المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اليحيى عيّاش (جمعة الشهادة )



المبتسم دوما
5th January 2008, 05:21 AM
جمعة الشهادة :

إنه يوم الجمعة الحزينة 15 شعبان 1416هـ الموافق الخامس من كانون الثاني يناير 1996م التي لم تكن كأي جمعة فما أن أذاع تلفزيون العدو نبأ الاغتيال فاهتزت فلسطين بكلّ أرجائها و دبّت قشعريرة و سرى شعور حزين و حاولت القلوب الفزعة أن تكذّب أو تشكّك ، و اهتزت الكلمات في الحناجر حين أعلنت حماس توقّف عقل الفتى العاشق و سكنت نبضات قلبه .
فبكى كلّ شيء في فلسطين حتى كاد طوفان الدمع أن يغرق شوارع غزة و حارات نابلس و طولكرم و الخليل . و مرّ ليل الجمعة الباكية ثقيلاً على الجبال و الوديان و الناس ، ينما سكنت الأمواج في انتظارٍ حزين ، و في الصباح تراكض الباحثون عن وطن نحو رافات يعانقون جدران منزل المهندس متوعّدين بالثأر و مؤمّنين على دعاء أم يحيى (قلبي و ربي راضين عليك) ، و كم تمنى أولئك لو أنهم تشرّفوا بتشييعه أو على الأقل مشاهدة وجهه أو ملامسة كفه فيتعلمون كيف يضرب و كيف يصنع لنا الحياة .
و يروي أسامة حماد صديق المهندس أيام الدراسة و الشاهد الوحيد على عملية الاغتيال حيث قال إن يحيى التجأ إليه قبل خمسة شهور من استشهاده حيث آواه في منزله دون أن يعلم أحد و كان كمال حماد و هو خال أسامة و يعمل مقاول بناء على صلة وثيقة بالمخابرات الصهيونية يلمّح لأسامة بإمكانية زيارة يحيى له في شركة المقاولات و إعطاه جهاز بيلفون لاستخدامه ، و كان كمال يأخذ جهاز البيلفون ليوم أو يومين ثم يعيده ، و قد اعتاد والد المهندس الاتصال مع يحيى عبر البيلفون و قد طلب منه يحيى مراراً الاتصال على الهاتف البيتي و قد اتفق يحيى مع والده على الاتصال به صباح الجمعة القادم على الهاتف البيتي ، و في صباح الجمعة الخامس من يناير 1996 اتصل كمال حماد بأسامة و طلب منه فتح الهاتف المتنقل لأنه يريد الاتصال من الكيان و اتضح أن خط هاتف البيت مقطوع ، و في الساعة التاسعة صباحاً اتصل والد يحيى على الهاتف المتنقل الذي أبلغ أسامة أنه لم يستطع الاتصال على الهاتف البيتي و استلم المهندس الهاتف و قال لوالده : "يا أبي لا تظل تتصل على البيلفون" ، حينها دوّى الانفجار من الهاتف و سقط المهندس ، و اللحم يتناثر و الزجاج يتحطّم و بقع الدم تتناثر و يتضح أن عبوة ناسفة تزن 50 غراماً انفجرت في الهاتف النقال ، ليستريح المقاتل الصلب بعد سنوات الجهاد و يصعد إلى العلا و المجد يلتقي هناك بالنبيين و الصديقين و الشهداء بإذن الله . و ما إن انتشر خبر استشهاد المهندس حتى ساد في أنحاء فلسطين خاصة و العالم الإسلامي عامة حالة من عدم الاستقرار و خرجت الآلاف في شوارع قطاع غزة و فلسطين يهيمون على وجوههم بغير وعي و أعلنت سلطات الاحتلال حالة الطوارئ و أغلقت الضفة و غزة و نشرت قوات معزّزة و لم تخفِ فرحتها العظمى بهذا الخبر حيث صرّح يعقوب بيري رئيس المخابرات السابق بالقول : "موت عياش وضع حداً لأخطر و أعنف المحاربين الذين عرفناهم" .. فيما صرّح موشيه شاحك وزير الأمن الداخلي بالقول : "بتنا نتنفس بشكلٍ أفضل بعد إعلان موته" .
و خرجت جماهير غزة الأبية في مسيرة لم تشهد لها فلسطين مثيلاً لتشييع المهندس و صار الشعب كله يحيى ، و صار يحيى الشعب كلّه فعظمة الشهادة و الإنجاز أبت أن يكون المهندس ابن رافات وحدها و لا ابن حماس دون غيرها ، فكما كان عمله و حياته لكلّ فلسطين من بحرها لنهرها جاء استشهاده ليملأ كل فلسطين بالأمل و الرجاء ، تماماً كالبرق سطوعاً ليست انطفاءته إلا ميلاداً للحياة .
إن التجاوب الشعبي المدهش الذي ولده استشهاد المهندس يؤكّد أكثر من معنى و يشير إلى أكثر من دلالة ، فهو :
أولاً : استفتاء عفوي بأن خيار الجهاد و المقاومة لا يزال في قلوب أبناء فلسطين .
ثانياً : أثبت الشعب الفلسطيني بأن من يعطي فلسطين بإخلاص و أمانة كعماد عقل و يحيى عياش و عوض سلمي و صلاح شحادة و محمود أبو الهنود و غيرهم يجد صدى أفعاله لدى الجماهير مجسّداً في تشييع عماد و يحيى و صلاح .
ثالثاً : إن كرة اللهب البشرية التي اندفعت لوداع المهندس هي في إحدى صورها تعبير صريح عن حالة الغضب و مشاعر الاحتقان التي يكنها الفلسطينيون لعدوهم رغم كل الاتفاقات و الترويج لحالة الصداقة الجديدة التي كشفت زيفها انتفاضة الأقصى المباركة .

معالم و عبر :

و لعلّ سيرة الشهيد المهندس و حياته و استشهاده تقودنا إلى الكثير من العبر و العظات ، أهمها :

أولاً : قاعدة عقائدية و إيمانية :
البيئة العقائدية و الإيمان الراسخ في أعماق النفس البشرية هي التي تبدع و تفرز ظاهرة الرجال المستعدين للموت في سبيل الله و من خلال تجذّر هذه الأصول و صلابة حاملها تنفجر مدخرات الطاقة في خلايا الجسم ، و يتألّق كلّ ما أودعه الخالق سبحانه و تعالى في هذه النفس من خلق و تجرد و إخلاص و صدق و توكل و غيرها من خصائص الشهادة و معاني البقاء و الاقتداء .
و لئن غادرنا المهندس بعد نجاحه في الوصول إلى قمة هرم الصاعدين و انتصاره في مسيرته الحياتية نحو الخلود فإننا ما زلنا نمتلك التمسك بمبادئه و ثوابته و تجربته التاريخية الزاخرة بمدلولات تبشّر بدروس من السهل الاقتداء بها و تقليد العملاق الخالد على أرض فلسطين و تكرار مسيرته و التبشير بقدرات الأمة على إنجاب العظماء و صنع المستقبل المشرق .. و نستطيع أن نورد إضاءات من القاعدة العقائدية و الإيمانية التي حملت أعمدة العملاق الخالد لتكون ألوية رشد و هداية يقتدي بها السائرون .
- امتزاج الورع و التقوى بصفاء الروح و بساطة النفس إذ إن يحيى كان ملتزماً و مطيعاً لله فيما أمر به أو نهى عنه ، و هذا المفهوم لمعنى التديّن ظهر عند المهندس من خلال إكثاره من قراءة القرآن الكريم و تلاوته و حفظه و من هنا يظهر لنا سبب إصراره بعناده و إقدامه الذي لم يعرف التردد في مسيرة الجهاد رغم تفوق العدو و قسوته .
- الجدية في الحياة و صلة الرحم و حب الناس و أداء الواجب و هذا لا يعنى أن الشهيد لم يكن صاحب مزاح أو مرح نظيف و إنما كان يتجنب الصخب و يبتعد عن الأجواء الملوثة .
- توجيه و تكريس الحياة الدنيا لعمل الخير و اعتبار ذلك وسيلة لبلوغ رضوان الله ، و من هنا كان عطوفاً على الناس يقدّم المساعدة التي يقدر عليها لكل من يلجأ إليه .
- التسامح سمة من سمات المهندس في علاقاته سواء في البيت أو القرية أو الجامعة إذا كان يسامح من يسيء له و لم يحمل حقداً على أحد حتى لو أساء إليه .
- الهدوء و الاتزان و عمق التفكير و كأنه كان يحلّق في آفاق البحث عن رضوان الله مما ساقه إلى مبتغاه مع الأنبياء و الصديقين و الشهداء .
- لم يكن للذاته نصيب من الدنيا و متاعها إذ عرف عنه عفّة اليد و الزهد لا يبتغي سوى مرضاة الله و عندما قامت الحركة بإرسال مبلغٍ من المال لإعانته على شئون عائلته أرسل إلى قيادته معاتباً : "بالنسبة للمبلغ الذي أرسلتموه فهل هو أجر لما أقوم به ؟ إن أجري على الله أسأله أن يتقبّل منا فإن هدفي ليس مادياً و لو كان كذلك لما اخترت هذا الطريق ، فلا تهتموا بي كثيراً و اهتموا بأسر الشهداء و المعتقلين فهم أولى مني و من أهلي" .
و لأنه لا يريد سوى مرضاة الله و جنته فقد عمل الشهيد البطل بصمتٍ في الخفاء مستعلياً على شهوات النفس و الأضواء و وسائل الإعلام مما زاد في قدرته على المواجهة و إفشال عمليات الاستفزاز و الاستدراج . و كلّ ذلك يفصح عن وعي عميق بطبيعة المعركة و متطلباتها و عن التجرد و الإخلاص للهدف و القضية ، و لئن أحبّ يحيى العمل الجهادي بطريقة عاصفة ملكت عليه كل جوارحه مؤثراً أن تتحدث عنه أعماله لا أقواله باعتبار أنه يمثل حركة و تاريخاً و ليس نفسه فقط إلا أنه لم يكن يحب تضخيم الأمور و دوره و يرجع الفضل دائماً إلى ربّ العزة سبحانه مردداً و بشكلٍ دائم الآية الكريمة : "و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى" .

ثانياً : السرية و الكتمان :
يعدّ هذا الأمر من الأمور البدهية في حياة المهندس و أبجدية مهمة من أبجديات العمل استهداء بأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان" ، فقد عمل المهندس و كتائب الشهيد عز الدين القسام بطريقة سرية منظمة جعلت من مخططات أجهزة الأمن و الاستخبارات الصهيونية لاختراق بنية الجهاز العسكري و محاولات رصد عملياته قبل وقوعها أمراً في غاية الصعوبة . فالجهاد مرصود و إجهاضه استراتيجية صهيونية و عالمية خاصة بعد أن أصبح الإسلام هو العدو الأول لمعسكر النظام العالمي الجديد أو "الأجد" ، و أدواته في حالة الشهيد القائد تتجاوز طبيعة السرية و الكتمان الحدث الطارئ أو الحاجة الآنية لتصبح خلقاً راسخاً و عادة متمكّنة .

ثالثاً : التخلّص من أعين الأعداء :
إن براعة المهندس الفائقة "بفضل الله و رعايته" في مواجهة مطارديه و عبقريته في التخفّي و المراوغة و الإفلات من الكمائن التي كانت تنصب له من قبل عدة آلاف من جنود الوحدات الخاصة المختارة من الجيش الصهيوني و قوات حرس الحدود و الشرطة بالإضافة إلى عدة مئات من أفراد جهاز المخابرات العامة الشاباك و وحدات استخبارية عسكرية خاصة كلّفت بالمشاركة في أوسع حملة مطاردة تنظّمها الدولة العبرية في تاريخها جعلت ملاحقيه يطلقون عليه لقب "العبقري" و "كارلوس الثعلب" و "الرجل ذو ألف وجه" ، و ينسبون إليه صفات الرجل المقدّس و الإنسان الذي يمتلك سبعة أرواح و من يرى و لا يُرى و هي أمور حاولت أجهزة الأمن و الاستخبارات الصهيونية إخفاء عجزها وراءها ، فقد بحثت سلطات الاحتلال عن المهندس طوال أربع سنوات و خلال تلك المدة استمر القائد في عملياته بدون توقّف أو هدوء فجنّد الخلية تلو الأخرى و بعث فيها روح المبادرة و النشاط بعد كلّ ضربة كان الصهاينة يوجّهونها للمجموعات الجهادية و بعد كلّ عملية تعترف سلطات الاحتلال بأن حتى أخباره تختفي اختفاء متقناً مما أصاب قيادة الشاباك في حيرة إزاء لغز المهندس .
و إن نجاح المهندس في الوصول إلى قطاع غزة يعتبر في حد ذاته ضربة قاسية للكيان الصهيوني جعلت إسحاق رابين في اجتماع القيادة المشتركة للأجهزة الأمنية الصهيونية يضرب الطاولة بغضبٍ شديد مطالباً بتفسيرات واضحة حول الكيفية التي استطاع المهندس خلالها أن يتجاوز آلاف المخبرين الصهاينة الذين كانوا يطاردونه و تضليل أجهزة الأمن الصهيونية .

رابعاً : جهاد .. نصر أو استشهاد :
البعد الآخر في شخصية يحيى عياش أو المهندس يتمثّل في إصراره على مواصلة العمل و النشاط و استعداده الدائم للاستشهاد و الموت في سبيل الله و رفض الخروج أو الهرب خارج فلسطين المحتلة على الرغم من إمكانية ذلك ، فالرجل الذي أرعب قيادات الاحتلال و جنوده و مستوطنيه و جعلهم يحفظون صورته عن ظهر قلب و يعلّقونها في مكاتبهم ، كان يدرك أن لكلّ أجلٍ كتاب و كان هذا الإدراك بمثابة زادٍ لهذا المؤمن المجاهد على مواصلة الجهاد و توريث خبرته و علمه لإخوانه ، و لهذا كان وجه يحيى يحمرّ غضباً حين يحدّثه إخوانه عن مغادرة الوطن لفترة و يردّ عليهم "مستحيل فقد نذرت نفسي لله ثم لهذا الدين إما نصر أو استشهاد ، إن الحرب ضد الكيان الصهيوني يجب أن تستمر إلى أن يخرج اليهود من كلّ أرضِ فلسطين" .

المبتسم دوما
5th January 2008, 05:40 AM
كابوس يهدد دولة

تحوَّل المهندس بعملياته الاستشهادية إلى كابوس يهدد أمن الدولة العبرية وأفراد جيشها الذي يدِّعي أنه لا يُقهر بل وقادته أيضًا؛ حيث بلغ الهوس الإسرائيلي ذروته حين قال رئيس وزراء الكيان الصهيوني آنذاك إسحق رابين: "أخشى أن يكون عياش جالسًا بيننا في الكنيست". وقوله أيضًا: "لا أشك أن المهندس يمتلك قدرات خارقة لا يملكها غيره، وإن استمرار وجوده طليقًا يمثل خطرًا واضحًا على أمن إسرائيل واستقرارها".
ولا يعتبر كثير من الباحثين الإسرائيليين أن يحيى نبتٌ منفردٌ، لكنه وليد محضن تربوي ونسق فكري، وهو ما حدا بأحدهم أن يصرِّح: "إن المشكلة في البيئة العقائدية الأصولية التي يتنفس المهندس من رئتها؛ فهي التي تفرز ظاهرة المهندس وظاهرة الرجال المستعدين للموت في سبيل عقيدتهم".
أما "موشيه شاحاك" وزير الأمن الداخلي الصهيوني السابق فقد قال: "لا أستطيع أن أصف المهندس يحيى عيَّاش إلا بالمعجزة؛ فدولة إسرائيل بكافة أجهزتها لا تستطيع أن تضع حدًّا لعملياته التخريبية".
كما كتبت الصحف العبرية عن مواصفاته، ونشرت عدة صور مختلفة له لتحذر الشعب الصهيوني منه تحت عنوان رئيسي "اعرف عدوك رقم 1 .. يحيى عيَّاش".