء الحمهورية ، بل وحضر الكثيرون من الدول الإسلامية لتقديم العزاء في الشيخ الجليل الراحل .
تحدث في هذه الجموع الحاشدة الأستاذ مصطفى مشهور – المرشد العام للإخوان المسلمين – الذي أشار في كلمته إلى الرحلة الجهادية والدعوية للشيخ كشك ، وقال : إن رحيل الدعاة إلى الله كالدكتور عبد الرشيد صقر ، والشيخ كشك لهو شكوى خالصة إلى الله عز وجل ، وقال : إن الشيخ كشك كان واحداً من فرسان المنابر القلائل والمعدودين ، وكان من الدعاة المخلصين العاملين وإننا جميعاً نتعزى فيه ، ونسأل الله أن نفيد من علمه الذي ملأ الدنيا وأنار بصائر الناس .
كما تحدث فضيلة الدكتور محمد عبد المنعم البري – رئيس جبهة علماء الأزهر – الذي قال : إن حُزني على الشيخ كشك لا يعدله حُزن أبداً .. ذلك لأنني كنت البديل له عندما يتغير عن منبره ، وإن اخوتي له تستمر على مدى خمسة وثلاثين عاماً ، ما عهدته خلالها إلا أسداً من أسود الحق لا يبالي في الله لومة لائم ، وكان يعتبر نفسه جندياً في أرض الرباط ، ولذلك رفض الرحيل من مصر رغم العروض والإغراءات التي انهالت عليه من كل مكان ، ولكنه كان يقول : إن فرار العلماء من مصر خلال هذه الفترة العصيبة من تاريخها ، كالتولي يوم الزحف ، لأن مصر هي قلب العالم الإسلامي ، وإذا مات القلب مات الجسد كله .
أما الشيخ تاج الدين الهلالي – مفتي قارة أستراليا وأحد الأصدقاء المقربين جداً من الشيخ كشك – فقال في كلمته : لقد حدثته من يومين بالهاتف ، فقال لي : أقبل لكي أراك .. لعلها رؤية مودع ، وبالفعل كانت رؤية مودع ، ثم قال فضيلته في كلمة العزاء التي هزّ بها جموع المعزين : أما آن للأيدي الشلاء التي قيدت كلمات الله ، وكبلت الدعاة إلى الله أن تفيق ، فإن عدونا على الأبواب ، فأفيق أيها الناس فإن الأمر جد خطير ، وما عهدنا مصر هكذا .. تأكل أبناءها ..
وتحدث كذلك بين التلاوات القرآنية المتعاقبة لمشاهير القراء ، كل من الدعاة الإسلاميين : الشيخ طه السماوي ، والشيخ نشأت الدبيس ، والدكتور عاطف أمان ، والشيخ شعبان الغرباوي ، وكيل أول وزارة الأوقاف ، الذي قدم عزاء الوزارة في الشيخ الجليل الراحل ، ثم تحدث المهندس إبراهيم شكري – رئيس حزب العمل ، والمفكر الإسلامي الدكتور جمال عبد الهادي ، والشيخ المجاهد حافظ سلامة – رئيس جمعية الهداية الإسلامية ، الذي بكى وأبكى الناس باستعراضه عدداً من المواقف الجليلة للشيخ كشك رحمة الله عليه .
ثم تحدث الداعية الكبير الشيخ يوسف البدري ، والشيخ المجاهد أحمد المحلاوي ، الذي قال : أحسن الله عزاءنا معشر المسلمين ، وعظم الله أجرنا بني الإسلام ، ورحم الله ميّتينا .. ففي أسبوع واحد لقيا ربهما عالمان جليلان ، وداعيان إسلاميان عظيمان ، ما أحسب أن التراب الذي واراهما سوف يطمس اسميهما في أذهان وقلوب وأسماع الملايين ، بل لعل وفاتهما تجعل من علميهما زاداً ومداداً على الطريق ... عرفتهما المعتقلات – كما عرفت غيرهم من الرجال – أمثلة للصبر والسداد وعرفتها المنابر من فرسان الحق الذين يجولون به وله ، وعرفتهما ساحات العطاء الإسلامي ، والإصلاح الاجتماعي .. ينزلان على الناس بردا وسلاماًً ، كما ينزل ماء السماء فيحيي به الله الأرض بعد موتها .
ولك وحدك يا رب نقول : " إلى الله المشتكى " .
مفاتيح شخصيته
وأخيراً . إذا أردنا أن نضع مفاتيح لشخصية الداعية الكبير الراحل الشيخ عبد الحمد كشك ..فإننا نرى أنها تتلخص في أربعة أمور :
أولاً : الإخلاص العميق في كل علم وعمل .
ثانياً : الصدق والثبات والشجاعة إلى أقصى حد .
ثالثاً : الذكاء الحاد وخفة الظل التي قرّبت منه مفاهيم الدعوة للناس .
رابعاً : المواخب الشخصية التي حباه الله تعالى بها ، كالذاكرة الذهبية ، واللباقة والفصاحة التي لا مثيل لها .
وإذا كنا نذكر في عصرنا الحاضر للشيخ الشعراوي مثلاً أنه قد جعل من علم التفسير علماً شعبياً ، ونذكر للشيخ الغزالي – رحمة الله عليه- أنه الحكيم الأول للدعوة الإسلامية المعاصرة ، ونذكر للقرضاوي أنه فقيه الصحوة الإسلامية العالمية ، ونذكر للشهيد سيد قطب أنه المفسر الدعوي للقرآن الكريم ، ونذكر للمرحوم سعيد حوى أنه المفكر الموضوعي لعلوم القرآن والسنة ، ومن قبل ومن بعد نذكر للإمام الشهيد حسن البنا ، أنه البنّاء الأول للفكر الإسلامي المعاصر ، فإننا نذكر للشيخ كشك رحمة الله عليه أنه المحامي الأول للحركة الإسلامية المباركة فقد دخل بالدعوة – بالمفاتيح التي سبقت الإشارة إليها آنفاً – إلى كل مكان .
كنت تسمع في أشرطته عند أساتذة الجامعات كما تسمعها عند سائقي السيارات وبائعي الفاكهة والعصائر ، وكان يُحبه العلماء والمثقفون ، كما يحبه العامة والفلاحون والعمال .
وفي هذه الفترة – فترة إعادة التأسيس للعمل الإسلامي المعاصر – كانت المفاهيم الشمولية للإسلام قد غابت عن الناس كثيراً ، وكانت النظرة التكاملية للفكرة الإسلامية قد عبث بها أصابع الإشتراكية والماركسية والناصرية ، وكانت رموز العمل الإسلامي تنتقل من كرب إلى كرب ، والفضل يرجع – بعد الله تعالى – إلى هذا الرجل الراحل الشجاع ، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس ، فدوّت على المنابر أسماءُ حسن البنا و سيد قطب ، و محمد فرغلي ، وعبد القادر عودة ، ويوسف طلعت ، تماماً كما تُدوي أسماء ابن حنبل ، وابن تيمية ، والعز بن عبد السلام ، كذلك كانت لخبرة الشيخ كشك الواسعة في الحياة ، وأنماطها الإجتماعية ، وتمكنه من طرح رؤيته في مسائل المرأة والشريعة والتربية والجهاد والإصلاح الإجتماعي .. كان لذلك كله أبعد الأثر في التحليق بالدعوة في كل مكان .
وإذا كنا جميعاً نذكر للشيخ كشك أنه يكاد يكون الداعية الوحيد الذي ظل يخطب أربعين عاماً ، ما أخطأ مرة واحدةً في اللغة العربية ، فإننا كذلك نذكر له أنه كان أحد الثقاة المعدودين في علوم الحديث ، فما رجعنا إليه في مُعضلة إلا وجدناه بحراً ذاخراً من العلم الأصيل العميق الدافق ، فقد كان رحمة الله عليه يُفتي في مسائل الميراث شفوياً – وكان يحُل أعتى مشكلات الفقه والأصول وكأنه يسكب ماءً زلالاً .
كذلك لا ننسى له أبداً .. أنه كان الداعية الأول الذي كسر حاجز الخوف عند الدعاة والمدعويين ، فما كان لنا أن نكون بهذه الجرأة على المنابر ، إلا حين وجدنا الفارس الأول الشيخ عبد الحميد كشك قد سبق بفدائية وجسارة إلى كسر هذا الحاجز ، خاصة في فترات إعادة الحركة الإسلامية لنشاطها في بداية السبعينيات .
رحم الله شيخنا الجليل الراحل الشيخ عبد الحميد كشك – ورحم الله الداعية الجسور الراحل الدكتور عبد الرشيج صقر ، وسلام على الصادقين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
أم محمد
11th January 2008, 01:58 PM
محمد الحامد - رحمه الله تعالى
http://www.alghoraba.com/trajem/images/8_m_alhamed.jpg
الشيخ محمد الحامد من الرجال الذين تعتزّ بهم سورية، بل يعتزّ بهم المسلمون في كلّ مكان. إنّه من الذين اجتمع فيهم من جوانب الفضل ما يندر أن يجتمع في إنسان، فقد جمع العلم والتقى، والزّهد والشّجاعة، والتّصوّف الصافي ومحاربة البدع، والفكر الثاقب، والعاطفة الجياشة، والهيبة والتواضع، والحياء والأدب الجم والفصاحة.
ولقد كان من القلائل الذين يقولون الحق لا يخافون في الله لومة لائم.
وكان ذا ورعٍ تسير بحكاياته الركبان!
وكان ذا غِيرة على دين الله، وحرْصٍ على نشر العلم وتنشئة الأجيال وتقويم السلوك، والنّصح لكل مسلم.
من يعرفه يقول: إنّه رجل من السلف الصالح يعيش في هذا العصر.
± ± ±
ولد الشيخ محمد بن محمود الحامد سنة 1328هـ (1910م) من أسرة فقيرة.
ومنذ طفولته الأولى، وهو في السادسة من عمره توفي والده، ثمّ توفيت أمّه في السنة نفسها فذاق مرارة اليتم والفقر، لاسيما وأن الوقت كان أيام الحرب العالمية الأولى حيث الغلاء الفاحش، وانتشار المجاعة والأوبئة.
ويوم أن ذاق اليتم كان عمر أخيه الكبير بدر الدين خمسة عشر عاماً فحسب. أمّا أخوه الأصغر فهو عبد الغني.
ففي أجواء الفقر المدقع، واليُتْم القاسي كانت رحمة الله ترعى هذا الغلام وتهيئه ليكون العالم العامل، التقيَّ المجاهد، فما إن أتمّ الدراسة الابتدائية بتفوّق باهر حتى التحق بالمدرسة الإعدادية، ثمّ تركها ليدرس في دار العلوم الشرعية التي افتتحت آنئذ، في عام 1924م، وكان إلى ذلك يحضر حلقات العلم في المساجد، بجدٍّ ودأب عجيبين، حتى بلغ عدد الحلقات العلمية التي كان يحضرها تسع حلقات في اليوم!!
وبعد أن أنهى دراسته في حماة تحوَّل إلى الثانوية الشرعية في حلب فكان ذا نبوغ لفَتَ أنظار علمائها، حتّى قال فيه أحدهم، وهو الشيخ أحمد الشّماع: "بحرٌ لا تنزحه الدلاء".
وحبّب الله إليه طلب العلم فكان لا يقتصر على الكتب المدرسية المقرّرة بل يُقبل بشغف عظيم على كتب العلم يحلّ عويصها، ويتمثّل معارفها، ولقد قال عن نفسه: "... وإني أحمد الله على توفيق وتيسيره إياي للتّوسع العلمي، ووضعه الشغف به في قلبي، حتى إني لأوثر العلم على اللذائذ المادية التي يقتتل الناس عليها. ولو أنّي خُيِّرت بين المُلْك والعلم لاخترت العلم على الملك والسلطان.
ثمّ إنه سافر إلى مصر ليتلقّى التعليم الجامعي في الأزهر. ولقد استوحش في بداية الأمر لما رأى مظاهر الحياة الغربية هناك.. ثمّ إنّه تعرّف على بعض أهل الفضل والصلاح فهدأت نفسه، وأقام صدقات حميمة، وعُرِف بين أصحابه وأقرانه باسم الشيخ الحموي.
وكان دخول الأزهر يحتاج إلى اجتياز امتحان. فلما اجتاز ذلك الامتحان قال له بعض الشيوخ: إنّك عالم، لا تحتاج إلى الدراسة فيه! (أي الأزهر).
الشيخ محمد الحامد والإمام حسن البنا
وفي مصر تعرّف على الإمام حسن البنّا رحمه الله تعالى، وتحوّلت هذه المعرفة إلى علاقة حبيبة عالية بينهما، يتحدّث عنها الشيخ قائلاً:
"والذي أثّر في نفسي تأثيراً من نوع خاص، وله يد في تكويني الشخصي، سيدي وأخي في الله وأستاذي، الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله وأغدق عليه غيوث الإحسان والكرم، صحبْتُهُ في مصر سنين، وحديثي عنه لو بسطته، لكان طويل الذيل، ولكانت كلماته، قِطَعَاً من قلبي، وأفلاذاً من كبدي، وحُرَقَاً من حرارة روحي، ودموعاً منهلة منسابة تشكّل سيلاً من فاجع الألم وعظيم اللوعة.
ولكنني أكتفي بالإيجاز من الإطناب، وبالاختصار من التطويل، وقد بكيته كثيراً بعد استشهاده على نأي الدار وشط المزار، ولا أزال أذكره حتى ألقاه في زمرة الصالحين إن شاء الله تعالى وتبارك.
إنّه أخي قبل إخوتي في النسب. ولما وافاني نبأ اغتياله قلتُ: إنّ موت ولديّ –ولم يكن لي غيرهما حينئذٍ- أهون عليّ من وفاة الأستاذ المرشد.
وكنتُ رأيتُ فيما يرى النائم ليلة قُتِل، ولا علم عندي بالذي حصل، رأيت أننا في معركة مع اليهود، وقد بدأ التقهقهر في جُندنا، حتى إني لأمشي منحنياً لئلاّ يُصيبني رصاصهم، فاستيقظت واستعذت بالله من شرّ هذه الرؤيا. وفي النهار ألقى عليّ بعض النّاس الخبر، فكان وقعه أشدّ من شديد، وكان تأويل رؤياي.
إنّي أقولها كلمة حرة ولا بأس بروايتها عني، أقول: إن المسلمين لم يروا مثل حسن البنا من مئات السنين، في مجموع الصفات التي تحلّى بها، وخفقت أعلامها على رأسه الشريف، لا أُنكر إرشاد المرشدين، وعلم العالمين، ومعرفة العارفين، وبلاغة الخطباء والكاتبين، وقيادة القائدين، وتدبير المدبّرين، وحنكة السائسين، لا أنكر هذا كله عليهم، من سابقين ولاحقين، لكن هذا التجمّع لهذه المتفرّقات من الكمالات، قلّما ظفر به أحد كالإمام الشهيد رحمه الله.
لقد عرفه النّاس وآمنوا بصدقه، وكنتُ واحداً من هؤلاء العارفين به، والذي أقوله فيه قولاً جامعاً: هو أنّه كان بكليّته، بروحه وجسده، بقلبه وقالبه، بتصرفاته وتقلبه، كان لله، فكان الله له، واجتباه وجعله من سادات الشهداء والأبرار.
في حماة، بعد عودته من مصر
عاد الشيخ محمد الحامد من مصر في سن الخامسة والثلاثين، وتزوّج بعدها بفترة يسيرة أي في عام 1944، ليستلم مهام التدريس والخطابة في جامع السلطان في حماة بشكل دائم، وكان قبلها يتردّد عليه، كلما عاد من مصر في الإجازات، كما تسلَّم بعد رجوعه تدريس مادة التربية الإسلامية في "التجهيز الأولى" -كما كانت تسمّى- ثمّ عُدّل اسمها إلى "ثانوية ابن رشد" فمكث فيها مدرّساً تخرجت على يديه الأجيال متتابعة حتى تقاعد عن التدريس الحكومي قبل وفاته بأقل من سنة.
مرحلة الإنتاج المستمر والعطاء المتجدّد
كانت المدّة التي قضاها بعد رجوعه من مصر حتّى توفي، هي الفترة الذّهبية في إنتاجه، وكان لها مظاهر ثلاثة: أولها: ثباته في وجه مظاهر الإلحاد والعلمانية التي خلّفها المستعمر قبل رحيله.
ثانيها: كتاباته في شؤون شتّى، بياناً لحكم شرعي، ونصيحة للأمّة، وجلاء للحقيقة.
الثالث: تكوينه جيلاً جديداً مؤمناً واعياً جريئاً مستقيماً.
ثباته في وجه الإلحاد والعلمانية
لم يخرج المستعمر حتّى سلّم زمام الأمور لمن يطمئنّ إلى أنّهم يُتابعون طريقه في محاربة الإسلام وأهله، سواء كانت حرباً معلنة شعواء، أو كانت حرباً تتستّر وراء مظاهر خدّاعة، من مثل قولهم: إنّهم مسلمون ويعتزّون بالإسلام، في الوقت الذي يرفضون فيه سيادة شريعة الإسلام، ويُحاربون من يدعو إلى أن يكون القرآن دستور الأمة، وينشرون الفساد، ويُقرّبون المفسدين.
ولقد كان حظّ حماة أن برز فيها المد الاشتراكي بقيادة أكرم الحوراني، الذي اجتذب إليه الأقليات الطائفية التي تتركّز في بعض أرياف المحافظة، وقلّة من الفاسدين من أبناء المدينة... وكان أن أخذ الشيخ محمد الحامد –رحمه الله تعالى- على عاتقه مهمّة التصدّي للاشتراكيين، سواء فيما يتعلّق بالاحتكام إلى غير الله –وهو من أمور العقيدة- أو ما يتعلّق بالمذاهب الاقتصادية والاجتماعية المنبثقة عن هذا الاحتكام، أو ما يتعلّق بالمظاهر السلوكية والأخلاقية الهابطة.
وقد كانت وقفة الشيخ، رحمه الله، وقفة عظيمة، لم يُعاضده فيها إلاّ القليل من علماء البلد، في الوقت الذي تعرّض فيه للكثير من الأذى والتهديدات، فما وهَنَ لما أصابه في سبيل الله، وما ضعُفَ وما استكان، بل كان يقول ما يعتقد أنّه الحقّ، على منبر المسجد، وفي قاعات التدريس، وفي المحافل العامة.
كان -رحمه الله- يحمل همّ الإسلام والأمة الإسلامية في قلبه، فكلما رأى فتنة في الفكر، أو جهلاً بالأحكام الشرعية، أو شبهة علقت بالأذهان.. قام يتصدّى لها عبر مقالات صحفية ورسائل علمية... فكتب عن المرأة، وعن المسكرات، وعن الغناء، وكتب دفاعات مختلفة عن الإسلام ومصادره وكشف كثيراً من الشبهات... وقد جمع معظم هذه الرسائل في كتابه "ردود على أباطيل". على أن أكبر بحث وأهمّه هو كتابه "نظرات في كتاب اشتراكية الإسلام" يردّ فيه على كتاب "اشتراكية الإسلام" للدكتور مصطفى السّباعي رحمه الله.
وقد يتبادر إلى الذهن أن الشيخ رحمه الله نال من شخصية الدكتور السباعي واتهمه في علمه أو في دينه، أو شنّع عليه.. كلاّ، كلاّ. إنّه ما فتئ في مقدمة الكتاب وفي كلّ فصل من فصوله يُثني على الدكتور السباعي ويمتدحه، ويبيّن الإضاءات والتألّقات في الكتاب الذي يردّ عليه! ويبيّن إلى جانب ذلك الآراء التي يرى أن الصواب فيها قد جانبَ الدكتور السباعي.
إنّه كتاب فريد في بابه، سواء من حيث التمحيص العلمي، أو من حيث الموضوعية والتجرّد، أو حيث الأدب الرفيع الذي يليق بأخوين عالمين كبيرين حبيبين يتحاوران.
وقد قابل الدكتور السباعي رحمه الله المقالات التي كتبها الشيخ الحامد (والتي جُمعت فيما بعد في الكتاب المذكور) بما يليق بها من احترام وتقدير، فنشرها جميعاً في مجلته "حضارة الإسلام".
تربية جيل مؤمن
لقد كان الشيخ رحمه الله يعلم أن إعداد الرّجال الذين يحملون الفكرة، ويثْبُتُون عليها، ويُنافحون عنها... هو الأساس الذي لا محيد عنه في انتصار الفكرة.. لذلك ما فتئ يبذل الجهود في تربية أبناء شعبه على الإيمان والوعي والصلاح والجهاد:
كان يدرِّس في ثانويات حماة، ويورّث الأجيال قيم الإسلام وتوجيهاته.
وكان يُعطي مساء كلّ يوم (سوى ليلة الجمعة) درساً في جامع السلطان يتناوب بين تفسير القرآن الكريم والفقه والحديث (أو السيرة أو المواعظ والرقائق). وكانت دروسه بستاناً جَنِيَّ الثمار يخرج منه كلّ تلميذ بفوائد روحية وعلمية وفكرية وسلوكية.. بما يُناسب حاله وحال الظروف العامة وموضوع الدرس.
وكان يُعطي صباح كلّ يوم درساً في غرفةٍ في "مسجد الجديد"، يحضر هذا الدرس بضعة تلاميذ –أو يزيدون- من طلاب العلم والعلماء، فيكون الدرس غنيّاً بالبحث والتحقيق، واللفتات اللغوية والبلاغية.
مرض الشيخ ووفاته
يربط الشيخ محمود بن الشيخ محمد الحامد، بين أحداث حماة (سنة 1964م) وبين مرض والده بعدئذ ثمّ وفاته، فيقول ما خلاصته:
كان لأحداث عام (1384هـ-1964م) أثر عظيم على صحة والدي. ابتدأت الحوادث باستفزازات وتحديات من بعض العلمانيين، تبعها ردّ فعل من الشباب المسلم، واعتصم فيها الشيخ مروان حديد وجمْعٌ من إخوانه في جامع السلطان.. ثمّ طوقت القوات العسكرية المسجد وقصفته بالمدافع وهدَمَته فوق المصلّين وسقطت مئذنته واستشهد بعض من كان فيه، واعتقل كثيرون ثمّ أفرج عن بعضهم، وحكم على بعضهم بالإعدام والسجن المؤبّد. ثمّ طلب رئيس البلاد آنذاك الفريق أمين الحافظ وساطة والدي لحلّ المشكلة وتهدئة الحال، فتوجّه والدي مع عدد من العلماء والوجهاء لمقابلة الرئيس، وألقى والدي كلمة، فيها موعظة، وفيها إثارة للنخوة والحميّة، فاستجاب الرئيس، وأصدر عفواً عاماً عن جميع المعتقلين، وأمر بإعادة بناء المسجد على حساب الجيش... وانتهت المشكلة، ولم يمكث أحد في السجن أكثر من شهرين!!
لكن المرض بدأ يدبّ في جسم والدي ويستشري، فحدث معه تشمّع في الكبد، وتفاقَمَ حتى كان يقيء الدم في نوبات حادة.. وقد سارع عدد من الإخوان للتبرع بالدم تعويضاً له عمّا يفقده، لكنّ أجل الله إذا جاء لا يؤخّر.
كان مروان حديد واحداً من تلامذة والدي الذين أخذوا من توجيهاته في الجانب الجهادي وغلّبوه على غيره، فضلاً عن تأثّر مروان بجهاد الإخوان المسلمين في فلسطين.
فلما اعتصم مروان ومن معه في المسجد وحدَثَ ما ذكرنا، تأثّر والدي كثيراً، وبكى على هؤلاء الشباب الذين صاروا في السجون، وراح يدعو لهم الله بالفرج القريب، حتّى وفّقه الله واستجاب له.
ومنذ ذلك اليوم لم تعد صحة والدي على ما يرام. ولمّا اشتد به المرض ذهب إلى لبنان للعلاج وأُجريت له عملية جراحية ثمّ أُعيد إلى حماة فمكث ثلاثة أيام ثمّ فاضت روحه ليلة التاسع عشر من صفر بعد العشاء بثلث ساعة، وكان ذلك عام 1389هـ الموافق لمساء 5 من أيار 1969.
اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنّا بعده، واغفر لنا وله، وارفع مقامه عندك في أعلى عليين
أم محمد
16th January 2008, 07:03 PM
زغلول النجار
http://www.eqraa.com/html/images/articles/persons/zaghlol.jpg
الدعوة بالإعجاز العلمي النبتة الطيبة
ولد الدكتور زغلول راغب محمد النجار في قرية مشاري، مركز بسيون بمحافظة الغربية في 17 نوفمبر عام 1933م. حفظ القرآن الكريم منذ الصغر على يد والده الذي كان يعمل مدرسًا بإحدى مدارس المركز. وقد حرص الوالد دائمًا على غرس القيم الدينية والأخلاقية في حياة أبنائه.. حتى إنه كان يعطي للأسرة درسًا في السيرة أو الفقه أو الحديث على كل وجبة طعام.. يذكر الدكتور عن والده عادة غريبة أثناء تسميعه القرآن لأبنائه؛ حيث كان يرد الخطأ حتى ولو كان في نعاس تام.. فلم يكن غريبًا إذًا أن ينشأ الدكتور زغلول النجار بقلب متعلق بالإيمان بالله والدعوة في سبيله. تدرج الفتى زغلول في مراحل التعليم حتى التحق بكليته، كلية العلوم بجامعة القاهرة في عام 1951م، ثم تخرج في قسم الجيولوجيا بالكلية في عام 1955م حاصلاً على درجة بكالوريوس العلوم بمرتبة الشرف وكان أول دفعته.
في شبابه.. تأثر الشاب زغلول النجار بالفكرة الإسلامية التي تواجدت بقوة على الساحة في ذلك الوقت.. وهي الفكرة التي قامت على يد "الشيخ حسن البنا" الذي أسس جماعة "الإخوان المسلمون" في عام 1928م.. إلا أن انتمائه لهذه الفكرة أثَّر على مسيرة حياته؛ فلم يُعَيَّن الدكتور زغلول – الحاصل على مرتبة الشرف وأول دفعته – معيدًا بجامعة القاهرة، ومن ثَمَّ التحق بعدة وظائف في الفترة ما بين 1955م إلى 1963م؛ حيث التحق بشركة صحارى للبترول لمدة 5 أشهر، ثم بالمركز القومي للبحوث 5 أشهر أخرى.. حتى انضم إلى مناجم الفوسفات في وادي النيل (من إسنا إلى إدفو) لمدة 5 أعوام؛ حيث أثبت الدكتور تفوقًا ملحوظًا، وتمَّ إنتاج الفوسفات في مناجم "أبو طرطور" في خلال 6 أشهر فقط، وخرجت شحنات تجارية تقدر بمليارات الجنيهات.. ولم تنتج هذه المناجم مثل هذه الكمية بعد ذلك حتى هذا الوقت. وفي احتفالية فريق العمل بمناجم الفوسفات بهذا الإنجاز، كانت الإشادة بتفوق الشاب زغلول النجار ودوره في هذا النجاح، وعرفه رئيس اتحاد العمال في كلمته قائلاً "عندنا شخصية جيدة تجمع العمال على قلب رجل واحد…"، ولكنه بدلاً من أن يلقى التكريم اللائق كشاب وطني نابغ في مهنته، "فصل" من وظيفته.. لنفس الأسباب السياسية الفكرية.. وهكذا.. لم يثبت الدكتور زغلول في وظيفة من أي من هذه الوظائف فترات طويلة.. وإنما الثبات كله كان في قلبه المتعلق بالإيمان المضحي في سبيل فكرته.. والتحق الدكتور زغلول بمناجم الذهب بالبرامية.. حتى لاحت له الفرصة للالتحاق بجامعة عين شمس معيدًا بقسم الجيولوجيا بشرط عدم تلاحمه مع الطلاب أو التقصير في أي من محاضراته.. وبالفعل التزم الدكتور زغلول بهذه الشروط.. حتى كان يوم زيارة رئيس الحكومة في ذلك الوقت للجامعة.. وحيث إن الدكتور زغلول لم يُبَلَّغ ولم يعلم من قبل بهذه الزيارة.. حافظ على محاضرته والتزم بتدريسها.. ففصل بعد سنة واحدة من تعيينه في الجامعة، فانتقل للعمل بمشروع للفحم بشبه جزيرة سيناء.
وفي عام 1959م لاحت أول انطلاقة حقيقية للدكتور زغلول النجار في إثبات ذاته، حيث دعي من جامعة آل سعود بالرياض إلى المشاركة في تأسيس قسم الجيولوجيا هناك. ومن المملكة السعودية استطاع السفر إلى إنجلترا.. وحصل هناك على درجة "الدكتوراه في الفلسفة" في الجيولوجيا من جامعة ويلز ببريطانيا عام 1963م، ثم رشحته الجامعة.. لاستكمال أبحاث ما بعد الدكتوراه من خلال منحة علمية من جامعته..Robertson, Post-Doctoral Research fellows. ويذكر الدكتور زغلول أنه حينما حاولت إدارة البعثات المصرية الرفض، بعث أستاذه الإنجليزي الذي كان نسيبًا لملكة بريطانيا بخطاب شديد اللهجة إلى البعثات قال فيه: إنه لا يوجد من يختلف على أن الدكتور زغلول هو أحق الدارسين بهذه المنحة التي تمنح لفرد واحد فقط، وهدَّد أن بريطانيا لن تقبل أي طالب مصري بعد ذلك إذا لم يقبل الدكتور زغلول في هذه المنحة.. فبالطبع كانت الموافقة.
"موقف لا يُنسى في رحلته"
في أكتوبر من عام 1961م، كانت الباخرة التي ستقل الدكتور زغلول إلى إنجلترا راسية على ميناء بور سعيد.. وفي أثناء إنهاء إجراءات السفر فوجئ الدكتور بأنه ممنوع من السفر، وأن الشخص الوحيد الذي يستطيع إلغاء هذا القرار هو مدير جوازات بور سعيد.. والذي لم يكن موجودًا في ذلك الوقت.. فكان الدكتور زغلول النجار وأخوه محمد النجار في سباق مع الزمن الذي لم يبق منه إلا القليل.. ذهبا إلى البيت فلم يجداه.. ثم توجها إلى مستشفى الولادة ببور سعيد حين علما بأنه هناك مع زوجته وهي في حالة وضع.. "كان ضابطًا شهمًا" كما يصفه الدكتور زغلول وقال لهما: "إن زوجتي اليوم كتبت لها حياة جديدة؛ ولذلك ستسافر، وليكن ما يكون".. أصدر الضابط أوامره إلى السفينة التي كانت تحركت بالفعل للوقوف في عرض البحر.. واستقل الثلاثة قاربًا صغيرًا في جنح الظلام.. وأنزلت السلالم من السفينة في مشهد من جميع ركابها.. يقول د. زغلول "لم أتخيل ارتفاعًا أكبر من ذلك في حياتي"، وهكذا كتب للدكتور زغلول السفر إلى إنجلترا.
أبحاثه العلمية
في إنجلترا قدم الدكتور زغلول في فترة تواجده بإنجلترا أربعة عشر بحثًا في مجال تخصصه الجيولوجي، ثم منحته الجامعة درجة الزمالة لأبحاث ما بعد الدكتوراة (1963م - 1967م).. حيث أوصت لجنة الممتحنين بنشر أبحاثه كاملة.. وهناك عدد تذكاري مكون من 600 صفحة يجمع أبحاث الدكتور النجار بالمتحف البريطاني الملكي.. طبع حتى الآن سبع عشرة مرة.. عودة إلى البلاد العربية انتقل الدكتور زغلول بعد ذلك إلى "الكويت"؛ حيث شارك في تأسيس قسم الجيولوجيا هناك عام 1967م، وتدرج في وظائف سلك التدريس حتى حصل على الأستاذية عام 1972م، وعُيِّن رئيسًا لقسم الجيولوجيا هناك في نفس العام.. ثم توجه إلى قطر عام 1978م إلى عام 1979م، وشغل فيها نفس المنصب السابق. وقد عمل قبلها أستاذًا زائرًا بجامعة كاليفورنيا لمدة عام واحد في سنة 1977م.
نشر للدكتور زغلول ما يقرب من خمسة وثمانين بحثًا علميًّا في مجال الجيولوجيا، يدور الكثير منها حول جيولوجية الأراضي العربية كمصر والكويت والسعودية.. من هذه البحوث: تحليل طبقات الأرض المختلفة في مصر – فوسفات أبو طرطور بمصر - البترول في الطبيعة – احتياطي البترول – المياه الجوفية في السعودية – فوسفات شمال غرب السعودية – الطاقة المخزونة في الأراضي السعودية – الكويت منذ 600 مليون عام مضت. ومنها أيضًا: مجهودات البشر في تقدير عمر الأرض، الإنسان والكون – علم التنجيم أسطورة الكون الممتد – منذ متى كانت الأرض؟ – زيادة على أبحاثه العديدة في أحقاب ما قبل التاريخ (العصور الأولى) كما نشر للدكتور زغلول ما يقرب من أربعين بحثًا علميًّا إسلاميًّا، منها: التطور من منظور إسلامي – ضرورة كتابة العلوم من منظور إسلامي – العلوم والتكنولوجيا في المجتمع الإسلامي – مفهوم علم الجيولوجيا في القرآن – قصة الحجر الأسود في الكعبة – حل الإسلام لكارثة التعليم – تدريس الجيولوجيا بالمستوى الجامعي اللائق.. وله عشرة كتب: منها الجبال في القرآن، إسهام المسلمين الأوائل في علوم الأرض، أزمة التعليم المعاصر، قضية التخلف العلمي في العالم الإسلامي المعاصر، صور من حياة ما قبل التاريخ.. وغيرها. كما كان له بحثان عن النشاط الإسلامي في أمريكا والمسلمون في جنوب إفريقيا.. هذا بالطبع بجانب أبحاثه المتميزة في الإعجاز العلمي في القرآن، والذي يميز حياة د. زغلول النجار. بلغت تقاريره الاستشارية والأبحاث غير المنشورة ما يقرب من أربعين بحثًا. وأشرف حتى الآن على أكثر من ثلاثين رسالة ماجستير ودكتوراة في جيولوجية كل من مصر والجزيرة العربية والخليج العربي. * رسم د. النجار أول خريطة جيولوجية لقاع بحر الشمال.. وحصل على عدة جوائز منها "جائزة أحسن بحوث مقدمة لمؤتمر البترول العربي عام 1975م، وجائزة مصطفى بركة للجيولوجيا". *
تزوج الدكتور زغلول في عام 1968م ورُزِقَ منها بولدين توفاهما الله سبحانه وتعالى. * الآن، يشرف الدكتور زغلول على معهد للدراسات العليا بإنجلترا تحت اسم: Markfield Institute of Higher Education وهو معهد تحت التأسيس يمنح درجة الماجستير أو الدكتوراة في مجالات إسلامية كثيرة مثل الاقتصاد، والمال والبنوك، والتاريخ الإسلامي، والفكر الإسلامي المعاصر، والحركات المعاصرة، والمرأة وحركات تحررها.. إلخ. * د. زغلول عضو في العديد من الجمعيات العلمية المحلية والعالمية منها: لجنة تحكيم جائزة اليابان الدولية للعلوم، وهي تفوق في قدرها جائزة نوبل للعلوم.. واختير عضوًا في تحرير بعض المجلات في نيويورك وباريس.. ومستشارًا علميًّا لمجلة العلوم الإسلامية Islamic science التي تصدر بالهند.. وغيرها.. وقد عُيِّن مستشارًا علميًّا لعدة مؤسسات وشركات مثل مؤسسة روبرستون للأبحاث البريطانية، شركة ندا الدولية بسويسرا وبنك دبي الإسلامي بالإمارات.. وقد شارك في تأسيس كل من بنك دبي وبنك فيصل المصري وبنك التقوى وهو عضو مؤسس بالهيئة الخيرية الإسلامية بالكويت..
الدكتور زغلول عالمًا داعيًا
للدكتور زغلول النجار اهتمامات واسعة متميزة ومعروفة في مجال "الإعجاز العلمي في القرآن الكريم"، حيث يرى أنه وسيلة هامة وفعالة في الدعوة إلى الله عز وجل، ويقول عن تقصير علماء المسلمين تجاه هذه الرسالة: "لو اهتم علماء المسلمين بقضية الإعجاز العلمي وعرضوها بالأدلة العلمية الواضحة لأصبحت من أهم وسائل الدعوة إلى الله عز وجل"، ويرى أنهم هم القادرون وحدهم بما لهم من دراسة علمية ودينية على الدمج بين هاتين الرسالتين وتوضيحهما إلى العالم أجمع.. لذلك اهتم الدكتور زغلول بهذه الرسالة النابعة من مرجعيته العلمية والدينية في فكره، منذ شبابه. جاب د. زغلول البلاد طولاً وعرضًا داعيًا إلى الله عز وجل.. ولا يذكر أن هناك بلدًا لم يتحدث فيه عن الإسلام من خلال الندوات والمؤتمرات أو عبر شاشات التلفزة، أو حتى من خلال المناظرات التي اشتهرت عنه في مجال مقارنة الأديان.
يوجه د. زغلول حديثه إلى كل شاب وفتاة بأن عليهم فَهْم هذا الدين، وحمل تعاليمه إلى الناس جميعًا؛ فيقول في إحدى محاضراته: "نحن المسلمون بأيدينا الوحي السماوي الوحيد المحفوظ بحفظ الله كلمة كلمة وحرفًا حرفًا قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان، وأنا أؤكد على هذا المعنى؛ لأني أريد لكل شاب وكل شابة مسلمة أن يخرج به مسجلاً في قلبه وفي عقله؛ ليشعر بمدى الأمانة التي يحملها على كتفيه". كما يؤمن د. زغلول بأن علينا تسخير العلم النافع بجميع إمكاناته، وأن أحق من يقوم بهذا هو العالم المسلم: "فنحن نحيا في عصر العلم، عصر وصل الإنسان فيه إلى قدر من المعرفة بالكون ومكوناته لم تتوفر في زمن من الأزمنة السابقة؛ لأن العلم له طبيعة تراكمية، وربنا سبحانه وتعالى أعطى الإنسان من وسائل الحس والعقل ما يعينه على النظر في الكون واستنتاج سنن الله"، ويقول في موضع آخر: (ولما كانت المعارف الكونية في تطور مستمر، وجب على أمة الإسلام أن ينفر في كل جيل نفر من علماء المسلمين الذين يتزودون بالأدوات اللازمة للتعرض لتفسير كتاب الله). إلا أن د. زغلول وبرغم اهتمامه الشديد بما في القرآن من إعجاز علمي، يؤكد أنه كتاب هداية للبشر وليس كتابًا للعلم والمعرفة موضحًا ذلك في قوله: (أشار القرآن في محكم آياته إلى هذا الكون ومكوناته التي تحصى بما يقارب ألف آية صريحة، بالإضافة إلى آيات تقترب دلالتها من الصراحة.. وردت هذه الآيات من قبيل الاستشهاد على بديع صنع الله سبحانه وتعالى، ولم ترد بمعنى أنها معلومة علمية مباشرة تعطى للإنسان لتثقيفه علميًّا)، ويدعو د. زغلول دائمًا إلى أن يهتم كل متخصص بجزئيته في الإعجاز العلمي ولا يخوض فيما لا يعلم (أما الإعجاز العلمي للآيات الكونية فلا يجوز أن يوظف فيه إلا القطعي من الثوابت العلمية، ولا بد للتعرض لقضايا الإعجاز من قبل المتخصصين كلٌّ في حقل تخصصه). تحية من الجيل.. تحية من كل شاب مسلم وفتاة مسلمة.. عمَّا قدمه عالمنا للعلم والحياة والإنسان.. ويقف إعجازه العلمي إعجازًا لا يُنْكَر من أي عالم يقدر العلم والعلماء.. ندعو جيل علمائنا إلى أن يقتدي به.. وهذا أفضل طريقة لتقديم الشكر للدكتور زغلول على ما قدمه.. وهو أن يكون منا زغلول.. آخر..
أم محمد
16th January 2008, 07:08 PM
الشيخ عبد الفتاح أبو غدة
http://www.arab7.com/up/file/1185333014337.jpg
عبد الفتاح أبوغدة
( 1337 ـ 1417 هـ = 1917 ـ 1997م)
عبد الفتاح أبوغدة.. في سطور:
هو عبد الفتاح بن محمد بن بشير أبوغدة.
ولد في حلب بسورية سنة 1337 هـ = 1917م.
تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في حلب.
سافر إلى القاهرة والتحق بكلية الشريعة بجامعة الأزهر وتخرج فيها سنة 1948م.
ثم حصل على تخصص أصول التدريس من كلية اللغة العربية سنة 1370 هـ 1950م.
بعد عودته إلى حلب عمل بالتعليم الثانوي أحد عشر عامًا.
انتخب عضوًا في المجلس النيابي بسورية سنة ( 1382 هـ = 1962م).
عمل في كلية الشريعة بجامعة دمشق.
عمل بالجامعات السعودية نحو ربع قرن من الزمان، تخرج على يديه مئات الطلاب.
اختير مراقبًا لجماعة الإخوان المسلمين في سورية في مطلع التسعينات من القرض الماضي.
له ما يقرب من ستين كتابًا، يدور معظمها حول الحديث النبوي.
توفي الشيخ في سنة ( 1417 هـ = 1997م) ودفن بالبقيع في المدينة المنورة.
توطئة:
جذبت دعوة الإخوان المسلمين في الثلاثينيات والأربعينات من القرن المنصرم نفرًا من نوابغ الطلبة من البلاد العربية، الذين كانوا يدرسون في معاهد العلم في القاهرة، وكانت آنذاك قبلة الدارسين من العالم العربي والإسلامي بمعاهدها العلمية وأزهرها، وصحافتها وكتابها وعلمائها النوابغ.
وفي هذه الفترة كان نجم الدعوة والإصلاح هو الإمام حسن البنا، نجح في أن ينتقل بالدعوة من الفكر إلى الحركة، ومن التنظير إلى التطبيق، ومن الفرقة والتشتت إلى التوحد والتنظيم ، فالتفت الأمة حوله وأعطته مقادها عن وعي وبصيرة، وتجمع عليه عدد من نوابغ الطلاب الذين كانوا يدرسون بالأزهر، رأوا فيه ما لم يروه في شيوخهم -على فضلهم وجلالة قدرهم-، لكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومن بين هؤلاء النابغين كان فضيلة العالم المحدث عبدالفتاح أبوغدة.
المولد والنشأة:
ولد عبد الفتاح بن محمد بن بشير أبو غدة في مدينة حلب بسورية، في شهر رجب من سنة (1337 هـ = 1917م) لأب كان يشتغل بتجارة المنسوجات، محبًا للعلم حريصًا على حضور مجالسه، يعتاد ارتياد المساجد، وفي مثل هذا الجو الطيب نشأ الشيخ أبو غدة، وما كاد يبلغ الثامنة من عمره حتى أدخله أبوه المدرسة العربية الإسلامية الخاصة، ولما انتهى من الدراسة فيها انتقل إلى المدرسة الخسروية التي سميت بعد ذلك بالثانوية الشرعية، وتتلمذ فيها على يد عدد من علماء حلب المعروفين من أمثال الشيخ راغب الطباخ صاحب كتاب " إعلام النبلاء بأخبار حلب الشهباء " والشيخ مصطفى الزرقا الفقيه الكبير، وعيسى البيانوني وغيرهم.
أبو غدة تلميذًا في مدرسة البنا:
وبعد تخرجه من المدرسة الثانوية استكمل دراسته في الجامع الأزهر، والتحق بكلية الشريعة ودرس على شيوخها الذين كانوا يعدون من أئمة العلم والفقه في العالم الإسلامي، وحسبك أن يكون من بينهم : محمد الخضر حسين، ومحمود شلتوت، وعبد الحليم محمود، والثلاثة جميعهم تولوا مشيخة الجامع الأزهر، بالإضافة إلى غيرهم من أساتذة الكلية المعروفين.
ولم يكتف الشيخ أبو غدة بهذه الدراسة النظامية، بل اتصل بالحياة العلمية الزاخرة التي كانت تموج بها عاصمة المعز، فاتصل بالمحدث المغربي الكبير"عبد الله الصديق الغماري" وكان قد هاجر من المغرب، واتخذ القاهرة وطنـًا لـه، وكان تمكنه من الحديث وعلومه سببًا في التفاف طلبة الحديث حوله "، كما اتصل بالشيخ " مصطفى صبري" آخر مشايخ الإسلام في الدولة العثمانية، ووكيله الشيخ " محمد زاهد الكوثري"، وكانا قد هاجرا من تركيا بعد سقوط الدولة العثمانية واستقرا في القاهرة، وقد لازمهما الشيخ أبو غدة ملازمةً لصيقةً، وتتلمذ عليهما ست سنوات كاملة، وأفاد من علمهما إفادةً عظيمةً. وفي الوقت نفسه حضر محاضرات بعض كبار العلماء الذين يعملون في جامعة القاهرة من أمثال الشيخ عبد الوهاب خلاف، والشيخ محمد أبو زهرة.
وكان من الطبيعي أن يبزغ نجم أبي غدة في الأوساط الأزهرية؛ لدأبه ونشاطه وجده واجتهاده، ثم انتقل إلى الأوساط الأدبية حين بدأ يرسل نقودًا علميةً موجزةً على صفحات مجلات الأدب، تنبئ عن علم وبصيرة ودقة وسداد، من ذلك ما كتبه إلى مجلة الرسالة الغراء، يصحح فيه خطأ وقع فيه اثنان من عمالقة الأدب هما محمد كرد علي، وأحمد أمين، حين ذكرا أن العلامة أحمد تيمور تتلمذ على يد الشيخ نصر الهوريني اللغوي المعروف، وكان فيما كتبه ما يلي: (يذكر الأستاذان أحمد أمين بك، ومحمد كرد علي بك في كتاب ذكرى أحمد تيمور الذي ظهر حديثًا أن العلامة أحمد تيمور باشا كان في جملة أساتذته الشيخ نصر الهوريني، وأنا أعلم أن وفاة الشيخ نصر الهوريني كانت سنة 1291 هـ، كما ذكره العلامة تيمور في كتابه " تصحيح القاموس"، والأستاذ الزركلي في" الأعلام "، والعلامة تيمور ولد سنة 1288 هـ، فتكون سنه ثلاث سنوات عند وفاة الشيخ الهوريني، وممتنع أن يكون الباشا تيمور في هذا السن صديقًا للهوريني أو تلميذًا له، فذكره في معارف أحمد تيمور خطأ، وجلّ من لا يخطئ).
وأسلوب الرد يدل على منحى الأستاذ العلمي منذ أن حمل أمانة القلم، في التزام الأدب مع المخطئين، واختيار الكلمات الهادئة التي ترشد إلى الصواب دون صخب أو جلبة، مع ذكر الدليل على الصواب بالاستناد إلى الوثائق التاريخية.
وفي هذه الفترة توثقت صلته بجماعة الإخوان المسلمين، والتقى بالإمام حسن البنا، وتتلمذ عليه وتأثر به وحمل فكره، واقتدى بخطوه، وصار من دعاة الإسلام.
وبعد أن تخرج الشيخ " أبو غدة " في كلية الشريعة حاملاً شهادتها العالية سنة (1368 هـ = 1948م) التحق بتخصص أصول التدريس بكلية اللغة العربية، وتخرج فيها بعد عامين، وعاد إلى بلاده.
أبو غدة نائبًا في البرلمان السوري:
عاد الشيخ إلى بلاده يحمل علمًا واسعًا، وفكرًا جديدًا، وروحًا وثابة، ونفسًا طامحةً إلى التغيير والإصلاح، وعمل مدرسًا بوزارة المعارف السورية سنة (1371 هـ = 1951م)، وقام بتدريس التربية الإسلامية والعلوم الشرعية مدة إحدى عشرة سنةً في المدارس الثانوية بحلب، وألف خلالها ستة كتب دراسية للمرحلة الثانوية بالاشتراك مع الشيخ الجليل أحمد عز الدين البيانوني.
ثم انتخب عضوًا في المجلس النيابي بسورية سنة (1382 هـ = 1962م)، وكان فيها بطلاً من أبطال حرية الرأي، وجلجل فيها صوته داعيًا إلى تطبيق شريعة الإسلام، وكان صوت حق في الوقت الذي لاذ فيه كثيرون بالصمت، واعتصموا بالسكون والهدوء، والميل إلى الدعة والراحة، لكن أصحاب الدعوات لسان صدق أينما حلّوا.
ثم انتدب الشيخ للتدريس في كلية الشريعة بجامعة دمشق، فدرس بها الفقه الحنفي وأصول الفقه، والفقه المقارن بين المذاهب، ثم قام بإدارة موسوعة الفكر الإسلامي في كلية الشريعة قام خلالها بإتمام كتاب "معجم فقه المحلى لابن حزم "، وكان قد سبقه إلى العمل فيه بعض زملائه فأتمه، وطبعته جامعة دمشق ضمن مطبوعاتها في مجلدين كبيرين.
أبو غدة في رحاب العلم:
وأعاد الشيخ أبو غدة إلى الأذهان ما كان يفعله القدماء في الرحلة في طلب الحديث ومقابلة الشيوخ والأقران، والرواية عنهم، وطلب الأسانيد العالية، فرحل إلى الهند سنة ( 1382 هـ = 1962 م )، والتقى هناك بكبار المحدثين والعلماء، من أمثال المفتي عتيق الرحمن كبير علماء دلهي بالهند، وأبو الوفاء الأفغاني رئيس دائرة المعارف النعمانية، واطلع هناك على نفائس المخطوطات العربية، وكان له فضل نشر تراث بعض أئمة الحديث في الهند ممن لم تكن لهم شهرة في العالم العربي، ويأتي في مقدمتهم : محمد عبد الحي اللكنومي، ومحمد أنور الكشميري، وقد نشر للأول ثلاثة من نفائس مؤلفاته هي "الرفع والتكميل في الجرح والتعديل"، والأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة في علوم الحديث، وإقامة الحجة على أن الإكثار في التعبد ليس ببدعة، ونشر للثاني كتابه " التصريح بما تواتر في نزول المسيح".
وبعد عودته من الهند دعته المملكة العربية السعودية للعمل في معاهدها العلمية، والاستفادة من علمه الواسع، فانتقل إلى هناك سنة (1385 هـ = 1965م)، وعمل أستاذًا في كلية الشريعة بالرياض التي أصبحت بعد ذلك جامعة محمد بن سعود الإسلامية، ودرس في المعهد العالي للقضاء، ثم قام بتدريس الحديث النبوي وعلومه نحو عشر سنوات لطلبة الدراسات العليا في كلية أصول الدين بجامعة محمد بن سعود، وظل يعمل بهذه الجامعة ثلاثًا وعشرين سنةً، كان موضع تقدير الطلاب وإعجابهم به؛ لعلمه الغزير وسلوكه الرفيع. ثم عمل بجامعة الملك سعود بالرياض سنة (1408 هـ = 1987م)، ومكث فيها عامين ثم تقاعد عن التدريس.
وإلى جانب هذا النشاط الوافر بالمملكة العربية السعودية، كانت له سفرات للتدريس في بعض البلاد العربية والإسلامية، فعمل أستاذًا زائرًا في جامعة أم درمان الإسلامية في السودان، وعمل باليمن، ودرس في جامعة ندوة العلماء في لكنو بالهند، وهي الجامعة التي يرأسها سماحة الشيخ أبو الحسن الندوي.
وفي كل مكان ينزل به يلتف حوله طلبة العلم ودارسو الحديث النبوي للاستفادة منه، وقد انتفع بعلمه آلاف الطلاب في حلب ودمشق والرياض والهند وباكستان واليمن.
أبو غدة مراقبًا للإخوان في سورية:
وفي مطلع التسعينيات من القرن العشرين تولى الشيخ أبو غدة منصب المراقب العام للإخوان في سورية، في ظروف بالغة الحرج، حيث تمتلئ السجون بآلاف المعتقلين من جماعة الإخوان المسلمين، الذين يلاقون العذاب والاضطهاد والترويع والتخويف، بالإضافة إلى مئات السيدات اللاتي يعانين المصير نفسه.
وكان على الشيخ أبي غدة أن يقود المركب في هذه الأجواء العصيبة، وتربص الحكومة السورية بجماعة الإخوان، ونجح في علاج التصدع التي منيت به الجماعة، وأن يحتفظ بكيانها ووحدة صفها، في ظل الظروف العصيبة التي تعيشها هناك، وصرح هو عقب هذه الأحداث : "دعوة الإخوان هي دعوة تكليفية ليس فيها التاج.. وليس فيها الغنى.. وإنما هي دعوة المشقات والمتاعب... وأن من فضل أنه قد انفصل من انفصل وبقى أهل الحل والعقد والعزم والتصميم كما هم.. وما يزالون يزدادون قوةً، وهم بخير وفي خير كثير.. ومازالت آثار هذا الانشقاق تضمحل، ويخرج من دخل في هذا الانشقاق إلى ساحة الشرعية والجماعة النظامية، وهم يعتذرون عما سلف منهم.. "
أخلاق الشيخ أبي غدة :
يذكر كل من التقى بالشيخ أو صادقه أو تعلم على يديه أنه كان كريم الخلق، واسع الصدر، سريع العبرة، أنيقًا في ملبسه، صبورًا على الشدائد والمحن، مجدًا في طلب العلم، مجتهدًا في تحصيله، محبًا في نشره، كثير العبادة والصلاة، مداومًا على قراءة القرآن، وكان الشيخ سمح الطبع، صافي القلب، صادق الإيمان، محبًا لإخوانه، بل محبًا للإنسان عامةً، وحسبك من ذلك ما كتبه تعليقًا على حديث النبي صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره أو لأخيه ما يحب لنفسه " يقول الشيخ : قال العلماء : المراد بالأخ في قوله "حتى يحب لأخيه" عموم الأخوة حتى يشمل الكافر والمسلم، فيحب لأخيه الكافر ما يحب لنفسه من دخوله في الإسلام، كما يحب لأخيه المسلم دوام الإسلام، بل تتجه إلى كل خير يصيب الإنسان ـ أيًا كان ـ مادام لا يصيب أحدًا بسوء. فانظر إلى قوله تعلم ما كان يملأ قلبه من حب للإنسانية وتمني الخير لها.
وفاة الشيخ أبي غدة:
كان الشيخ يجهد نفسه في البحث والتأليف، حتى ضعف بصره، ولم يكن ذلك يثنيه عن مواصلة العمل، واضطر إلى إجراء عملية جراحية في مستشفى العيون التخصصي بالرياض في شعبان سنة ( 1417 هـ = 1997م )، وضعفت صحته على إثرها، فنقل إلى مستشفى الملك فيصل في أواخر رمضان من السنة نفسها، لكن الموت عاجله، فأسرع إلى لقاء ربه في التاسع من شوال ( 1417 هـ م= من فبراير 1997م)، ثم نقل جثمانه إلى المدينة في اليوم التالي ودفن في البقيع عن عمر يناهز الثمانين عامًا.
مؤلفات الشيخ أبي غدة :
كان الشيخ أبو غدة من كبار شيوخ الحديث في هذا العصر، تشهد على ذلك مؤلفاته الكثيرة، وتحقيقاته التي تزيد عن ستين كتابًا، يدور معظمها حول الحديث وعلومه، وهذه الكتب كلها مما يفيد الدارس البصير، فضلاً عن المتصفح العجول، ففيها كتب ضافية عن الجرح والتعديل، وتمييز الفتاوى عن الأحكام، وفقه أهل العراق، وفقهاء العالم الإسلامي في القرن الرابع عشر الهجري، ومنهج السلف في السؤال عن العلم وغير ذلك.
وأهم مؤلفاته هي : -
-صفحات من صبر العلماء.
- من أدب الإسلام
- العلماء العزاب الذين آثروا العلم على الزواج.
- الرسول المعلم وأساليبه في التعليم.
- لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث.
- من فقهاء العلم الإسلامي في القرن الرابع عشر.
- أمراء المؤمنين في الحديث.
أما تحقيقاته لكتب الحديث فكثيرة، منها :
- رسالة المسترشدين للإمام الحارث المحاسبي.
- المنار المنيف في الصحيح والضعيف لابن قيم الجوزية.
- المصنوع في معرفة الحديث الموضوع للإمام علي القاري.
- فقه أهل العراق وحديثهم للعلامة محمد زاهد الكوثري.
وإلى جانب هذه الآثار التي ألفها وحققها الشيخ أبو غدة كان عضوًا في المجمع العلمي العراقي في بغداد، وعضوًا في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة، ونال جائزة سلطان بروناي لخدمة الحديث النبوي الشريف في سنة (1415 هـ = 1994م) وكان أول من نال هذه الجائزة.
أم محمد
17th January 2008, 04:19 PM
الشيخ محرم العارفي
http://aljazeeratalk.net/upload/1/1161410208.jpg
النشأة:
لم يستطع محرم الناشئ أن يتابع التحصيل العلمي من خلال الدراسة المنهجية في المدارس، فقد اضطر لترك المدرسة وهو في المرحلة الإبتدائية وذلك في سبيل تعلم حرفة تساعده على كسب قوته ومساعدة عائلته.
من وقتها صار محرم اليافع سباكاً، كان يشارك كعامل بسيط في ورشة لتصليح الأدوات الصحية. وكان من مستلزمات هذه الحرفة أن يستعمل العامل المطرقة والإزميل مستعيناً بعزمه وقوته لتحطيم الحجارة، والكشف عن أنابيب المياه المستترة في جوف الجدر. ولعل الشيخ محرم صاحب الجسد النحيل اكتسب من هذا العمل خصلة الجلد والثبات ومتابعة الضربات تلو الضربات حتى يفتت الحجارة التي تقف في طريقه...
بعد ساعات العمل المجهد، وفي أوقات الفراغ، كان محرم الشاب يلتجئ إلى المسجد العمري الكبير وغيره من مساجد صيدا، هناك كان يجد راحته وسواه، لقد كان قلبه معلقاً بالمساجد...
كانت المساجد في الخمسينات ومطلع الستينات من القرن الماضي أشبه بمأوى العجزة، فأنت إن تأملت روادها، وجدتهم جميعاً شيوخاً وهنت عظامهم، وتقوست ظهورهم، وفقدوا عنفوان الشباب وحيويته، وها قد صارت حياتهم على وشك الإنقضاء، فآثروا حسن الختام، وكان المسجد ملجأهم في أيامهم الأخيرة...
لكن شجرة الإسلام الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، بدأت تزهر من جديد، وبدأت البراعم الغضة الطرية تنمو وتكثر معلنة أن فوجاً جديداً من ثمار الخير على وشك النضوج، نعم! لقد أنجبت رحم الإسلام جيلاً جديداً من الشباب ليملأ هذه المساجد ويضخ في أرجائها إكسير الحياة والعنفوان، وكان محرم الشاب أحد هؤلاء الشباب...
في تلك الفترة ظهر تعلق الشيخ بالمساجد بشكل صارخ لا مراء فيه، فكان ينام في المسجد الليالي الطوال، وكانت بالنسبة له المنتدى والمبيت ومكان الطعام والسمر فضلاً عن العبادة والطاعة...
العلم النافع:
هناك في المسجد تحول محرم إلى طالب علم نجيب، وراح يحاول تعويض ما فاته من تحصيل علمي بسبب تركه المدرسة، وكان علماء البعثة الأزهرية خير معين له، لذلك اجتهد في ملازمتهم والأخذ عنهم. ومن العلماء الأفاضل الذين علقت أسماؤهم في ذاكرة شباب ذلك الجيل: الشيخ محمود الباز رحمه الله والشيخ أحمد الدومي، ذلك العالم الضرير الذي كان محرم الشاب يلازمه لأوقات طويلة ليعينه على قضاء حوائجه من جهة –لما به من عمى- وليأخذ عنه العلم النافع والهدي القويم من جهة أخرى...
وكما انتفع محرم الشاب من علماء البعثة الأزهرية، كذلك انتفع من علماء المدينة فكان يحضر دروس الشيخ عمر الحلاق رحمه الله تعالى، والشيخ عقل حمادو رحمه الله، كما كان يجلس بين يدي الشيخ القارئ موسى نضر والحاج محمد أبو زيد ليحفظ القرآن ويتقن تلاوته على أيديهم رحمهم الله جميعاً...
وبعد صلاة الفجر من كل يوم كان طالب العلم النجيب محرم ينطلق سيراً على الأقدام إلى منطقة البستان الكبير ليجلس بين يدي الشيخ إبراهيم غنيم ويأخذ عنه الفقه الشافعي... نعم، لقد شهدت تلك الفترة بدايات تكون شخصية محرم عارفي العلمية ليكون بعدها الشيخ محرم، لا محرم الشاب الملتزم فقط...
الإجتياح الإسرائيلي للبنان:
وبحلول صيف العام 1982 ومع بداية شهر حزيرانكانت طائرات العدو تحلق في سماء مدينة صيدا والشيخ محرم حرق الصور والبيانات والمنشورات والأوراق التي يخشى إن وقعت في أيدي العدووعملائهم أن تفضح أسماء ووجوه الشباب المسلم المجاهد. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بلحوّل الشيخ منزله إلى قاعدة عسكرية حيث رابط الشباب المسلم بسلاحهم داخل البيتالمطل على البحر من جهة الغرب وهم يراقبون الساحل تحسباً لأي إنزال يقدم عليهالعدو.وحل الخامس من حزيران واجتاحت قوات العدو الصهيوني لبنان ومن ضمنه مدينةصيدا. وتصدى الاشاوس للعدوان، لكن الآلة العسكرية المتطورة كانت أكبر من أن تتصدىلها الاسلحة الخفيفة والتقليدية. فحلت الكارثة وبات قسم كبير من بلدنا الحبيب تحتنير الإحتلال الغاشم.كان الحرق والتدمير السمة البارزة للجيش الإسرائيلي،فهمجية الصهاينة لم تفرق بين المواقع العسكرية ودور العبادة ومنازل المواطنين. فدمرالمسجد العمري الكبير، ودمرت المنازل والبيوت، حتى منزل الشيخ محرم نال حظه منالتدمير حيث قصف وأصيب بإصابات مباشرة مما تسبب في تدميره واستحالة السكن فيه. لكنرحمة الله تعالى وعنايته تدخلت حيث كان ذلك اليوم يوم أحد، وقد اصطحب الشيخ أهلبيته لعيادة أخت زوجته والإطمئنان على حالها. ولما عاد وجد المنزل قد تهدم بعضهوأكلت النيران بعضه الآخر. لكن ذلك لم يؤثر على عزيمة الشيخ بل صبر على الإبتلاءواحتسب ما خسره عند الله وفي سبيل الله.
في سراي صيدا
حمل الشيخ محرم إلى سراي صيدا الحكومي بعد إعتقاله –وكان العدو الصهيوني قد احتلها واتخذ منها مركزاً له. وهناك ادخل الشيخ إلى غرفة التحقيق وبدأ المحقق يسأل، عساه يظفر من الشيخ بأسماء المجاهدين الذين يعرفهم، أو ينال شيئاً من المعلومات التي قد تسهم في كشف خلايا المجاهدين...لكن الشيخ الذي كان دأبه أن يعلو المنبر ليتكلم بأعلى صوته، وجد أن هذا الموقف هو موقف الصمت والسكون، فأي كلمة يذكرها قد توظف ضد الوطن وضد تلك الثلة المؤمنة التي هبت للذود عن حياضه...
أدرك المحقق أن الشيخ لن يتكلم بسهولة، لذلك لجأ إلى أسلوب خبيث، حاول أن يحطم إصرار الشيخ على التكتم، لكنه أدرك أن تعذيب الشيخ وإجباره على الكلام لن يجدي نفعاً، ولكن لعل الأمر يكون مختلفاً لو كان الذي يعذب إنسان عزيز على قلب الشيخ كزوجه مثلاً؟ لذلك وضعوا الشيخ محرم في غرفة تجاورها غرفة أخرى يسمع منها صوت امرأة تصرخ وتستغيث. وراح المحقق يقنع الشيخ بأن التي تصرخ هي زوجه، وأنها ستقاسي الأمرين على يد العلوج من رجاله إن لم يتعاون الشيخ ويتكلم، والشيخ حائر بين العاطفة الجياشة والحب الكبير الذي يكنه لزوجه، وبين الواجب الشرعي الذي يمنعه من الكلام والإدلاء بأي شيء يفيد الصهاينة...
وفاته:
وتوفي الشيخ محرم عارفي رحمه الله تعالى في العام 2000 ، واجتاح الحزن أفئدة محبيه، وتركت وفاته أثراً بالغاً أنسانا فرحة عيد الفطر وبهجته.
محبيه
وفي خضم الإثارة الإعلامية لتكريم الشيخ الفقيد تتصل إحدى الأخوات الفاضلات بالإذاعة وتقول بصوت كادت غصة الحزن أن تخنقه:
'لا تجعلونا ننسى الشيخ محرم، ذكرونا به دائماً، داوموا على بث خطبه ودروسه...'
الرأي السديد
17th January 2008, 07:57 PM
الموضوع كثير حلو بس يا ريت لو يكون بشكل مختصر حتى لا يمل القارئ
أم محمد
18th January 2008, 06:58 PM
اخي الرأي السديد
اعلم ان ما اورده هنا طويل قليلا
لكن المعني بالقراءة والمهتم بالمعرفة لا يمل
يجب ان نتعلم ان كثرة القراءة لا تضر
مشكلتنا في اننا لا نقرأ
ونريد أشياء سريعة (رؤوس اقلام)
فاعذرني اخي ... لكني سأحاول أن اختصر قدر الامكان.. وأشكرك على النصيحة الغالية
بنت الدعوة
20th January 2008, 11:13 AM
جزاكِ الله الجنة
ربنا يكرمك دنيا واخرة اختنا ام محمد