المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : [7] في ظلال سورة عبس... (2)



ابن الجامعة
12th April 2010, 12:33 AM
ثم إن الأمر - كما تقدم - أعظم وأشمل من هذا الحادث المفرد , ومن موضوعه المباشر . إنما هو أن يتلقى الناس الموازين والقيم من السماء لا من الأرض , ومن الاعتبارات السماوية لا من الاعتبارات الأرضية . . (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). . والأكرم عند الله هو الذي يستحق الرعاية والاهتمام والاحتفال , ولو تجرد من كل المقومات والاعتبارات الأخرى , التي يتعارف عليها الناس تحت ضغط واقعهم الأرضي ومواضعاتهم الأرضية . النسب والقوة والمال . . وسائر القيم الأخرى , لا وزن لها حين تتعرى عن الإيمان والتقوى . والحالة الوحيدة التي يصح لها فيها وزن واعتبار هي حالة ما إذا أنفقت لحساب الإيمان والتقوى .

هذه هي الحقيقة الكبيرة التي استهدف التوجيه الإلهي إقرارها في هذه المناسبة , على طريقة القرآن في اتخاذ الحادث المفرد والمناسبة المحدودة , وسيلة لإقرار الحقيقة المطلقة والمنهج المطرد .

ولقد انفعلت نفس الرسول [ ص ] لهذا التوجيه , ولذلك العتاب . انفعلت بقوة وحرارة , واندفعت إلى إقرار هذه الحقيقة في حياته كلها , وفي حياة الجماعة المسلمة . بوصفها هي حقيقة الإسلام الأولى .

وكانت الحركة الأولى له [ ص ] هي إعلان ما نزل له من التوجيه والعتاب في الحادث . وهذا الإعلان أمر عظيم رائع حقا . أمر لا يقوى عليه إلا رسول , من أي جانب نظرنا إليه في حينه .

نعم لا يقوى إلا رسول على أن يعلن للناس أنه عوتب هذا العتاب الشديد , بهذه الصورة الفريدة في خطأ أتاه ! وكان يكفي لأي عظيم - غير الرسول - أن يعرف هذا الخطأ وأن يتلافاه في المستقبل . ولكنها النبوة . أمر آخر . وآفاق أخرى !
لا يقوى إلا رسول على أن يقذف بهذا الأمر هكذا في وجوه كبراء قريش في مثل تلك الظروف التي كانت فيها الدعوة , مع أمثال هؤلاء المستعزين بنسبهم وجاههم ومالهم وقوتهم , في بيئة لا مكان فيها لغير هذه الاعتبارات , إلى حد أن يقال فيها عن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم: (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم !). . وهذا نسبه فيهم , لمجرد أنه هو شخصيا لم تكن له رياسة فيهم قبل الرسالة !

ثم إنه لا يكون مثل هذا الأمر في مثل هذه البيئة إلا من وحي السماء . فما يمكن أن ينبثق هذا من الأرض . . ومن هذه الأرض بذاتها في ذلك الزمان !!

وهي قوة السماء التي دفعت مثل هذا الأمر في طريقه ; فإذا هو ينفذ من خلال نفس النبي [ ص ] إلى البيئة من حوله ; فيتقرر فيها بعمق وقوة واندفاع , يطرد به أزمانا طويلة في حياة الأمة المسلمة .

لقد كان ميلادا جديدا للبشرية كميلاد الإنسان في طبيعته . وأعظم منه خطرا في قيمته . . أن ينطلق الإنسان حقيقة - شعورا وواقعا - من كل القيم المتعارف عليها في الأرض , إلى قيم أخرى تتنزل له من السماء منفصلة منعزلة عن كل ما في الأرض من قيم وموازين وتصورات واعتبارات وملابسات عملية , وارتباطات واقعية ذات ضغط وثقل , ووشائج متلبسة باللحم والدم والأعصاب والمشاعر . ثم أن تصبح القيم الجديدة مفهومة من الجميع , مسلما بها من الجميع . وأن يستحيل الأمر العظيم الذي احتاجت نفس محمد [ ص ] كي تبلغه إلى التنبيه والتوجيه , أن يستحيل هذا الأمر العظيم بديهية الضمير المسلم , وشريعة المجتمع المسلم , وحقيقة الحياة الأولى في المجتمع الإسلامي لآماد طويلة في حياة المسلمين .

إننا لا نكاد ندرك حقيقة ذلك الميلاد الجديد . لأننا لا نتمثل في ضمائرنا حقيقة هذا الانطلاق من كل ما تنشئه أوضاع الأرض وارتباطاتها من قيم وموازين واعتبارات ساحقة الثقل إلى الحد الذي يخيل لبعض أصحاب المذاهب "التقدمية ! " أن جانبا واحدا منها - هو الأوضاع الاقتصادية - هو الذي يقرر مصائر الناس وعقائدهم وفنونهم وآدابهم وقوانينهم وعرفهم وتصورهم للحياة ! كما يقول أصحاب مذهب التفسير المادي للتاريخ في ضيق أفق , وفي جهالة طاغية بحقائق النفس وحقائق الحياة !

إنها المعجزة . معجزة الميلاد الجديد للإنسان على يد الإسلام في ذلك الزمان . .

ابن الجامعة
12th April 2010, 12:36 AM
ومنذ ذلك الميلاد سادت القيم التي صاحبت ذلك الحادث الكوني العظيم . . ولكن المسألة لم تكن هينة ولا يسيرة في البيئة العربية , ولا في المسلمين أنفسهم . . غير أن الرسول [ ص ] قد استطاع - بإرادة الله , وبتصرفاته هو وتوجيهاته المنبعثة من حرارة انفعاله بالتوجيه القرآني الثابت - أن يزرع هذه الحقيقة في الضمائر وفي الحياة ; وأن يحرسها ويرعاها , حتى تتأصل جذورها , وتمتد فروعها , وتظلل حياة الجماعة المسلمة قرونا طويلة . . على الرغم من جميع عوامل الانتكاس الأخرى . .

كان رسول الله [ ص ] بعد هذا الحادث يهش لابن أم مكتوم ويرعاه ; ويقول له كلما لقيه:" أهلا بمن عاتبني فيه ربي " وقد استخلفه مرتين بعد الهجرة على المدينة . .

ولكي يحطم موازين البيئة وقيمها المنبثقة من اعتبار الأرض ومواضعاتها , زوج بنت خالته زينب بنت جحش الأسدية , لمولاه زيد بن حارثة . ومسألة الزواج والمصاهرة مسألة حساسة شديدة الحساسية . وفي البيئة العربية بصفة خاصة .

وقبل ذلك حينما آخى بين المسلمين في أول الهجرة , جعل عمه حمزة ومولاه زيدا أخوين . وجعل خالد بن رويحة الخثعمي وبلال بن رباح أخوين !

وبعث زيدا أميرا في غزوة مؤتة , وجعله الأمير الأول , يليه جعفر بن أبي طالب , ثم عبد الله بن رواحة الأنصاري , على ثلاثة آلاف من المهاجرين والأنصار , فيهم خالد بن الوليد .

وخرج رسول الله [ ص ] بنفسه يشيعهم . . وهي الغزوة التي استشهد فيها الثلاثة رضي الله عنهم .

وكان آخر عمل من أعماله [ ص ] أن أمر أسامة بن زيد على جيش لغزو الروم , يضم كثرة من المهاجرين والأنصار , فيهم أبو بكر وعمر وزيراه , وصاحباه , والخليفتان بعده بإجماع المسلمين . وفيهم سعد بن أبي وقاص قريبه [ ص ] ومن أسبق قريش إلى الإسلام .

وقد تململ بعض الناس من إمارة أسامة وهو حدث . وفي ذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما -:بعث رسول الله [ ص ] بعثا أمر عليهم أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - فطعن بعض الناس في إمارته , فقال النبي [ ص ] إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل . وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة , وإن كان لمن أحب الناس إلي . وإن هذا لمن أحب الناس إلي . .

ولما لغطت ألسنة بشأن سلمان الفارسي , وتحدثوا عن الفارسية والعربية , بحكم إيحاءات القومية الضيقة , ضرب رسول الله [ ص ] ضربته الحاسمة في هذا الأمر فقال:" سلمان منا أهل البيت " فتجاوز به - بقيم السماء وميزانها - كل آفاق النسب الذي يستعزون به , وكل حدود القومية الضيقة التي يتحمسون لها . . وجعله من أهل البيت رأسا !

ولما وقع بين أبي ذر الغفاري وبلال بن رباح - رضي الله عنهما - ما أفلت معه لسان أبي ذر بكلمة "يا بن السوداء" . . غضب لها رسول الله [ ص ] غضبا شديدا ; وألقاها في وجه أبي ذر عنيفة مخيفة: يا أبا ذر طف الصاع ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل . . ففرق في الأمر إلى جذوره البعيدة . . إما إسلام فهي قيم السماء وموازين السماء . وإما جاهلية فهي قيم الأرض وموازين الأرض !

ووصلت الكلمة النبوية بحرارتها إلى قلب أبي ذر الحساس ; فانفعل لها أشد الانفعال , ووضع جبهته على الأرض يقسم ألا يرفعها حتى يطأها بلال . تكفيرا عن قولته الكبيرة !

وكان الميزان الذي ارتفع به بلال هو ميزان السماء . . عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:قال رسول الله [ ص ]:" يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام منفعة عندك . فإني سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة " . فقال:ما عملت في الإسلم عملا أرجى عندي منفعة من أني لا أتطهر طهورا تاما في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي .

وكان رسول الله [ ص ] يقول عن عمار بن ياسر وقد استأذن عليه:" ائذنوا له مرحبا بالطيب المطيب " . . وقال عنه:" ملئ عمار - رضي الله عنه - إيمانا إلى مشاشه " . . وعن حذيفة - رضي الله عنه قال رسول الله [ ص ]:" إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي - وأشار إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما - واهتدوا بهدي عمار . وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه " .

ابن الجامعة
12th April 2010, 12:38 AM
وكان ابن مسعود يحسبه الغريب عن المدينة من أهل بيت رسول الله . . عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال:قدمت أنا وأخي من اليمن , فمكثنا حينا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله [ ص ] من كثرة دخولهم على رسول الله [ ص ] ولزومهم له" .
وجليبيب - وهو رجل من الموالي - كان رسول الله [ ص ] يخطب له بنفسه ليزوجه امرأة من الأنصار . فلما تأبى أبواها قالت هي:أتريدون أن تردوا على رسول الله [ ص ] أمره ? إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه . فرضيا وزوجاها .

وقد افتقده رسول الله [ ص ] في الوقعة التي استشهد فيها بعد فترة قصيرة من زواجه . . عن أبي برزة الأسلمي - رضي الله عنه - قال:كان رسول الله [ ص ] في مغزى له , فأفاء الله عليه . فقال لأصحابه:" هل تفقدون من أحد ? " قالوا:نعم فلانا وفلانا وفلانا . ثم قال:" هل تفقدون من أحد ? " قالوا:نعم فلانا وفلانا وفلانا . ثم قال:" هل تفقدون من أحد ? " فقالوا:لا . قال:" لكني أفقد جليبيبا " فطلبوه , فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه . فأتى النبي [ ص ] فوقف عليه , ثم قال:" قتل سبعة ثم قتلوه . هذا مني وأنا منه . هذا مني وأنا منه " . ثم وضعه على ساعديه , ليس له سريرا إلا ساعدا النبي [ ص ] قال:فحفر له , ووضع في قبره ولم يذكر غسلا .

بذلك التوجيه الإلهي وبهذا الهدي النبوي كان الميلاد للبشرية على هذا النحو الفريد . ونشأ المجتمع الرباني الذي يتلقى قيمه وموازينه من السماء , طليقا من قيود الأرض , بينما هو يعيش على الأرض . . وكانت هذه هي المعجزة الكبرى للإسلام . المعجزة التي لا تتحقق إلا بإرادة إله , وبعمل رسول . والتي تدل بذاتها على أن هذا الدين من عند الله , وأن الذي جاء به للناس رسول !

وكان من تدبير الله لهذا الأمر أن يليه بعد رسول الله [ ص ] صاحبه الأول أبو بكر , وصاحبه الثاني عمر . . أقرب اثنين لإدراك طبيعة هذا الأمر , وأشد اثنين انطباعا بهدى رسول الله , وأعمق اثنين حبا لرسول الله , وحرصا على تتبع مواضع حبه ومواقع خطاه .

حفظ أبو بكر - رضي الله عنه - عن صاحبه [ ص ] ما أراده في أمر أسامة . فكان أول عمل له بعد توليه الخلافة هو إنفاذه بعث أسامة , على رأس الجيش الذي أعده رسول الله [ ص ] وسار يودعه بنفسه إلى ظاهر المدينة . أسامة راكب وأبو بكر الخليفة راجل . فيستحيي أسامة الفتى الحدث أن يركب والخليفة الشيخ يمشي . فيقول:" يا خليفة رسول الله لتركبن أو لأنزلن " . . فيقسم الخليفة:" والله لا تنزل . ووالله لا أركب . وما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة ? " . .

ثم يرى أبو بكر أنه في حاجة إلى عمر . وقد حمل عبء الخلافة الثقيل . ولكن عمر إنما هو جندي في جيش أسامة . وأسامة هو الأمير . فلا بد من استئذانه فيه . فإذا الخليفة يقول:" إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل " . . يالله ! إن رأيت أن تعينني فافعل . . إنها آفاق عوال , لا يرقى إليها الناس إلا بإرادة الله , على يدي رسول من عند الله !

ثم تمضي عجلة الزمن فنرى عمر بن الخطاب خليفة يولي عمار بن ياسر على الكوفة .

ويقف بباب عمر سهيل بن عمرو بن الحارث بن هشام , وأبو سفيان بن حرب , وجماعة من كبراء قريش من الطلقاء ! فيأذن قبلهم لصهيب وبلال . لأنهما كانا من السابقين إلى الإسلام ومن أهل بدر . فتورم أنف أبي سفيان , ويقول بانفعال الجاهلية:"لم أر كاليوم قط . يأذن لهؤلاء العبيد ويتركنا على بابه ! " . . فيقول له صاحبه - وقد استقرت في حسه حقيقة الإسلام:"أيها القوم . إني والله أرى الذي في وجوهكم . إن كنتم غضابا فاغضبوا على أنفسكم . دعي القوم إلى الإسلام ودعيتم . فأسرعوا وأبطأتم . فكيف بكم إذا دعوا يوم القيامة وتركتم ? " .

ويفرض عمر لأسامة بن زيد أكبر مما يفرض لعبد الله بن عمر . حتى إذا سأله عبد الله عن سر ذلك قال له:"يا بني . كان زيد - رضي الله عنه - أحب إلى رسول الله [ ص ] من أبيك ! وكان أسامة - رضي الله عنه - أحب إلى رسول الله [ ص ] منك ! فآثرت حب رسول الله [ ص ] على حبي" . . يقولها عمر وهو يعلم أن حب رسول الله [ ص ] إنما كان مقوما بميزان السماء !

ويرسل عمر عمارا ليحاسب خالد بن الوليد - القائد المظفر صاحب النسب العريق - فيلببه بردائه . . ويروى أنه أوثقه بشال عمامته حتى ينتهي من حسابه فتظهر براءته فيفك وثاقه ويعممه بيده . . وخالد لا يرى في هذاكله بأسا . فإنما هو عمار صاحب رسول الله [ ص ] السابق إلى الإسلام الذي قال عنه رسول الله [ ص ] ما قال !

وعمر هو الذي يقول عن أبي بكر - رضي الله عنهما - هو سيدنا وأعتق سيدنا . يعني بلالا . الذي كان مملوكا لأمية بن خلف . وكان يعذبه عذابا شديدا . حتى اشتراه منه أبو بكر وأعتقه . . وعنه يقول عمر بن الخطاب . . عن بلال . . سيدنا !

وعمر هو الذي قال:"ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته" يقول هذا , وهو لم يستخلف عثمان ولا عليا , ولا طلحة ولا الزبير . . إنما جعل الشورى في الستة بعده ولم يستخلف أحدا بذاته !

وعلي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - يرسل عمارا والحسن بن علي - رضي الله عنهما - إلى أهل الكوفة يستنفرهم في الأمر الذي كان بينه وبين عائشة - رضي الله عنها - فيقول:"إني لأعلم أنها زوجة نبيكم [ ص ] في الدنيا والآخرة , ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو تتبعوها" . . فيسمع له الناس في شأن عائشة أم المؤمنين , وبنت الصديق أبي بكر - رضي الله عنهم جميعا .

وبلال بن رباح يرجوه أخوه في الإسلام أبو رويحة الخثعمي أن يتوسط له في الزواج من قوم من أهل اليمن . فيقول لهم:"أنا بلال بن رباح , وهذا أخي أبو رويحة , وهو امرؤ سوء في الخلق والدين . فإن شئتم أن تزوجوه فزوجوه , وإن شئتم أن تدعوا فدعوا " . . فلا يدلس عليهم , ولا يخفي من أمر أخيه شيئا , ولا يذكر أنه وسيط وينسى أنه مسؤول أمام الله فيما يقول . . فيطمئن القوم إلى هذا الصدق . . ويزوجون أخاه , وحسبهم - وهو العربي ذو النسب - أن يكون بلال المولى الحبشي وسيطه !

واستقرت تلك الحقيقة في المجتمع الإسلامي , وظلت مستقرة بعد ذلك آمادا طويلة على الرغم من عوامل الانتكاس الكثيرة . "وقد كان عبد الله بن عباس يذكر ويذكر معه مولاه عكرمة . وكان عبد الله ابن عمر يذكر ويذكر معه مولاه نافع . وأنس بن مالك ومعه مولاه ابن سيرين . وأبو هريرة ومعه مولاه عبد الرحمن بن هرمز . وفي البصرة كان الحسن البصري . وفي مكة كان مجاهد بن جبر , وعطاء بن رباح , وطاووس بن كيسان هم الفقهاء . وفي مصر تولى الفتيا يزيد بن أبي حبيب في أيام عمر بن عبد العزيز وهو مولى أسود من دنقلة " . .

وظل ميزان السماء يرجح بأهل التقوى ولو تجردوا من قيم الأرض كلها . . وفي اعتبار أنفسهم وفي اعتبار الناس من حولهم . ولم يرفع هذا الميزان من الأرض إلا قريبا جدا بعد أن طغت الجاهلية طغيانا شاملا في أنحاء الأرض جميعا . وأصبح الرجل يقوم برصيده من الدولارات في أمريكا زعيمة الدول الغربية . وأصبح الإنسان كله لا يساوي الآلة في المذهب المادي المسيطر في روسيا زعيمة الدول الشرقية . أما أرض المسلمين فقد سادت فيها الجاهلية الأولى , التي جاء الإسلام ليرفعها من وهدتها ; وانطلقت فيها نعرات كان الإسلام قد قضى عليها . وحطمت ذلك الميزان الإلهي وارتدت إلى قيم جاهلية زهيدة لا تمت بصلة إلى الإيمان والتقوى . .

ولم يعد هنالك إلا أمل يناط بالدعوة الإسلامية أن تنقذ البشرية كلها مرة أخرى من الجاهلية ; وأن يتحقق على يديها ميلاد جديد للإنسان كالميلاد الذي شهدته أول مرة , والذي جاء ذلك الحادث الذي حكاه مطلع هذه السورة ليعلنه في تلك الآيات القليلة الحاسمة العظيمة . .

ابن الجامعة
12th April 2010, 12:46 AM
السلام عليكم و رحمة الله...

ننتظر تعليقاتكم، خصوصا أنه قد خطر لي سؤال: كيف نوازن بين وجوب الحرص على البذر في التربة الطيبة الخيرة، و الالتفات الى المبادر الساعي الى الخير من جهة، و بين حرص النبي صلى الله عليه و سلم على اجتذاب اصحاب السلطة و المال و الجاه الى دعوة الاسلام؟؟

و لنا عودة ايضا في حلقة او حلقتين اخريين مع هذه السورة.

دعواتكم

همتي لأمتي
12th April 2010, 05:51 AM
الحمد لله على نعمة الإسلام التي امتن بها علينا , فوالله إنه وحده الميزان العدل .. وكل ميزان سواه فهو ميزان أعوج

لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى


فالعبد والسيد في ميزان الجاهلية .. لا مكان لها في شرع الإسلام , فيتساوى العبد والسيد إذا تساويا بالتقوى بل ويسبق العبد السيد إن فاضله بالتقوى .. وإن في الأمثلة التي ذكرت ما يشرح الصدر .. ويذكرنا أن نشكر الله طويلا على نعمة الإسلام .. ربنا لك الحمد



وبلال بن رباح يرجوه أخوه في الإسلام أبو رويحة الخثعمي أن يتوسط له في الزواج من قوم من أهل اليمن . فيقول لهم:"أنا بلال بن رباح , وهذا أخي أبو رويحة , وهو امرؤ سوء في الخلق والدين . فإن شئتم أن تزوجوه فزوجوه , وإن شئتم أن تدعوا فدعوا "


:) .. رضي الله عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين .. أضحكني هذا الموقف .. رضي الله عنكم أخي


أما عن التساؤل الذي خطر لكم أخي ..



كيف نوازن بين وجوب الحرص على البذر في التربة الطيبة الخيرة، و الالتفات الى المبادر الساعي الى الخير من جهة، و بين حرص النبي صلى الله عليه و سلم على اجتذاب اصحاب السلطة و المال و الجاه الى دعوة الاسلام؟؟


أقول والله تعالى أعلم .. أنه ليس من الخطأ الحرص على جذب أصحاب السلطة والمال والإصرار على دعوتهم وترغيبهم بدين الإسلام , ولكن الأولوية والأبدى هو الحرص على غرس تعاليم الإسلام في من استجابوا لدعوة الإسلام ويحتاجون لتعليمهم وتفقيههم في الدعوة


إذا الأمر يحتاج لترتيب أولويات .. وهذا يظهر لي من الآيات الكريمة , فالله عز وجل لم يعاتب رسولنا صلى الله عليه وسلم لتصديه لأصحاب الجاه وانشغاله بدعوتهم , إنما لانشغاله عن الأولى وهو تعليم من تزكى وحرص على فهم الإسلام وتعاليمه


والله تعالى أعلم .. رضي الله عنكم أخي ابن الجامعة وقفة راااااااائعة أفادتني كثيرا ..

جعله الله في ميزان حسناتكم

دعواتكم

ابن الجامعة
12th April 2010, 09:30 AM
رضي الله عنكم أختي الكريمة على هذه الوقفات،


إذا الأمر يحتاج لترتيب أولويات .. وهذا يظهر لي من الآيات الكريمة , فالله عز وجل لم يعاتب رسولنا صلى الله عليه وسلم لتصديه لأصحاب الجاه وانشغاله بدعوتهم , إنما لانشغاله عن الأولى وهو تعليم من تزكى وحرص على فهم الإسلام وتعاليمه

فعلا... كم نحن بحاجة الى فهم فقه الاولويات في الاسلام...

دعواتكم

ابن الجامعة
12th April 2010, 08:48 PM
فيقول له صاحبه - وقد استقرت في حسه حقيقة الإسلام:"أيها القوم . إني والله أرى الذي في وجوهكم . إن كنتم غضابا فاغضبوا على أنفسكم . دعي القوم إلى الإسلام ودعيتم . فأسرعوا وأبطأتم . فكيف بكم إذا دعوا يوم القيامة وتركتم ? " .

كم هي كلمات معبرة!!

ان اكرمكم عند الله اتقاكم...

أبو الخباب
13th April 2010, 01:00 PM
لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى


بوركتم جميعا على هذه الموضوعات الرائعة

أخي ابن الجامعة

اختي همتي لامتي

ابن الجامعة
13th April 2010, 02:05 PM
حياكم الله أخي محمد و بارك فيكم على المرور :))

نسال الله أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

دعواتكم

تاج الوقار
14th April 2010, 11:05 AM
كلما تعمقنا في الآيات يزداد فهمنا ويقيننا


فآثرت حب رسول الله [ ص ] على حبي"
قد سبق الأولون اللاحقين بحبهم الخالص لنبيهم صلى الله عليه وسلم ...

وقد ولدوا هم مرتين وكانت الثانية ميلاد الحياة الخالدة بإذن الله.. وتربوا مرتين.. وكانت الثانية تربية يقينية تتجمع فيها كل مقومات النشئ الصالح والقيادة السوية والجندية الواعية ... تغلغل الايمان في اعماقهم فكانت كل حياتهم تسير على نهج قويم .. وزادهم الفهم صلاحا

جزيتم خيرا أخي الكريم وبارك الله فيكم

ابوحذيفةالمقدسي
25th April 2010, 10:28 PM
السلام عليكم ..

لي عودة بإذن الله .. موضوع ثمين .

بارك الله فيك .

ابن الجامعة
25th April 2010, 10:54 PM
بوركت على المرور أخي الكريم.... بانتطار عودتك :)

دعواتكم

مسك
26th April 2010, 05:02 PM
فعلا كلما تعمقت وفهمت سور القرآن ازدد حبا له وشوقا لقراءته والانس به
بارك الله فيكم جميعا على الوقفات الرائعة

ابوحذيفةالمقدسي
28th April 2010, 10:08 PM
السلام عليكم ..


ومنذ ذلك الميلاد سادت القيم التي صاحبت ذلك الحادث الكوني العظيم . . ولكن المسألة لم تكن هينة ولا يسيرة في البيئة العربية , ولا في المسلمين أنفسهم . . غير أن الرسول [ ص ] قد استطاع - بإرادة الله , وبتصرفاته هو وتوجيهاته المنبعثة من حرارة انفعاله بالتوجيه القرآني الثابت - أن يزرع هذه الحقيقة في الضمائر وفي الحياة ; وأن يحرسها ويرعاها , حتى تتأصل جذورها , وتمتد فروعها , وتظلل حياة الجماعة المسلمة قرونا طويلة . . على الرغم من جميع عوامل الانتكاس الأخرى . .


ميلاد جديد .. أسس لما أوردتموه أخي الحبيب من قصص للصحابة الكرام .. ميلاد رفع الانسان من درك الأرض وقوانينها الظالمة الوضعية إلى عنان السماء تحلق أخلاقهم وتسمو .. بمحرك من نوع فريد إنه محرك القرآن الكريم .. الذي وجههم وكـان خير دليل لهم في رحلتهم القصيرة في الحياة الدنيا !

سفينة ابحرت بقيادة ربان حكيم .. متواضع لم يخف عتاب ربه له .. فكان القدوة الذي لم ولن تؤثر به العزة بالنفس .. ولن تعيق رحلة بدأ بهـا بأمر من ربه .

لله در الصحابة كم أغبطهم .. وهم بحياتهم أشبه بالملائكة .. يغضبون لله .. ويتواضعون لله .. ويصفحون لله .

أحسنوا استخدام الميزان الحقيقي بحق .. فربحوا في تجارتهم مع الله عز وجل .. في الدنيا بأن مكن الله لهم .. وفي الآخرة بفوزهم بنعيم دائم !

متى يعــود هذا الميزان .. ويحل العدل .. ونرتفع كما ارتفع من سبقنا ؟!

يحتاج ذلك لعمل دؤوب وعودة صادقة لرب العالمين .. وتدبر لآيات القرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .. فهو دليلنا .. وهو المحرك الذي نحتاج إليه .. أمامنــا ولا نتسابق للحصول عليه .

فلا حول ولا قوة إلا بالله :(

بوركت أخي الحبيب ابن الجامعة :)